تفكّك العولمة أمام مصلحة الشعوب (بقلم موسى فريجي​)

إنطلقت فكرة العولمة بإنشاء “الإتفاقية العامة حول التعرفة والتجارة” المعروفة بغات (GATT) إبّان الحرب العالمية الثانية بغية إستعادة العافية للإقتصاد عن طريق إلغاء العوائق كالرسوم الجمركية والحصص والدّعم التي تمارسها الدول الأعضاء وبالتالي زيادة حركة التجارة العالمية.

وقَّعت الإتفاقية، التي أصبحت قانوناً فيما بعد، 23 دولة في اليوم الأول من عام 1947. وما لبث أن إزداد العدد إلى 123 دولة في اليوم الأول من عام 1995 حين تحوّلت إلى “منظّمة التجارة العالمية (WTO)” إحدى منظمات الأمم المتّحدة.

منذ تأسيس منظمة التجارة العالمية والدول الصناعية تجهد في الضغط على دول العالم للإنضمام إلى المنظمة بحجّة تسهيل تصدير منتجاتها للدّول الأعضاء التي تلتزم بتخفيض الرسوم الجمركية على مستورداتها وتخفيض القيود الإجرائية وفي مقدِّمتها المواصفات غير المبرّرة.

لكنّ الدول الصناعية هذه حيّدت من إتفاقيات التبادل التجاري الحرّ، المنتجات الزراعية والغذائية والدوائية ورفضت توقيع مثل هذه الإتفاقيات بحجّة ضرورة الإشراف المباشر على مراحل إنتاج هذه المواد ضماناً لصِحّة مواطنيها. كما أصدرت قوانين تدعم بموجبها الزراعة والصناعات الغذائية لديها من دون وضع قيود لمقدار إنتاج هذه المواد المدعومة. فسَحَت سياسة الدعم المباشر هذه لِلمُنتِجين بإنتاج محاصيل ومنتجات تفوق حاجة بلدانهم، الأمر الذي يتطلّب تصدير الفائض إلى دولٍ أخرى. من هنا عمِلت الدول الصناعية على تكثيف جهودها للضغط على الدول المُستورِدة لِفتح أبوابها أمام منتجاتها المدعومة مستخدمةً كل وسائل الترغيب والترهيب وخاصةً على الدول التي حصلت على قروض من صندوق النّقد الدَّولي.

لم يقِف الضّغط عند هذه الحدود لا بل تعدّاه إلى إلزام الدول الفقيرة وغير النامية إلى إصدار قانون حماية الإنتاج الوطني لديها أو تعديله بحيث يستحيل على المُنتِجين المحلّيّين في هذه الدول الحصول على وضع رسوم إغراقية للمنتجات المستورَدة التي تتمتّع بالدّعم المباشر وغير المباشر من بلدان مصدرِها.

منذ مطلع القرن الحالي بدأت الدول الصناعية الغربية تشعر بالضّيق والقلق من سرعة تقدُّم الصين وكوريا الجنوبية واليابان والهند وغيرها في المجالات الصناعية ومن قدرة هذه الدول على منافستِها في عُقرِ دارها في القيمة وفي النوعية. لا بل رأت تسارُع إنتقال تصنيع منتجات ذات مواصفات صادرة عن مُنتِجيها إلى الصين وماليزيا وإندونيسيا والمكسيك وغيرها وتصدير هذه المنتجات بأسعار تنافسية حادّة إلى بلدان هذه الدول وفي مقدّمتها الولايات المتّحدة الأميركية والعديد من دول المجموعة الأوروبية وبالتالي إقفال المصانع المماثلة فيها.

نتجَ عن هذا التّطور المذهل زيادةً في مستوى البطالة في الدول الصناعية الغربية وارتفعت وتيرة الإحتجاجات والمطالبة بحماية الإنتاج الوطني. فما كان من هذه الدول إلاّ إتخاذ إجراءات تتعارض مع إتفاقيات منظمة التجارة العالمية. فبدأنا نرى الحكومات المتعاقبة في الولايات المتحدة الأميركية تلجأ إلى فرض رسوم جمركية على الحديد المستورَد من أوكرانيا أو إطارات السيارات المستورَدة من اليابان وكوريا الجنوبية أو الخشب الخام من كندا وأخيراً وضع رسوم جمركية تصل إلى 30% على كل المنتجات المستورَدة من المكسيك بالرغم من إتفاقية التّبادل التجاري الحرّNAFTA  بين الدول الثلاث الأخيرة.

ومجموعة الدول الأوروبية إتخذت إجراءات حِمائية عديدة ففرضَت كوتا محدّدة لمنتجات بعينها ورفعت مستوى المواصفات القياسية معرقلةً بذلك سهولة إستيراد العديد من المنتجات وخاصةً تلك المتعلّقة بالمنتجات الزراعية والغذائية والأدوية.

أمّا في الدول العربية فقد تمّ تحرير التّجارة البينيّة فيما بينها في أوائل عام 2002 بموجب “إتفاقية المنطقة العربية الحرّة” واعتمدت شهادة المنشأ العربية الموحدة والتي أصبحت تقبل بالمنشأ العربي المُعفى من الرسوم الجمركية بالكامل بمجرّد إن كانت مدخلات الإنتاج المحليّة تصل أو تتعدى الـ40% من قيمة المنتجات المصدّرة إلى دولة عربية أخرى. لكن ومع الأسف إستُغلّت هذه الإتفاقية أولاً لتمرير بضائع منشأُها غير عربي بالمغالاة في وصف مدخلات الإنتاج الوطنية كي تصل غشّاً إلى 40% من جهة وبالتالي تُعفى من الرسوم الجمركية في بلد المقصد العربي. ثمّ بِتنا نرى منتجات غير عربية المنشأ يتمّ تغيير عبوّاتها فقط وتحصل على شهادة المنشأ العربية ويتمّ تصديرها إلى بلد عربي آخر معفاة من الرسوم الجمركية.

إضافةً إلى كل ذلك ظلّت معظم الدول العربية تضع العراقيل الإجرائية أمام سهولة دخول المنتجات العربية بينها. كما أصرّ العديد منها إلى فرض منع إستيراد منتجات بعينها من دولةٍ عربية أخرى من دون مبرّر. وما الإجراء الذي إتخذه رئيس جمهورية مصر العربية في الأول من شباط 2015 برفع الرسوم الجمركية إلى 40% على 618 مادة بغض النظر عن منشأ هذه المواد إلاّ دليلا قاطعا على العبث بإتفاقية التيسير العربية هذه. وبالرغم من كل هذه الممارسات غير الشرعية، ظلّت التجارة البينيّة بين الدول العربية أقل من 10% الأمر الذي يفقد معنى الإستمرار في العمل بإتفاقية المنطقة الحرّة العربية.

إنّ سياسة دعم المنتجات الوطنية هي سياسة مخالفة في المبدأ لإتفاقيات منظّمة التجارة العالمية. لكنّ معظم الدول الصناعية إعتمدتها غير مبالية بالإتفاقيات. فإضافةً إلى سياسة دعم المنتجات الزراعية التي تعتمدها الولايات المتحدة الأميركية ومجموعة الدول الأوروبية بما يزيد عن 200 مليار دولار للأولى و55 مليار يورو للثانية سنويّاً، تقوم دول كالصين وتركيا بدعم تصدير كل منتجاتها الصناعية أو الزراعية أو الغذائية إلى حدود 15% تسهيلاً لِغَزو الأسواق العالمية.

كل الممارسات التي ذكرنا تؤكّد بأنّ فكر العولمة والإنفتاح آخِذٌ بالتراجع خدمةً لمصلحة شعوب الدول وخاصةً الصناعية منها. ذلك أنّه بالنسبة لهذه الدول يأتي مؤشر البطالة والتضخّم في دولِها في طليعة العوامل التي تفرض سياسة الإنفتاح من عدمه. والمؤسف المُبكي أنّ هذه الدّول تمارس سياسة الحماية خدمةً لِمُواطنيها بينما تفرض سياسة الإنفتاح على الدول الضّعيفة الفقيرة وغير النامية أو تلك التي في طَور النّمو فَرضاً يأخذ أشكالاً مختلفة كالعقوبات الإقتصادية والسياسية والأمنيّة. وقد يتطوَّر الأمر إلى شنّ الحروب بحُجَجٍ مختلفة كما رأينا في العقدَين الماضِيَين.

من هنا أصبح من واجب الدّول الفقيرة وغير النامية أو تلك في طَور النُّمو أن تخرُج من الإتفاقات المُلزِمة المكبِّلة لحركتها كإتفاقية المنطقة العربية الحرّة ومنظمة التجارة العالمية واليورو متوسطية وغيرها وتعتمد سياسة حرية التّبادل التجاري التي تخدُم مصلحة شعوبها وتسمح لها بتطوير إنتاجها الزراعي والصناعي عن طريق تحفيز الإستثمار ومعالجة البطالة تماماً كما تفعل الدول الصناعية حمايةً لإقتصادها.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل