الكنيسة في قلب المملكة…

حمل صليبه وذهب الى السعودية. لم يخفه خلف ثوبه الكهنوتي، لم يتحايل على موقعه الكنسي الكبير، لم يوارب في ما يمثله ومن يمثلهم، هو بشارة الراعي بطريرك الموارنة في لبنان وسائر المشرق، ذهب في زيارة تاريخية الى المملكة العربية السعودية تلبية لدعوة المملكة، لم يلغ الزيارة كما حاول البعض الضغط عليه، على العكس تحمّس لها اكثر ليعرف من قرب اسباب استقالة الرئيس الحريري وليزوره في “معتقله” المفترض في بال الماننعين والتافهين. دخل السعودية على الراحات، لا هم “أخلعوه” الصليب تاج كهنوته، ولا هو كان ليرضى أساساً بأن يفعل، هو رجل الدين اللبناني الماروني، وهم مملكة الاسلام والكعبة وبيت محمد الرسول والتقيا، أممنوع لقاء الحضارات والافكار والثقافات والاديان حين يتوجا عنواناً كبيراً لا اجمل ولا انبل منه، المحبة واحترام الاخر؟!

كتبوا في السعودية “منذ فجر الاسلام لم يحط  بطريرك ماروني ارض الطائف”، صحيح، وما إن حط هناك كتبت اقلام في لبنان “تنكّر لصليبه وأخفاه تحت الثوب”!!! ولما جلس البطريرك والمطارنة والوفد المرافق والتقوا الملك ورجالات المملكة، لمعت الصلبان واسترخت على صدور الايمان، وكذّبت الصور ما كتبته صفحات التافهين، لكنهم ما استكانوا فكتبوا “البطرك رح يطلب الاذن لزيارة الحريري بمعتقلو”!!! الى هنا وصلت السخافة في توصيف زيارة تاريخية مماثلة، تاريخية بكل ما للكلمة من معنى وابعاد، اذ ما حصل يوماً ان نزلت السعودية بملوكها ورجالها الكبار الى المطار وضمن احتفالية بالغة الحفاوة لاستقبال كاردينال ماروني، لم يكتبوا في ابعاد الزيارة وفحواها ومدى تأثيرها على المملكة وعلى لبنان تجاه البلدين وتجاه الرأي العام العالمي، وقفت عندهم الزيارة على الصورة، على الصليب المتأرجح ظهوراً واختفاء تحت جبّة البطريرك، على الامعان في محاولة التأكيد ان الحريري في الاقامة الجبرية والبطرك طلب اذن ولي العهد لزيارته وما شابه من تلفيقات كذبتها زيارة الحريري للبطريرك في مقره.

لا يهم كل ذاك الهباء، الاهم كل ذاك المضمون المنتظَر من زيارة مماثلة، اذ لم نكن لنتوقع يوماً ان نشهد في زمننا البائس حتى اللحظة، على مشهدية مماثلة، في قلب المملكة، في الديوان الملكي تحديداً يعلن ملك سعودي عن ترميم كنيسة اثرية اكتشفت حديثاً ويفوق عمرها التسعمئة عام، وستكون هدية رمزية لمناسبة زيارة البطريرك ولاقامة حوار اسلامي – مسيحي يرسم عهداً جديداً للايام الاتية، ولم نحكِ بعد في المضمون السياسي للزيارة، لم نكن لنتوقع مثلاً ان تدخل المملكة عصرها الجديد في الانفتاح ذاك الذي بدا يرسم خطوطه العريضة على الحياة العامة في السعودية، التي اعلنت مثلاً عبر ما يسمى بالهيئة العامة للترفيه، عن حفلات غنائية سيُحييها الفنان العراقي كاظم الساهر والموسيقار اليوناني العالمي Yanni في الرياض وجدة، امر جميل، الفنون ستدخل المملكة من باب صخب الحياة، هي الثورة الايجابية حين ترخي ارتياحها على ناسها وناسنا الذي يعملون هناك ويرسلون الاف الدولارات لعائلاتهم سنوياً في لبنان، هذه مملكة حرة لنا فيها ابناء، ونحن جمهورية حرة لهم عندنا محبين كثر وليس ميليشيا تنمو على حساب كرامة الدولة وجيشها وعنفوانه، هنا الفارق المفصلي الكبير الخطير، لم تمتد ايادي السعودية يوماً الى معجن لبنان لتسرق رغيفه، لم تسلّحنا لنعبث بكرامة وطننا، بل لطالما مدتنا بالاموال لتموّل مشاريع انمائية اقتصادية وكل المطلوب منا الوفاء والصداقة الحقيقية والاحترام المتبادل، المطلوب ان لا تتحول ميليشيا لبنانية يربض مقاتلوها عند حدودها الى منبع صواريخ تهز امنها واستقرارها ويهز امننا واستقرارنا وعلاقاتتنا بدول صديقة.

ما لنا وكل ذاك الشجن، التاريخ يصوّب أحداثه بنفسه، وها هو التاريخ يرسم غير خطوط للعلاقة اللبنانية السعودية، ستأتي الايام وسنشهد على تغيير اكبر بعد بكثير، والبطريرك الذي استقُبل ملكاً في المملكة كما يليق به وبوطنه لبنان، عائد بمؤونة كبيرة من الامال، ويبقى ان يحترم بعض اللبنانيين وطنهم والا يحولوه الى ساحة شتيمة لدولة صديقة وواحة استزلام وذل لدولة اخرى لا تشبع الا من رغيف اللبنانيين… وعلى فكرة، لم يخلع البطريرك صليبه…

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل