



خاص – “المسيرة” – واشنطن ـ العدد 1637:
شكل يوم الرابع من تشرين الثاني تاريخاً مفصلياً في حياة المملكة العربية السعودية في ظل تحديات جسام يواجهها الشرق الأوسط ومنطقة الخليج العربي. هذا اليوم بأبعاده الثلاثة التي تمثلت باستقالة الرئيس سعد الحريري من رئاسة الحكومة، وببدء حملة غير مسبوقة لمكافحة الفساد في المملكة، فضلاً عن استهداف عمق المملكة عبر الصاروخ الذي أطلق من اليمن نحو مطار الملك الخالد في الرياض، وضع المملكة في قلب الحدث الإقليمي والعالمي وتحركت عواصم القرار المؤثرة لمعرفة وفهم حقيقة ما يجري والخطوات المرتقبة على صعيد القضايا الثلاث التي تحمل بدورها بعداً ترابطياً في ما بينها.
هذه الوقائع – الأحداث الثلاثة لم تترك انعكاساتها على المملكة فقط بل دفعت إلى أوسع متابعة لتداعياتها على الصعد الإقليمية والدولية، نظراً للأهمية التي يرتديها موقع المملكة على الصعد السياسية والأمنية والاقتصادية، وفي ظل رهان الإدارة الأميركية الجديدة على تعزيز أواصر التعاون بينها وبين القيادة الجديدة في الرياض لما لهذا الأمر من مردود مشترك للدولتين على الصعد كافة أو لربما تميل كفة المردود بشكل أكثر لصالح الولايات المتحدة في ضوء رهان واشنطن على الدور السعودي في المستقبل المنظور، خصوصا بعد حضور الرئيس الأميركي دونالد ترامب قمة الدول الإسلامية في السعودية التي أسست لعلاقات استراتيجية بين واشنطن والرياض.
المتابعة الدقيقة التي قامت بها واشنطن ولا تزال للأوضاع في المملكة وحولها، أفضت في نهايتها إلى رسم خارطة مواقف مهمة، لا سيما لجهة ما ظهر من حرص أميركي على الاستقرار في لبنان، لدرجة أن الإدارة الأميركية لم تكتف بصدور بيان عن وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون، بل أتبع الأمر ببيان صدر عن البيت الأبيض أكدّ الحرص على استقرار الأوضاع في لبنان.
وتكشف المعلومات الرسمية في واشنطن أنه على الرغم من انشغال الدبلوماسية الأميركية برحلة الرئيس دونالد ترامب المطولة في آسيا وهي الأولى له على هذا الصعيد، فقد طلب الرئيس الأميركي من وزير خارجيته الاتصال بالسلطات السعودية، فيما جرى تحضير سلسلة لقاءات سريعة لوزير الدولة لشؤون التعاون الخليجي ثامر السبهان في واشنطن مع عدد من المسؤولين في البيت الأبيض ووزارة الخارجية.
وهكذا فإن وزير الخارجية الأميركي إتصل بنظيره السعودي عادل الجبير، وناقش معه الأوضاع المستجدة لا سيما لجهة بدء عملية مكافحة الفساد في المملكة وهو أبلغ محديثه بأن الولايات المتحدة تنتظر بعض الوقت لرؤية المسار السعودي في هذا الاتجاه ومدى أنعكاسه على الأوضاع في المملكة ككل.
وتعتبر مصادر متابعة من واشنطن أن الطريقة التي سلكتها السعودية للتعامل مع هذا الاتجاه في هذه المرحلة لا تزال غير واضحة الى حد ما، ولكن في الإجمال فإن الولايات المتحدة ستدعم الخطوات التي تؤدي إلى تعزيز وتقوية الأوضاع الإقتصادية والمالية في السعودية.
إلا أنه على الضفة المقابلة فإن واشنطن قابلت بشيء من القلق ما تصفه المصادر برحيل الحكومة الائتلافية الهشة في لبنان الذي أثار مخاوف في شأن احتمال نشوء صراع جديد في المنطقة يكون مسرحه لبنان هذه المرة.
وقال مسؤولون في وزارة الخارجية الاميركية ان إدارة الرئيس ترامب تابعت بدقة عملية استقالة الحريري على النحو المفاجئ واعربت عن قلقها من ان تكون السعودية قد اضطرت إلى السير بهذا القرار مما يعني أن المواجهة قد تكون معقدة ومتشعبة الاتجاهات.
وأوضح هؤلاء المسؤولون ان بيان وزير الخارجية الأميركي كان يهدف الى إرسال رسالة صعبة مزدوجة أولاً الى إيران، ولكن أيضاً ثانياً الى الحكومة السعودية التي ربما تكون قد سعت الى استقالة الحكومة اللبنانية لأنها لم تعد قادرة على مواجهة نفوذ إيران في لبنان والمنطقة مع إدراك الجميع مدى حدة العداء المستحكمة بين البلدين على صعيد الخليج والشرق الأوسط بشكل عام. وتعتبر المصادر أن السعودية أرادت من وراء خطوة تقديم الحريري لإستقالته تأكيد رفضها المطلق لأن يكون رئيس الحكومة جزءا من حكومة ائتلافية مع”حزب الله” المدعوم من ايران.
وفي ضوء ذلك، جرى تنظيم زيارة لوزير الدولة لشؤون الخليج ثامر السبهان إلى واشنطن، حيث يلاحظ مراقبون فيها الدور البارز الذي يضطلع به هذا الوزير على صعيد متابعته ملفات المنطقة وقضية المواجهة مع إيران. وعقد الوزير السبهان سلسلة لقاءات مع المسؤولين في البيت الأبيض ولا سيما أولئك الذين يهتمون بملفات المنطقة في مجلس الأمن القومي التابع للبيت الأبيض، وكذلك عقد اجتماعات مع مسؤولين في الخارجية الأميركية. ووفق المصادر المتابعة فإن هذه المحادثات تركزت حول المحاور التالية:
أولاً: أبلغ المسؤولون الأميركيون الضيف السعودي دعم الولايات المتحدة لما تقوم به السعودية من خطوات على صعيد تكريس الأوضاع الداخلية، وتلك المرتبطة بالتطورات في المنطقة، وقد ناقشوا معه أيضاً بالتفصيل الظروف التي أدّت إلى إعلان إستقالة سعد الحريري من رئاسة الحكومة اللبنانية.
ثانياً: يعتبر المسؤولون الأميركيون أن التحرك ضدّ إيران والوقوف بوجه كل وكلائها في المنطقة ولا سيما”حزب الله” هو تحرّك جيّد وكان يجب أن يتمّ منذ فترة، لا سيما من أجل وقف إنعكاسات ما تقوم به إيران والمجموعات المرتبطة بها من أعمال وعمليات تؤدي إلى زعزعة الإستقرار في الشرق الأوسط برمته.
وهنا تعتبر المصادر أن مسار وقف عمليات”حزب الله” يتزامن مع بدء إدارة الرئيس ترامب بسلسلة إجراءات جديدة ضدّ هذا الحزب، وبالتالي تنفيذ حزمة العقوبات الجديدة التي أقرها الكونغرس الأميركي مؤخراً وأصبحت في عهدة الإدارة من أجل التطبيق، حيث كشف مسؤولون في وزارة الخارجية الأميركية ان البيت الابيض طلب من مختلف الإدارات المعنية ولا سيما وزارتي المالية والخارجية رفع درجة الضغوط وتطبيق العقوبات بحق هذه المجموعة التي تعتبرها الولايات المتحدة منظمة ارهابية، والحؤول دون نجاح محاولاتها القيام بعمليات داخل الأراضي الأميركية.
ثالثاً: أما في ما يتعلق بالأوضاع في لبنان في ضوء إستقالة الحريري، فقد كرّر المسؤولون الأميركيون أمام الوزير السعودي، تأكيدهم دعم الإستقرار في لبنان، وعدم تأثره بما يجري في المنطقة من تطورات مع إدراكهم بمدى ما يمثله وجود”حزب الله” السياسي في الحكومة والحكم من دعم أو تغطية لما يقوم به من أدوار عسكرية أكان في لبنان أم على إمتداد عدد من دول المنطقة ومنها سوريا واليمن والبحرين، وتفيد المعلومات بأن الدعم الأميركي لهذا التوجه أفضى إلى الاتفاق على إزالة الشكوك التي أحاطت بإستقالة الحريري، الأمر الذي يسمح بتعزيز ظروف مواجهة ملفات المنطقة.
اليمن ودور إيران و”حزب الله”
وقد تزايدت حدة التوتر في المنطقة بسبب الهجوم الصاروخي المحبط الذي استهدف عاصمة المملكة العربية السعودية، حيث تشير المصادر المتابعة في واشنطن الى أن المملكة لن تقبل بعد اليوم إستهدافها بهذا الشكل، من هنا يُفسر تصعيد ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بشكل حاد من الحرب الباردة مع إيران، حيث يعمل على تعزيز جهود المملكة لردع النفوذ الإيراني في الحرب الأهلية السورية، ولجم دورها السلبي في اليمن بشكل نهائي لما يمثله هذا الدور من أخطار مباشرة على السعودية، ويعتقد المراقبون أن موقف الأمير محمد المتشدد تجاه إيران شكل أساسا لتعزيز روابطه الوثيقة مع إدارة الرئيس ترامب. ووفق المعلومات فإن هذه العلاقة الوثيقة أدّت إلى تنظيم زيارات متكررة لكبير مستشاري الرئيس ترامب جارد كوشنير الذي زار المملكة ثلاث مرات متتالية هذا العام، ويكشف مسؤول أميركي أن كوشنير كان قد أجرى قبل نحو ثلاثة أسابيع محادثات مطولة مع ولي العهد إستمرت حتى ساعات الصباح الأولى في أحد مقرات الأمير في الصحراء.
الإجراءات الداخلية في المملكة
أما بالنسبة الى الإجراءات داخل المملكة العربية السعودية، فيعتقد مسؤولون اميركيون يتابعون الوضع في المملكة نحو خمسمئة شخصية من بينها أحد عشر أميراً جرى توقيفهم على الأقل ومن المتوقع أن يواجه بعضهم اتهامات جنائية غير معلنة بينما قد يتعرض آخرون لضغوط للإدلاء بشهاداتهم بشأن أدوارهم في مخططات الفساد. ويرى مراقبون أن موجة التوقيفات هذه أدت إلى ترسيخ سلطة الأمير محمد على الشؤون العسكرية والأجنبية والداخلية والاقتصادية والاجتماعية داخل المملكة، وتحريره من أي أعباء داخلية من أجل التفرغ ومواصلة مواجهة عدوانية إيران، ولبناء استراتيجية جديدة سياسية وأمنية وعسكرية واقتصادية تمكّن المملكة من الوقوف بوجه التهديدات التي تتعرض لها.
ويرى هؤلاء المراقبون أن التوقيفات في إطار حملة مكافحة الفساد في المملكة، إضافة إلى المواجهة مع إيران تمثلان نقطتي إرتكاز في جدول أعمال الأمير محمد على المدى الطويل من الآن وحتى تسلمه العرش في المملكة.
ويلخص المراقبون ما قام به الأمير محمد من خطوات وفق المشهدية المزودجة التالية، بحيث يشيرون إلى أنه تمكن أولاً، من وضع رجاله في مواقع النفوذ داخل المملكة، ودفع منافسيه جانبا، وثانياً وضع سياسة منسقة جداً مع الولايات المتحدة في ما يتعلق بكيفية مواجهة إيران وذلك منذ زيارة الرئيس ترامب التاريخية الى الرياض.
بيان تيلرسون
حذر وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون، جميع الأطراف داخل وخارج لبنان من استخدام الأراضي اللبنانية ساحة لصراعات بالوكالة تهدد استقرار لبنان، وذلك في ظل تصاعد التوتر منذ إعلان الرئيس سعد الحريري استقالته من رئاسة وزراء لبنان.
وقال تيلرسون إن”الولايات المتحدة تدعم بقوة سيادة لبنان واستقلاله ومؤسساته السياسية. الولايات المتحدة تدعو جميع الأطراف داخل وخارج لبنان إلى احترام استقلالية المؤسسات الوطنية الشرعية، بما فيها الحكومة اللبنانية والجيش اللبناني.”
وأضاف وزير الخارجية الأميركي، في بيانه الرسمي أنه”في هذا الإطار، نحترم رئيس الوزراء سعد الحريري كشريك قوي للولايات المتحدة. والولايات المتحدة تدعم استقرار لبنان وتعارض أي أعمال يمكنها أن تهدد هذا الاستقرار”.
وأكد تيلرسون أنه”لا يوجد أي مكان أو دور شرعي في لبنان لأي قوات أجنبية أو ميليشيات أو عناصر مسلحة، غير القوات الأمنية الشرعية التابعة للدولة اللبنانية، التي يجب الاعتراف بأنها السلطة الوحيدة المسؤولة عن الأمن في لبنان”. وقال إن”الولايات المتحدة تحذر أي طرف، داخل أو خارج لبنان، من استخدام لبنان ساحة لصراعات بالوكالة أو بأي شكل يهدد الاستقرار في هذا البلد”.
بيان البيت الأبيض
سارعت واشنطن إلى التأكيد على رفضها المسّ بسيادة لبنان أو تهديد استقراره، فأصدر البيت الأبيض بياناً حذّر فيه من تهديد أطراف داخلية أو خارجية لبنان، فيما نشطت الجهود الدبلوماسية الفرنسية لضبط الأوضاع.
وقال بيان صدر عن البيت الأبيض إن”الولايات المتحدة ترفض في هذا الوقت الحساس اي جهود تقوم بها المليشيات داخل لبنان أو أي قوات أجنبية لتهديد استقرار لبنان أو تقويض مؤسسات الحكومة اللبنانية أو استخدام لبنان قاعدة لتهديد الآخرين في المنطقة”.
وأكد البيت الأبيض أن سعد الحريري”شريك موثوق به للولايات المتحدة في تعزيز المؤسسات اللبنانية ومحاربة الإرهاب وحماية اللاجئين”، مبيّناً أن”القوات المسلحة اللبنانية وقوات أمن الدولة اللبنانية الأخرى هي السلطات الأمنية الشرعية في لبنان”.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]