#dfp #adsense

هل يدفع لبنان ثمن حروب “حزب الله”؟ ( سيمون سمعان)

حجم الخط

 

كتب  سيمون سمعان في “المسيرة” – العدد 1637

هل هدّأت إطلالة الرئيس سعد الحريري النفوس فتبدّلت النظرة إلى مستقبل الأوضاع المالية والإقتصادية في لبنان، وتراجعت الخشية من تطورات دراماتيكية كانت بلغت ذروتها عقب الإستقالة؟ وهل يمكن التعويل على اللهجة الهادئة للرئيس الحريري للقول إن الأمور لا تستدعي كل هذا الهلع وكل تلك التحليلات؟ إزاء التطورات المتسارعة، لا بد من التعمّق عند العديد من المحطات والمؤشرات. وإزاء الأزمة التي يواجهها لبنان اليوم، لا بد من قراءة الأرقام بتأنٍ لتبيان حجم السلبيات والمخاطر، وما إذا كانت الأوضاع النقدية والمالية والإقتصادية ستتأثر بقرارات قد تتخذها المملكة السعودية والدول الخليجة عموما، على غرار ما حصل مع قطر. ألقيمون في القطاعات الإقتصادية لا يُنكرون قلقهم من الأوضاع نظرا لتوالي الصدمات وتكدسها، ولا يُخفون ثقتهم بأن القواعد المالية والإقتصادية اللبنانية صلبة وطالما تعرضت للعديد من الهزات وخرجت منها بجدارة.

لا يكاد اللبنانيون يخرجون من أزمة حتى يدخلوا أخرى. مقولة بات يرددها الجميع في لبنان. فهم لم يخرجوا من أزمة الحرب في سوريا حتى تلقوا ارتدادات الأزمات في المنطقة. ولم ينتهوا من تداعيات الشغور الرئاسي حتى دخلوا معمعة الضرائب والسلسلة. ولم يكد يستقر بهم الوضع، حتى فوجئوا بأزمة حادة مُعتمِلة منذ دخول “حزب الله” شريكا في أزمات المنطقة وخصوصيات دولها، التي انفجرت مع إجراءات يُخشى أن تواصلها المملكة السعودية في منحى تصاعدي وتصعيدي، بهدف دفع الدولة اللبنانية إلى حسم أمرها في مسائل الأمن القومي للدول والنأي بالنفس عن صراعات المنطقة.

بين الذروة والحضيض

أظهرت الأحداث المتوالية بما لا يقبل الشك أن علاقات لبنان مع عدد من الدول الخليجية ولا سيما المملكة العربية السعودية، باتت في مرحلة متقدمة من التأزم. فوسط اضطرابات الإقليم والنزاع السعودي الإيراني، وما يحيط بمسار العملية برمتها في الشرق الأوسط من غليان، لا يسمح بتجاوز الخطوط الحمر والتلاعب بالمسلمات. وبعد توسّع نشاط “حزب الله” خارج حدود الوطن بما بات يهدد أمن البلدان العربية، رفعت هذه الدول البطاقة الحمراء في وجهه حفظا لأمنها الوطني وللأمن الإقليمي. لكن المعضلة الدائمة الحضور هي أن أية إجراءات ضد “حزب الله” تطال بجريرتها لبنان برمّته اقتصاداً ونشاطاً مالياً وصولا إلى إمكان أن يدفع الأفراد بلقمة عيشهم وليس البلد ككل ثمن تمادي التدخلات وتفاقم النزاعات.

لبنان مهدد اليوم إقتصادياً ومالياً بنتيجة الأزمة مع المملكة السعودية. وقد بدا هذا التهديد بأبرز تجلياته بعد استقالة الرئيس سعد الحريري من رئاسة الحكومة رفضا لنسف التسوية ولتوريط لبنان في نزاعات المنطقة خدمة لمصالح الآخرين. وهناك من الإقتصاديين من رفع الأسبوع الماضي نسبة الخطر إلى حدودها القصوى إستنادا إلى ما بلغته الأوضاع، خصوصا أن الإقتصاد اللبناني هش ولا يحتمل الصدمات. ومع أن حدّة هذا القلق تراجعت بعد شيوع أجواء أوحت بتسوية ما، لم يكن حديث الرئيس الحريري بتأكيد عودته إلى لبنان وإمكان العودة عن استقالته ضمن شروط محددة، بعيدا عنها، إلا أن الخشية تبقى قائمة ما لم يتم التوصل إلى تسوية صلبة تجنّب الإقتصاد اللبناني مزيدا من التصدعات.

أما الإجراءات العقابية التي هددت المملكة السعودية بتطبيقها تباعا في حال لم تحزم الدولة اللبنانية أمرها بعدم تغطية تدخلات “حزب الله” في شؤون الدول الخليجية وتهديد أمنها، فشملت مختلف القطاعات من احتمال ترحيل لبنانيين يعملون فيها، إلى وقف التأشيرات والرحلات الجوية بين البلدين ووقف التبادل التجاري، إلى وقف التحويلات المالية منها إلى لبنان، وصولا إلى سحب ودائع مصرفية عائدة للدولة أو لأفراد ممن تم توقيفهم بتهم فساد وتبحث السلطات السعودية مسألة مصادرة أرصدة وأموال تابعة لهم تبلغ قيمتها ما يقارب الـ 800 مليار دولار. وهناك من يشير إلى أن جزءا من هذه المبالغ مُودَع في المصارف اللبنانية.

والأسئلة التي تُقلق اللبنانيين هي إلى أي مدى يمكن أن تمضي المملكة في هذه التهديدات وتحويلها إلى إجراءات تنفيذية؟ وما مدى القدرة المتوافرة لاجتراح الحلول؟ وإذا لم يتم التوصل إلى حل، كيف سيتفاعل الإقتصاد اللبناني مع الأزمات المستجدة وهو الذي لم يخرج معافى بعد من الأزمات المتوالية عليه منذ عقود؟

ضوء في آخر النفق

الخبير القانوني الدكتور بول مرقص يقول في هذا الصدد إنه “يحق للسعودية اليوم إسترداد أموالها من لبنان، فالقانون اللبناني يتيح لهيئة التحقيق الخاصة لمكافحة تبييض الأموال في مصرف لبنان أن تتلقى من السلطات الأجنبية، ومنها وحدة الإخبار المالي من السعودية، أية طلبات للاستعلام عن وجود حسابات أو موجودات في لبنان للأشخاص المتهمين بالفساد وصولا الى تجميد موجوداتهم ووضع إشارة منع تصرّف على العقارات. كما يحق للدولة التي تخاطب لبنان أن تطلب استرداد هذه الموجودات لصالح الدولة المستعلِمة عن ذلك، شرط أن يكون هناك تحقيقات جدية. كما يحق لهيئة التحقيق الخاصة أن تستعلم عن صحة وجود هذه التحقيقات والى أي مرحلة وصلت، حتى تتجاوب الهيئة مع هذا الطلب”. ويلفت مرقص إلى أن هذه التدابير لا تطاول الشركاء في شركات حتى لو كانت هذه الشركات لا تملكها الشخصيات المتهمة، بمعنى أنه إذا كانت لدى أحد المتهمين حسابات في المصارف اللبنانية إفراديا يمكن تجميدها.

أحد المصرفيين كشف لـ”المسيرة” أن الأموال الخليجية والسعودية تحديدا في المصارف اللبنانية ومصرف لبنان باتت متدنية جدا منذ سنوات. وبالتالي فلن يكون لها في حال سحبها تأثير كبير على الكتلة النقدية في النظام المصرفي اللبناني. وأشار الى أن ودائع غير المقيمين تشكل أقل من 20 في المئة من مجموع الودائع وأكثر من نصفها للبنانيين والسوريين.

لكن الجواب الذي يبادر المصرفيون والإقتصاديون إلى رفعه عند سؤالهم عن مستجدات الأوضاع الإقتصادية بعد الأزمة الناشئة على خلفية استقالة الرئيس الحريري وتداعياتها، هو أن سندات لبنان الدولارية تعافت بعدما جزم الرئيس الحريري بأنه سيعود قريبا إلى لبنان، وأنه قد يتراجع عن استقالته إذا وافق “حزب الله” على البقاء بعيدا عن الصراعات الإقليمية. وكانت سندات لبنان قد شهدت موجة هبوط شديدة خلال الأسبوع الماضي نتيجة التخوف من أن تؤدي الإستقالة في ظل الظروف الراهنة وتضافر عوامل أخرى، إلى اهتزاز الإستقرار الهش في لبنان. ويعتقد الإقتصاديون أن المخاوف من نشوب صراع أو أعمال عسكرية انحسرت قليلا، أقله في الوقت الحاضر.

في المقابل يعتبر آخرون أن تبعات استقالة رئيس الحكومة لا تزال مستمرة على رغم موجة الإرتياح التي سادت بعد المقابلة الأخيرة. ويُلفتون إلى أن قول الرئيس الحريري إن عودته عن الإستقالة مشروطة بالتزام جميع الأطراف التسوية، وبانكفاء “حزب الله” عن المشاركة في صراعات المنطقة وتهديد أمن الدول الشقيقة، يُبقي الأمر معلقا على ما ستسفر عنه التطورات الآتية ولا يجعل الإطمئنان كاملا وثابتا، إنما يعطي بلا أدنى شك فرصة لالتقاط الأنفاس والبحث عن الحلول الممكنة بما يُجنّب القطاع المالي والإقتصادي في لبنان المزيد من الضغوط والهزات. فالمستوى العالي من التأزم في الوضع واحتمالات التصعيد تشي، بحسب المتابعين، باحتمال أن تمضي السعودية في تنفيذ سلسلة متصاعدة من الإجراءات الإقتصادية العقابية، علما أنها ليست المرّة الأولى التي تتخذ فيها مثل هذه الإجراءات.

في الوقائع والأرقام

يبلغ عدد اللبنانيين العاملين في السعودية حوالى 350 ألفاً يتوزعون بين مستثمرين ورجال أعمال وموظفين وعمال عاديين. وتراوح تحويلات هؤلاء إلى لبنان سنويا بين 4 و4,5 مليارات دولار أميركي. فيما تصل قيمة الإستثمارات اللبنانية في السعودية إلى 13 مليار دولار، والإستثمارات السعودية في لبنان إلى 10 مليارات دولار. أما قيمة المؤسسات التي يملكها لبنانيون في السعودية فتصل إلى 125 مليار دولار. ويبلغ حجم الصادرات اللبنانية إلى المملكة حوالى 378 مليون دولار.

يشير خبير إقتصادي عربي إلى أن هذا العرض هو مجرّد عيّنة عن مدى حجم العلاقات بين لبنان ومحيطه العربي ولا سيما المملكة السعودية. ويشدد على وجوب عدم التفريط بهذه العلاقات من قبل لبنان، مستطردا وليس هذا القول من باب التمييز ولكن لأن الإقتصاد اللبناني لا يملك المناعة الكافية اليوم لمواجهة هذا الكم من الأزمات، فهو مثلا ليس كالوضع القطري حيث الدخل الوطني مرتفع ولا ديون سيادية. لكن في المقابل يتوقع الإقتصادي العربي أن تجد الأزمة الناشئة اليوم بين المملكة السعودية ولبنان مخارج مقبولة تُجنّب الطرفين تحمّل تداعياتها. وعند سؤاله عن أن التهديدات اليوم مختلفة عما كان يحصل سابقا، يجيب بأن هذا صحيح ولكن “لا أعتقد أن الأمور ستصل إلى ذروة التأزم. وإذا حصل ذلك لا سمح الله، فإن تبعاته ستكون كارثية على لبنان. فهذا البلد الصغير غير قادر في الظروف الحالية على تكبّد هذا الحجم من الضغوط، من مثل وقف الرحلات الجوية والتبادل التجاري وطرد المستثمرين والعاملين في المملكة وغير ذلك من الإجراءات. إلا أنه لا يعتقدن أحد أن لا تأثير في المقابل على المملكة، كون اللبنانيين العاملين فيها هم سند قوي ومحرك فاعل لاقتصادها وليسوا في أي حال عبئا عليها.

وتوقّع الخبير الإقتصادي العربي إمكانية تشديد هذه العقوبات، مشيراً إلى احتمال استخدام واشنطن “قانون باتريوت” لفرض عقوبات على مناطق معينة من لبنان. وهو إجراء سيسبب إذا تم تبنيه مزيداً من الضغط على الاقتصاد اللبناني والنظام المصرفي فيه. ودعا إلى أن تأخذ السلطات اللبنانية المسألة على محمل الجد وعدم التراخي فيها تجنيبا لدخول الاقتصاد اللبناني في متاهات هو في غنى عنها. معتبرا أن نشوب حرب إقتصادية على لبنان، قد يكون أخطر من الحرب العسكرية.

الإقتصاديون اللبنانيون لا يذهبون إلى هذا الحد في مخاوفهم. ويعتبر الخبير الإقتصادي جاسم عجاقة أن “لبنان لن يتأثر برفع الضمانات المالية، بإعتبار انَ الليرة اللبنانية لديها احتياطي هائل، والقطاع المصرفي ضخم وبإمكانه الإستمرار في تقديم قروض للدولة اللبنانية. أما من ناحية السياحة فقد أكد عجاقة أن”القطاع السياحي سيتأثر بالأزمة ولا شيء يُعوض له بخلاف الصادرات التي بإمكاننا إيجاد أسواق بديلة لها كأسواق أوروبا والولايات المتحدة الاميركية وروسيا وتركيا والعراق ومصر وغيرها من البلدان”. ويجاري آخرون عجاقة باعتبار أن الإقتصاد اللبناني بات معتادا على الأزمات وهو واجه مثل هذه العقوبات السعودية في العام الماضي وفي سنوات سابقة، وإن كان متوقعا أن تكون اليوم أقسى، داعين إلى تدارك الوضع بغض النظر عن البحث في حجم الخسائر.

هل نتجنّب الأسوأ؟

بات معلوما أن لائحة الإجراءات التي هددت المملكة السعودية بتطبيقها ضد لبنان تشمل:
سحب الودائع المودعة في مصرف لبنان، الطلب من السعوديين سحب ودائعهم في البنوك اللبنانية، الطلب من السعوديين وقف الاستثمار في لبنان والانسحاب من الاستثمارات القائمة، وقف منح تأشيرات دخول جديدة للبنانيين ووقف التعاملات المصرفية والتحويلات بين البلدين، وقف الرحلات الجوية وإلغاء اقامات اللبنانيين في المملكة وطردهم منها، واغلاق السوق السعودي في وجه الصادرات اللبنانية ووقف التصدير الى السوق اللبناني، وربما يصل الأمر إلى قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وإغلاق السفارة السعودية في بيروت، والسفارة اللبنانية في الرياض. والخشية أن يجري تعميم هذه الاجراءات على كل دول مجلس التعاون الخليجي، بحيث تحذو دول الخليج حذو المملكة، بعدما تبين أن هذه الدول متضامنة مع السعودية وجاهزة لمجاراتها في الاجراءات التي ترتأي اتخاذها في حق لبنان.

إزاء ذلك يؤكد المتابعون أن الإجراءات غير مفاجئة، فهي تأتي في سياق تصاعدي بدأ منذ سنوات، وهي تاليا تأتي متأثرة بعاملين أساسيين في داخل المملكة: أولهما خطة 2030 والمتضمنة سعودة الوظائف مما وضع اللبنانيين بين خياري البقاء من دون فائدة تذكر أو الرحيل. وقد بدأ العديد منهم يتحضر للبدائل حتى قبل نشوب الأزمة الحالية. وثانيهما هو تراجع واردات المملكة من النفط بعد الإنخفاض الكبير للأسعار مضافا إليه التكاليف العالية لرد خطر أزمات المنطقة واضطرارها للتدخل العسكري مع ما يتطلب ذلك من نفقات.

وبالتالي فإن أي إجراء في حق لبنانيين سيكون موجعا للبعض طبعا، ولكن على العموم بات الجميع مستعدا منذ فترة لاحتمال مواجهة مثل هذه القرارات بتحضير مشاريع بدائل أخرى.

وهناك من يرى أن الاجراءات السعودية ضدّ لبنان ستقتصر على إجراءات سابقة كتجميد الهبة للجيش وقوى الامن اللبناني، وعلى تصنيف مجلس التعاون الخليجي “حزب الله” بمنظمة إرهابية. إلا ان الوقائع وما تبعها مؤخرا يؤكد أن مفاعيل الأزمة لا تزال مفتوحة على المزيد من المفاجآت السلبية، التي ستؤثر على الوضع الاقتصادي في لبنان، لان تحويلات اللبنانيين العاملين في المملكة لطالما أنعشت الاقتصاد اللبناني خصوصاً في معدلات النمو.

وسط كل هذا الجو يبقى معظم الإقتصاديين اللبنانيين حذرين في التمادي في القلق بل يركنون إلى بعض المعطيات، ومنهم مصادر مصرف لبنان، التي ترى أنه “بفضل الدعم الدولي من الولايات المتحدة ومن أوروبا، وظهور رئيس الوزراء سعد الحريري على شاشة التلفزة، وجهود رئيس الجمهورية العماد ميشال عون لصون الوحدة والتواصل مع الأسرة الدولية، فإننا وصلنا إلى مرحلة استقرار نسبية في الأزمة، ولكن ليس إلى تسوية”. وهذا ما ينتظر الجميع حصوله.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل