وأصبحت “القوات” أم المكائد

أتت استقالة رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري، الّتي أرادها صدمة إيجابية – وفق تعبيره، خصوصاً في ظلّ اقتراب “حزب الله” من تحقيق هدفه والهيمنة الكلّيّة على القرار في لبنان، لتصدم محور إيران وحلفائها، دافعةً بهم إلى إعادة حساباتهم، بعد أن كانوا قد أعلنوا بصورة شبه رسميّة انتصارهم في لبنان وبسط نفوذهم عليه، واعتباره جزءاً من ولاية الفقيه، ليدخلوه بالتّالي في مواجهة مع محيطه العربي.

غير أنّ الأسباب الّتي فنّدها الحريري في بيان الاستقالة، والدّعم الّذي لقيه من حلفائه في الدّاخل اللّبناني، لا سيّما من حزب “القوّات اللّبنانيّة”، الّذي صرّح رئيسه أنّه بانتظار عودة الحريري للإتّفاق معاً على خطّة مواجهة سلميّة لإنقاذ لبنان من هيمنة سلاح “حزب الله”، بالإضافة إلى مواقف كل من البطريرك الماروني، ومفتي الجمهوريّة، والمفتي الشّعّار، المؤيّدة أيضاً لهذه الأسباب، أثارت جنون فريق الثّامن من آذار ووصل بهم الحدّ إلى الاستناد الى تقارير إعلاميّة بثّتها القناة 12 الإسرائيليّة، في محاولتهم التّسويق لمنتجهم البدعة: “اختطاف الحريري واحتجازه  في السّعوديّة” في محاولة لشقّ الرّوابط اللّبنانيّة مع الأسرة العربيّة.

وأمام فشلهم في تأليب الرّأي العام اللّبناني ضدّ المملكة العربية السّعوديّة، ونقله إلى الخندق المناهض لها والدّاعم لسياسة إيران في المنطقة، انبرت أقلامهم الصّفراء لتذرّ الرّماد في العيون، عبر إطلاق سلسلة من الشّائعات في الشّارع اللّبناني، في محاولة رخيصة لشرذمة الصّف الرّافض لهيمنة منطق الدّويلة على الدّولة ونفوذ السّلاح غير الشّرعي.

ولأنّ مخرج فيلمهم غير مطّلع على الثّوابت، ظنّ أنّ السيناريو الّذي سيعتمده “سيزلزل الأرض، ويقلب الطّاولة”. والأكثر إثارة للسّخريّة، ظنّه، لا بل اقتناعه، بأنّه، ومن خلال عرض حصري لمدة عشرة أيام، سينجح في تحقيق ما عجز عنه خلال أكثر من عشر سنوات. فغاب عن باله أنّ العلاقة بين تيّار “المستقبل” وحزب “القوّات اللّبنانيّة” من جهة، وبين المملكة العربيّة السّعوديّة و”القوات” من جهة ثانية، محصّنة ومدعّمة “بباطون مسلّح” لمواجهة أيّ دسائس ومكائد وشائعات. كما غاب عن باله أيضاً، أنّ مطلب بسط نفوذ الدّولة على كامل أراضيها وتطبيق اتّفاق الطّائف والتّقيّد بموادّ الدّستور، هو مطلب أكثريّة اللّبنانيين، أقلّه منذ الـ 2005، متناسياً أنّ دعم “القوّات اللّبنانيّة” لوصول العماد عون إلى سدّة رئاسة الجمهوريّة، انبثق عن إعلان نوايا بين الفريقين، وتأكيد الرّئيس التزامه بتطبيق موادها من معراب يوم أعلنته “القوات” مرشّحها الرئاسي، ويوم أقسم اليمين الدّستوريّة.

ولأنّ “القوات” لم تساوم على ثوابتها، سواء في التّسوية الرئاسيّة أو الحكوميّة، ولأنّ قائدها الّذي ارتضى أن يعيش حرّاً في زنزانته أحد عشر عاماً لن يسجن بارتهانه لإرادة غير إرادته ومواقفه، تتّهم اليوم بأنّها أمّ المكائد.

فعذراً أيّها السّادة. تلفيقكم للأخبار السّخيفة وفقاً لإملاءات معلميكم لن يجديكم، لا بل بالعكس سيعلّق لنا أوسمة شرف وسيذكرنا التّاريخ في صفحاته الذهبية، وأنتم… حتّى اسمكم لن يرد في مزابل التّاريخ، إنّما في محارقه.

باللّه عليكم، أي مؤرخ سيستند يوماً على ادعاءاتكم بأنّ جعجع حرّض السّعوديّة على الحريري؟ من سيصدّق زعمكم بأنّ الرّياض، وعلى الرّغم من كون “القوات اللبنانية” مؤيّدة لسياستها الإقليميّة، ستعمد إلى اختطاف سعد الحريري والضّغط عليه ليعلن انتفاضة في وجه سلاح “حزب الله” والهيمنة الخامنئيّة على لبنان؟ أغاب عن بالكم بأنّ العلاقة الّتي تربط السّعوديّة بالحريري تاريخيّة وشخصية، وليست فقط سياسية؟ أيعقل أن يكون نفوذ الضيف أقوى من نفوذ الابن داخل منزل أبيه؟

أيّ مؤرّخ سيصدّق أنّ الاستقالة تمّت تحت الضغط كما تسوّقون؟ أما من قراءة موضوعيّة لتراتبيّة الأحداث الزّمنيّة؟ فـ”القوّات اللّبنانيّة” تصدّرت قائمة الملوّحين بالاستقالة من الحكومة، فلماذا لم تستغلّ السّعوديّة هذا التّلويح وتفرض كما يحلو لكم التّعبير، عليها الاستقالة؟ لماذا، ما دامت هي صاحبة الكلمة الفصل في الشّأن اللّبناني، – وكلّه وفق ادعائكم – لم تطلب من الحريري فكّ ارتباطه بـ”حزب الله”، أو أقلّه تهيأة الكوادر في تيّار “المستقبل” لمثل هذه الخطوة، بدل من أن تشكّل الاستقالة صدمة لهم قبل باقي أطياف المجتمع اللّبناني؟ لماذا، ما دمتم تعتبرون جعجع المحرّض الفعلي للمملكة بالضّغط على الحريري ودفعه إلى الاستقالة، لم تستدعيه في 29 أيلول وتسلّمه نصّ الاستقالة وتفرض عليه تلاوتها، كما تدّعون؟

أيّها السّادة، بَحْث المؤرّخين سينطلق من تصريح علي أكبر ولايتي من عن عتبة السراي الحكومي عشيّة الاستقالة، وسيعود الى تصاريح المسؤولين الايرانيين المتباهين بنفوذهم في لبنان، وسيرجع بالزّمن إلى خطابات أمين عام “حزب الله” ومقابلاته التي يجاهر فيها بمشروع ولاية الفقيه، كما أنّه سيعمد، على خطّ مواز، إلى قراءة كلّ مواقف “القوّات اللّبنانيّة” الّتي، وعلى الرّغم من مشاركتها في الحرب اللّبنانيّة في مرحلة من التّاريخ، لم تكن تهدف إلّا إلى حماية الكيان اللّبناني والحفاظ على حريّة وسيادة الدّولة. ولن تغيب عن مطالعاته أيضاً مواقف تيّار “المستقبل” المتجانسة مع مواقف “القوات” والقائمة على: “لبنان أوّلاً”.

فيا أيّها السّادة، بدلاً من حكّ أدمغتكم لتسقط منها السّخافة، استعملوها لصياغة جمل مفيدة، تدعو بيئتكم الحاضنة إلى الانسحاب من الصّراعات الإقليميّة، والعودة إلى داخل الحدود اللّبنانيّة والخضوع للشّرعيّة، لأنّ الدّولة هي الحل.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل