“القوات اللبنانية”: الوصاية الثانية ستسقط … وتحرير القرار اللبناني أولا

كتب نجم الهاشم في مجلة “المسيرة” – العدد 1637

عندما تكبر الهجمة على «القوات» فهذا لا يعني إلا أن «القوات» هي دائما في قلب المعادلة وفي خط الدفاع الأول عن القرار اللبناني الحر وعن سيادة لبنان وحريته واستقلاله وكرامته. وعندما يتركز التصويب عليها فهذا لا يعني أيضا إلا أنها تبقى دائما السد المنيع في مواجهة محاولات السيطرة على الجمهورية اللبنانية وأنه إذا تم إسقاط هذا الهدف تسهل عملية السيطرة على لبنان. و»القوات اللبنانية» تعرف أبعاد الحملات عليها وتدرك أهمية دورها وتتمسك به ولا تتنازل عنه وتصبح أكثر تمسكا به لأنها تعرف أيضا أن اشتداد هذه الحملات لا يعني إلا أن الخطر يتهدد لبنان وهي عند الخطر لا يمكن إلا أن تكون «قوات» كما كانت وكما ستبقى.

ما يحصل اليوم من تركيز على دور «القوات اللبنانية» لا يذكر إلا بما حصل معها خلال عهد الوصاية. الشعارات هي ذاتها تقريبا والإتهامات هي ذاتها والأهداف هي ذاتها وهذه المسألة ليست مخفية أو مخبأة حيث أن الكثير من الكتابات والتهديدات تحاول أن تذكر «القوات» بما حصل معها بعد اتفاق الطائف في العام 1991 عندما تمت ملاحقة شبابها وصولا إلى حلها واعتقال رئيسها سمير جعجع. هذه الحملات إن أكدت على شيء فهي تؤكد على الظلم الذي لحق بـ«القوات» وعلى أن حصارها كان بقرار سوري كبير.

في خلال تلك المرحلة تم التركيز على أن «القوات» كانت وحيدة وأنها كانت تحضِّر للإنقلاب على السلطة الجديدة التي كانت تابعة بالكامل لعهد الوصاية السورية وبأنها كانت تتدرب وتخبئ السلاح وتنتظر تطورات كبيرة في المنطقة وهجوما إسرائيليا، وأنها لم تتخل عن خياراتها السابقة، ولذلك فإن كل ذلك كان يعني أن القضاء عليها هو الطريق لنجاح عهد الوصاية وتثبيته. ولكن في النتيجة قاومت «القوات» ووقفت في وجه العاصفة وانتهى عهد الوصاية وبقيت «القوات».

لم يكن عهد الوصاية السورية يتصور أن نهايته ستكتب في لبنان. كانوا يحكون عن تطورات تنتظرها «القوات» من دون أن يفكروا في التطورات التي تنتظرهم ومن دون أن يدركوا أن الزمن يمهل ولا يهمل. لقد طوّعوا المؤسسات وعيّنوا النواب والوزراء والمسؤولين غير المسؤولين واعتقدوا أنهم وضعوا أياديهم على الجيش والأجهزة  الأمنية وأنهم وظفوها في خدمة أهدافهم وعبأوها حقدا ضد «القوات» ولكن على رغم أنهم نجحوا في صناعة هذه التركيبة فقد سقطت تركيبتهم وانتهى زمن حل «القوات» وخرج سمير جعجع من الإعتقال ليبدأ عهد نضال جديد.

اليوم في العام 2017 يتمنى البعض أن يتكرر السيناريو ذاته. لماذا؟ لأن «القوات» لا تتنازل في موضوع تأكيد سيطرة «حزب الله» على القرار اللبناني ومحاولته العودة إلى عهد الوصاية، ولذلك تنطلق من جديد الحملات التي تتحدث عن أن «القوات» ستواجه ما حصل معها في العام 1994 وستضع نفسها خارج اللعبة وأنها تتدرب وتتسلح وتنتظر تطورات في المنطقة وتراهن على اتفاق أميركي ـ سعودي  وعلى تدخل إسرائيلي وكل ذلك بسبب أنها ترفض سيطرة «حزب الله» على لبنان.

يعتقد عناصر عهد الوصاية الجديد أن الظروف الإقليمية والدولية تمهد لعودة هذا العهد وأن هذه الظروف اليوم تشبه ظروف مرحلة ما بعد الطائف عندما تم تسليم لبنان إلى النظام السوري وتم التخلي عن المرتكزات التي قامت عليها تسوية الطائف. ويعتقد هؤلاء أن بإمكانهم أن يتصرفوا في لبنان وبلبنان على هذا الأساس وعلى قاعدة أن محور الممانعة والنظام السوري وإيران و»حزب الله» قد انتصر في سوريا والعراق واليمن وأن الخطوة التي لا تزال ناقصة هي تثبيت سيطرته على لبنان والإنقلاب بشكل كامل على كل ما كان وما بقي من انتفاضة الإستقلال ومن ثورة الأرز وترددات اغتيال الرئيس رفيق الحريري. ولذلك يتحدثون اليوم عن الجيش اللبناني وكأنه جيش عهد الوصاية، وعن «القوات اللبنانية» وكأنها معزولة ومتروكة، وعن العهد كأنه عهد إميل لحود، وعن اغتيال الرئيس رفيق الحريري وكأنه لم يحصل، وعن ثورة الأرز وكأنها صارت من الماضي.

لقد عارضت «القوات اللبنانية» عهد الوصاية الأول ورفضت أن تكون جزءا منه ومن حكوماته لأنها لم تكن تريد أن تكون شاهدة زور بل شاهدة على تاريخ نضالها وشهدائها وقضيتها. وهي اليوم لا يمكن أن تسلِّم بما يريده عناصر عهد الوصاية الثاني الذي تصور أنه بات يحكم السيطرة على لبنان وأن مشاركة «القوات» في الحكومة مدخل إلى مشاركتها في المباركة له وأن رفضها هذه المباركة لا يعني إلا أنها ستكون آخر المعارضين الذين يمكن تدبر أمرهم كما تسرب من معلومات حول كلام قاله الأمين العام لـ»حزب الله» السيد حسن نصرالله في لقاء مفتوح مع ما يسمى «سرايا المقاومة».

لا يمكن تدبر أمر «القوات» ومعارضتها لسيطرة «حزب الله» على لبنان لا بالتهديد ولا بالترغيب، فهي لن تشارك في هذا الإنقلاب ولن تغطيه وستكون ضده. وهي تدرك أن نظام الوصاية الأول انتهى وأن نظام الوصاية الثاني لن يكون. وأن النظام السوري اليوم يواجه مصيرا مجهولا وأنه سيؤول إلى السقوط في ظل التسوية التي تكتب بين موسكو وواشنطن. وهي تعرف أن ما قاله الرئيس الإيراني عن أنه لا يمكن أن يتقرر شيء في لبنان من دون موافقة إيران يبقى موقف إيران، وأنه لذلك هي ضد هذا الموقف وضد محاولة تحويله إلى أمر واقع. وهي تدرك أيضا أن زمن التخلي الدولي عن لبنان قد ولّى وأن التركيز الدولي منصرف اليوم إلى منع سيطرة «حزب الله» على لبنان وأن ما يحكم هذه المرحلة باستمرار هو القرارات الدولية وخصوصا القرار 1559 الذي يطالب بسحب سلاح «حزب الله»، والقرار 1757 الذي أنشأ المحكمة الدولية الخاصة بلبنان وبقضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري، والقرار 1701 الذي يؤكد على استعادة الحكومة اللبنانية سلطاتها الكاملة على كامل أراضيها. ولذلك تدرك «القوات» أن ظروف العام 1991 تبدلت وانقلبت وأن ما بدأ في العام 2005 سيجد الطريق عاجلا أم آجلا إلى استكمال تنفيذه، وأن استقالة الرئيس سعد الحريري من رئاسة الحكومة يجب أن تكون بداية تصحيح للوضع الذي يحاول «حزب الله» أن يدخل لبنان فيه، وأن التركيز يجب أن يكون على سلاح الحزب كما على دوره في الصراعات الإقليمية وعلى محاولة جعل هذا الدور وكأنه دور لبناني وهو يريد من خلال كل ذلك جعل لبنان وكأنه يقبل بأن يكون سلاحه هو الشرعي وبأن يكون هناك تسليم بدوره عبر التسليم أيضا باستراتيجيته، وهذا الأمر غير ممكن الحصول ولا يمكن أن تقبل به «القوات». فالسيادة من وجهة نظر «القوات» كل لا يتجزأ والإستقلال ليس وجهة نظر ولا يحتمل أي تنازل خصوصا أننا في زمن الإستقلال، ولذلك لا بد من أن تكون «القوات» في صلب المعركة. معركة استعادة السيادة واستعادة القرار وإعادة تصحيح أسس التسوية الرئاسية والحكومية من أجل أن يكون الحكم تحت سقف السيادة والقانون ومن أجل أن يكون أيضا عنوانا للإستقلال لا تسليما بالوصاية الجديدة.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

 

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل