
نحنا هنا – كتب رئيس جهاز الإعلام والتواصل في “القوات اللبنانية” شارل جبور في “المسيرة” – العدد 1637
شكلت استقالة الرئيس سعد الحريري صدمة لـ”حزب الله” الذي لم يكن يتوقع خطوة من هذا النوع أدت إلى خلط الأوراق السياسية على الساحة اللبنانية، فتعامل مع الصدمة عن طريق تجاهلها وحرف النقاش عنها في محاولة لشراء الوقت من أجل فهم أبعاد الخطوة وخلفياتها ومتمماتها، لأنه يدرك جيداً+ ان مسرحية التعمية عن الواقع القائم والمسألة السيادية والكرامة الوطنية ستنتهي ليحل محلها الواقع الذي عليه مواجهته.
لماذا مسرحية؟ لأن آخر طرف يحق له الكلام عن السيادة هو “حزب الله”، كما ان كل طرف يتجاهل الواقع الذي يمثله الحزب لا يحق له الكلام عن السيادة والكرامة اللبنانية والوحدة الداخلية. فلا وحدة في لبنان، وخلاف ذلك يدخل في سياق التكاذب الوطني، لأن الوحدة تكون بالاتفاق على ثوابت وطنية بديهية مشتركة من قبيل الدولة والسيادة ودور لبنان، وطالما أن لا اتفاق على تلك المسلمات فيعني ان لا وحدة بين اللبنانيين.
وأما الذين هالهم تدخل السعودية في الشؤون اللبنانية فكان الحري بهم ألا يسمحوا لـ”حزب الله” بان يتدخل او بالأحرى ان يعتدي على الشؤون السعودية والكويتية واليمنية والبحرينية والعراقية والسورية، لأن الاعتداء يبرر الاعتداء، فضلا عن ان اللبنانيين منحوا فرصة ذهبية وطويلة لإخراج الحزب من أزمات المنطقة، أما وقد فشلوا في ذلك، فإن مسؤولية الرد على “حزب الله” في لبنان تقع على عاتق الحزب وحده، وبالتالي يتحمل وحده مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع في البلد.
فالسيادة والكرامة والعزة الوطنية تبدأ مع قيام دولة فعلية، وكل كلام خارج هذا السياق ينم إما عن جهل وإما عن تشويه مقصود للحقائق، والطرف الذي يحول دون قيام تلك الدولة هو “حزب الله”، وبالتالي هذه الاستفاقة السيادية لدى البعض مسيئة جداً وخطيرة للغاية بسبب تطبُّعها مع سلاح الحزب ودوره، فيما المدخل إلى السيادة الفعلية يكمن أولاً وأخيراً في تسليم سلاحه للدولة اللبنانية.
واي مراجعة للدور السعودي في لبنان تخلص إلى نتيجة واحدة ان الرياض كانت دوماً في موقع الداعم لسيادة لبنان واستقلاله واستقراره، وعلى هذا الأساس رعت اتفاق الطائف لإنهاء الحرب اللبنانية، بل اعتبرت، وعن خطأ، ان “حزب الله” مسألة لبنانية داخلية حرصاً منها على عدم التدخل في الشؤون الداخلية اللبنانية، فيما شكل دور الحزب نسفا للطائف من أساسه، وبالتالي غضت النظر عنه طوال 27 عاماً، ولذلك هل يجوز غض النظر عن التحول في الموقف السعودي من دور “حزب الله” وسلاحه بما يخدم المصلحة اللبنانية العليا؟
فعلى “حزب الله” ان يشكر المملكة على تغاضيها عن دوره وسلاحه منذ العام 1990 إلى اليوم، لأن لبنان لا يفترض ان يكون متروكاً لمصيره وقدره باعتباره يشكل جزءا لا يتجزأ من الشرعيتين الدولية والعربية، والتدخل السعودي يعبِّر عن مصلحة لبنانية أكيدة تمهيداً لأن تستعيد الدولة مقوماتها الاستراتيجية، فيما كل المخاوف كانت من دخول المنطقة في تسويات يتم فيها إهمال لبنان بحجة ان “حزب الله” مسألة داخلية، الأمر الذي يؤدي إلى تمديد المعاناة اللبنانية بسبب غياب الدولة لعقود إضافية.
ومعلوم ان التسخين السياسي المستجد مرده إلى دخول المنطقة في مرحلة جديدة قد تقود إلى مزيد من الحروب أو الكباش السياسي تمهيداً للتسويات التي لم يعد من خشية لاستثناء لبنان منها بفضل السعودية التي أعادت في هذه المرحلة بالذات تسليط الضوء على معاناته المزمنة من غياب الدولة، وما تطرحه المملكة والفريق السيادي في لبنان يصب في مصلحة قيام الدولة الفعلية وترسيخ الاستقرار الثابت والنهائي.
والهدف من التسوية الأخيرة وكل التسويات التي بدأت منذ اليوم التالي لانتفاضة الاستقلال الحفاظ على الاستقرار بانتظار نضوج التسويات في المنطقة التي دخلت في تصعيد غير مسبوق ترجمة لمقررات قمة الرياض الأميركية – السعودية التي وضعت في رأس أولوياتها تحجيم النفوذ الإيراني، وبالتالي أصبحت الطابة بيد طهران فإما ستعيد النظر بدورها ونفوذها ضمن حوار سعودي – إيراني برعاية أميركية يقود إلى السلام في المنطقة، وإما ستدفع نحو المزيد من المواجهات والحروب، علماً انها تدرك جيداً ان موازين القوى القائمة ليست لمصلحتها من الموقف الأميركي الحازم إلى الموقف السعودي الحاسم، ولكن على رغم كل الحماوة الموجودة فإن المنطقة أمام فرصة جدية لحوار وتسويات.
وطالما اي تسوية في سوريا او العراق او اليمن تستدعي حواراً سعودياً – إيرانياً فإن هذا الحوار يجب ان يشمل لبنان وكل الدور الإيراني، فيما إعطاء اي انطباع، كما يريد “حزب الله”، بان الوضع في لبنان بألف خير يرمي إلى إبقاء أوضاعه على ما هي عليه، وبالتالي المصلحة اللبنانية العليا تسدعي الانتقال الى مرحلة جديدة مختلفة عن كل المراحل التي عرفها الوضع اللبناني منذ 14 آذار 2005 وهي تظهير أزمته الفعلية من خلال رسم حدود العلاقة مع “حزب الله” تجنبا لإبقاء أوضاعه معلقة بين الحرب والسلم.
وفي موازاة ذلك تدرك كل من واشنطن والرياض ان اي تسوية مع طهران تستثني “حزب الله” تعد تسوية جزئية وتحمل في طياتها بذور تفجير جديد فور تبدل المعطيات الخارجية، لأن الحزب يستطيع التأثير على أكثر من ساحة فلسطينية ولبنانية وسورية وغيرها، وبالتالي المطلوب ان يكون الحل شاملا، الأمر الذي يصب في المصلحة اللبنانية ويبدد الهواجس اللبنانية التاريخية من استثناء لبنان عن التسويات المنتظرة.
فالتسوية وكل التسويات المتعاقبة خدمت الهدف المطلوب منها، والمرحلة الجديدة التي دخل فيها لبنان تستدعي مقاربة جديدة ودعوة إلى التعقل والتهدئة من أجل عبور الرياح الدولية والإقليمية بالحفاظ على الاستقرار اللبناني والعبور إلى الدولة الفعلية.
ولكن الأكيد في كل هذا المشهد ان لا عودة إلى ما قبل 4 تشرين الثاني تاريخ استقالة الرئيس الحريري، وأي تسوية جديدة محكومة بالمعطيات الجديدة المتصلة بخروج “حزب الله” من أزمات المنطقة وإطلاق عملية حوارية على أساس بند واحد تسليم الحزب سلاحه للدولة ضمن فترة زمنية محددة، وفي حال لم يتجاوب الحزب يعني الدخول في أزمة طويلة عنوانها ربط النزاع ضمن إدارة الفراغ الحكومي.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]
