مرشح “القوات” في كسروان شوقي الدكاش: من عرين المقاومة الى قبة البرلمان

كتبت جومانا نصر في “المسيرة” – العدد 1637:

في الأوساط الشعبية هو إبن كسروان العاصية، والرجل العصامي الذي بنى نفسه بنفسه وصعد سلم الحياة بجهده الخاص وإيمانه المطلق بأن الإنسان لا يتنفس خارج بيئته ولا يستحق صفة الكرامة إذا لم يكن مؤمنا وملتزما بمبادئه. وفي اوساط  قطاعي الصناعة والزراعة هو على رأس شركة «جرجي الدكاش وأولاده» لتصنيع البيوت البلاستيكية للزراعة. وفي الأوساط الإقتصادية هو عضو في مجلس جمعية الصناعيين اللبنانيين وعضو في المجلس الإقتصادي الإجتماعي. وفي أوساط حزب «القوات اللبنانية» هو مرشح «القوات» عن كسروان لدورتين والثالثة ثابتة.

لكن قبل كل ذلك هو شوقي الدكاش القواتي الملتزم بالقضية منذ العام 1982 وحافظ إرث شهداء المقاومة المسيحية، الذي لبس البزة الخضراء وخاض أشرس المعارك وأصيب أكثر من مرة واعتقل وتعرض للتعذيب.

ثمة من لم يكن يعرف ذلك. وثمة من سيتفاجأ في سطور تفاصيل سيرة المرشح القواتي عن كسروان وجبيل الذي قال لمن وصفه بـ«خرّيج حبوسة»: «أفتخر أنني سجنت من أجل قضية معمّدة بالشهادة، ولا أتردد في دخول السجن من جديد إذا كانت التهمة أنني قواتي ملتزم».

يضحك شوقي الدكاش كثيرا لمجرد سؤاله عن بداياته في قطاع الصناعة والأعمال. فمرشح «القوات» عن كسروان وجبيل يحمل في خبايا ذاكرته تاريخا طويلا من النضال العسكري وصورا يلملم فتاتها من هنا وهناك بعدما اضطرت والدته ذات يوم في زمن النضال السري أن تمزقها مع الأوراق والدفاتر التي تروي سيرة المقاتل في صفوف «القوات اللبنانية». ذاك اليوم لم ولن ينساه. ومن ثنايا تلك المرحلة تبدأ السيرة الذاتية لمرشح «القوات اللبنانية» في كسروان وجبيل شوقي الدكاش.

عام 1979 لبس شوقي الدكاش البزة الكاكية للمرة الأولى ونزل إلى أرض المعركة دفاعا عن وطن آمن بوجوده سيدا حرا مستقلا. قاتل على عدة جبهات وتدرج في عداد فوج المدفعية مع رفيق النضال أنطوان بارد، لكن ذكريات معركة زحلة لا تزال محفورة في ثنايا الذاكرة ويروي: «ليلة هجوم جحافل جيش الإحتلال السوري على زحلة كانت الأقسى. أذكر أن مدافعنا كانت تدك الجسر لإعاقة دخول المحتل السوري إلى زحلة منذ ساعات الليل الأولى وكان الطقس عاصفا والثلج بعلو متر ونصف المتر. استمر القصف حتى ساعات الفجر الأولى مما اضطرنا إلى تبريد فوهات المدافع بالثلج». يكر حبل الذكريات ويضيف الدكاش: «وفي إحدى الليالي العاصفة لم نعد قادرين على تصويب الأهداف بسبب الضباب وغزارة الأمطار.. لكننا لم نستسلم ولم نتراجع وفاء لدماء الشهداء ومبادئنا».

هي ذكريات يستعيدها الدكاش اليوم ليس بهدف فتح دفاتر الماضي العابق برائحة الكرامة والعز «لكن لولا دماء الشهداء ما كان هناك حاضر ولا أفق للمستقبل». ذكريات لا تزال تحفر تماما كما الندوبات نتيجة الإصابات التي تعرض لها خلال المعارك. المرة الأولى كانت خلال حرب الجبل يوم كان يقف مع رفيقين في مبنى قيد الإنشاء على تلة 888 فأصيب الدكاش في معصمه بعدما بات مكشوفا. للوهلة الأولى لم يدرك أنه أصيب إلا عندما رأى الدماء تسيل من يده. «بس الحمدالله بعدني عايش وقد ما حكينا ما منساوي نقطة ببحر تضحيات الشهدا».

حاول شوقي الدكاش أن يجمع بين فكره النضالي وطموحه العلمي حيث كان يتخصص في مجال الحقوق والعلوم السياسية في الجامعة اللبنانية الفرع الثاني. لكن صوت الكرامة وصور الشهداء كانا أقوى من رائحة كتب القانون ومطرقة العدل. وفي العام 1982 غادر مقاعد الجامعة وكان لا يزال في السنة الثانية وعاد ليكتب فصولا في تاريخ الحرية والبطولات مع رفاقه في صفوف «القوات اللبنانية». وعندما عاد إلى مقاعدها في العام 1992 أكتشف أن شيئا ما سبقه على دروب الحياة وبدأ يخطط لمستقبله من خلال العمل في مجال الزراعة مع والده جرجي الدكاش.

كان إسم والده جرجي الدكاش رائجا في مجال الزراعة حيث كان أول من أدخل نظام البيوت البلاستيكية للزراعة إلى لبنان وطبق نظامها في الأراضي التي استأجرها من الوقف وحولها إلى حقول تنتج كل أنواع البقول والخضار والفاكهة. لكن عصب المقاوم بقي يسري في عروق إبن بلدة العقيبة الكسروانية وبقي يتردد إلى الجبهات إلى أن قرر بعد إعلان انتهاء الحرب وتوقيع اتفاق الطائف الإنصراف إلى تأسيس مستقبله من خلال العمل بشكل جدي في مجال التجارة والصناعة.

أول الغيث كان في تصنيع البيوت المحمية أو ما يعرف بالبيوت البلاستيكية للزراعة . حصل ذلك في العام 1992 حيث قرر شراء آلة صغيرة لتصنيعها بعدما استدان المبلغ المطلوب فكان يعمل عليها ليلا وينطلق في ساعات النهار لبيع إنتاجه. لكن حرب المنافسة فتحت على مصراعيها في وجه الرجل العصامي الذي قرر أن يبني نفسه بنفسه. وعندما قرر أن يوسع إطار عمله من خلال شراء آلات لتصنيع البيوت المحمية وكذلك المواد الأولية واجهته عراقيل ومنافسة شديدة. لكنه لم يستسلم.

ذاك العصامي وضع نصب عينيه خارطة طموحاته وقرر أن يسير على الدرب التي تربى عليها من دون أن يسمح لأي ظرف في فرملتها. اقفلت في لبنان؟ نذهب إلى الأردن. هكذا كان القرار. لكن التنفيذ يحمل في طياته الكثير من العقبات لا سيما على مستوى كلفة شحن المواد الأولية لتصنيع البيوت البلاستيكية. أيضا ثمة حل وإن كان مكلفا بدوره. من قال إن الخطوة الأولى في الحياة سهلة للأشخاص الذين يصممون على بناء سلم نجاحاتهم وتحقيق طموحاتهم بجهدهم وتعبهم الشخصي؟

صحيح أن شوقي الدكاش الذي ولد في العقيبة عام 1959 تربى في كنف عائلة متوسطة الحال مؤلفة من فتاة وثلاثة شبان وكان والده من التجار المعروفين في القطاع الزراعي، لكن عملية استيراد مواد أولية من الخارج وتحديدا الأردن كانت تحتاج إلى رصيد مالي. فكان القرار الصعب في حينه الذي لا بديل عنه: رهن البيت الذي سجله والده بإسمه. وهكذا تمكن شوقي الدكاش من استيراد 3 مستوعبات من المواد الأولية بقيمة 75 ألف دولار وبدأ مشوار التحدي وحيدا في مصنعه يعاونه عامل واحد فكان ينتج ويصنّع البيوت البلاستيكية ليلا ويكرس نهاراته لبيع الإنتاج وتسويقه. وأكمل مشوار التحدي إلى أن تمكن من إيصال إسم شركة «جرجي الدكاش وأولاده للزراعة» إلى كل أصقاع العالم بدءا من العالم العربي والخليج وصولا إلى أوروبا وأستراليا والولايات المتحدة الأميركية. ومن رحلة البحث عن النجاح وحيدا تمكن  شوقي الدكاش من تخطي الحدود من خلال تصنيع البيوت البلاستيكية وفق نظام التكنولوجيا الزراعية المتطورة. وبفضل عصاميته وكفاءة فريق العمل الذي يضم ما يقارب ال20 مهندسا ونحو 300 موظف بات من الممكن تصنيع بيوت محمية علىمساحات شاسعة من الأراضي الزراعية في أقل مدة ممكنة، وقد وصلت المساحة في أحد المشاريع الزراعية في الأردن إلى 120 ألف متر مربع وذلك وفق نظام «هايدروبونيك» المتطور جدا.

بين العامين 1992 و1994 تمكن شوقي الدكاش من أن يؤسس قاعدة لمشوار حياته المهنية. لكن المراهق الذي تأثر بمحيطه النضالي والمقاوم لم يتنكر لمسيرة نضاله على رغم النجاحات التي بدأ يحصدها في مجال عمله.

نيسان 1994 اعتقل رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع. شوقي الدكاش ما عاد نفسه. واظب على الحضور إلى مصنعه وإنتاج ما هو مطلوب من كميات، لكن قلبه وعقله كانا موجهين نحو منزل النائب ستريدا جعجع في يسوع الملك وزنزانة الحكيم في وزارة الدفاع. وقبل أن يبدأ في رسم خارطة حياته الجديدة جاءته الرسالة الأولى من الأجهزة الأمنية التابعة آنذاك لنظام الوصاية. وقبل أن يودع العام 1994 كانت الرسالة التي ثبتت معموديته في القضية. «كانت المرة الأولى التي يتم استدعائي بعد اعتقال الدكتور جعجع، لكنها الأكثر قساوة وعذابا والأكثر مرارة وإذلالا بالنسبة إلى أهلي وعائلتي. ففي نفس الليلة التي اعتقلت فيها على يد عناصر من جهاز الأمن العام اقتحمت عناصر من جهاز المخابرات منزلي في منطقة العقيبة فأبلغتهم زوجتي تانيا (تزوج من تانيا فرح من شامات عام 1992 ولديه 3 فتيات وصبيان) أن عناصر من جهاز الأمن العام سبقوهم واقتادوني إلى مكان مجهول. وعلى رغم ارتباكها وقلقها علي إلا أنها حافظت على صلابتها ورباطة جأشها. وقبل أن يصلوا إلى منزل العائلة في العقيبة كانت والدتي قد أحرقت كل الصور العسكرية والأوراق التي كنت أدون عليها مذكراتي وخواطري اثناء وجودي في الثكنات أو على الجبهة. واليوم عندما أقرر أن أعود إلى تلك الأيام أقصد بعض الرفاق لا سيما الرفيق أنطوان بارد للحصول على بعض الصور التي كانت تجمعنا في تلك الأيام».

خضع شوقي الدكاش لكل مراحل التعذيب خلال فترة اعتقاله في وزارة الدفاع. البلانكو. عاش تفاصيل مراحلها لحظة بلحظة. الدولاب. أيضا دار على جسده بمرارته ووجعه. لكن أقسى أنواع التعذيب التي ذاقها ولا تزال تنخر عظامه كلما عاد إلى تفاصيلها كان أسلوب الوقوف على رؤوس الأصابع لساعات طويلة وفي حال لاحظ السجان-الجلاد أن المعتقل اتكأ على الحائط يكون عقابه صفعة على الوجه أما الإستراحة لثواني فثمنها ضرب مبرح.

5 أيام من الإعتقال والتعذيب أمضاها شوقي الدكاش في معتقل وزارة الدفاع انتهت بإطلاق سراحه مع مواطنين كانا في الإعتقال «فجأة وجدنا أنفسنا على الطريق عند مستديرة المكلس بعدما أقلتنا سيارة عسكرية من وزارة الدفاع مطمشي العينين. وأذكر أن واحدا من المفرج عنهما كان لا يزال يرتدي ملابس النوم التي كان يرتديها ليلة اعتقاله وكان حافي القدمين فأعطيته جواربي وعاد كل منا إلى منزله. وهنا لا مجال للكلام عن رد فعل الأهل وزوجتي. لم يصدقوا أنني عدت كانت ليلة من العمر. وبدأت مسيرة النضال السري…

الإعتقال الثاني كان في العام 1996 لكن هذه المرة لم تكن يد الجلاد التي علَمت على جسد شوقي الدكاش إنما أسلوب الذل ووسائل التحقير التي اخترقت أذنيه وكانت تدخل من أذن لتخرج من الثانية. فبعد إطلاق سراحه تعرض للكثير من محاولات الترغيب والترهيب بهدف إخراجه من دائرة النضال السري مع «القوات اللبنانية»والتعامل معهم على خط الوصاية. وعندما لم يفلح «المغامرون والمصطادون في الماء العكرة» حاولوا إقناعه بأن «يستقيل» من مهامه الحزبية ويعود إلى حياته العملية والعائلية في مقابل التعهد بعدم «إزعاجه» ثانية. لكن عبثا. فكان الثمن اعتقاله للمرة الثالثة والتضييق عليه وعلى أفراد عائلته كما حال كل الشباب الذين كانوا يناضلون في مرحلة اعتقال الدكتور سمير جعجع بهدف إطلاق سراحه.

لم تقتصر محاولات التضييق والترهيب على الأجهزة الأمنية والمخابرات التي كانت خاضعة لنظام الوصاية آنذاك. ففي العام 1997 قرر شوقي الدكاش الترشح لرئاسة جمعية عائلة آل دكاش الخيرية. وفاز بمنصب رئاسة الجمعية العائلة على رغم كل العوائق التي واجهته آنذاك. أما النضال فاستمر…

عام 2003 كانت المحطة الأولى في مسيرة النضال السري لكن على خط سياسي حيث حضر شوقي الدكاش احتفالا لجمعية تجار جونيه ممثلا الدكتور سمير جعجع الذي كان يقبع تحت سابع أرض في معتقل سجن وزارة الدفاع. ولم تخلُ السهرة من مفاجآت أمنية حيث حضرت عناصر تابعة لأحد أجهزة المخابرات واعتقلت عددا من الشباب لكن لساعات معدودة وذلك في إطار سياسة الترهيب والترغيب التي كانت رائجة في تلك المرحلة. وفي العام 2005 رن هاتف الدكاش. النائب ستريدا جعجع على الخط: «كان يوم ثلثاء أو أربعاء على ما أذكر، وأبلغتني أن الدكتور سمير جعجع قرر ترشيحي عن المقعد الماروني في كسروان وتمنت علي الحضور فورا لتقديم أوراق الترشح لأن المهلة كانت ستنتهي مساء الجمعة. يومها صادف أنني كنت في الجنوب فاستمهلتها حتى المساء لكنها أصرت أن احضر فورا. وهكذا خضنا المعركة الإنتخابية في خلال 20 يوما».

مسيرة النضال العسكري التي بدأها شوقي الدكاش في عمر مبكر واستمرت لتتحول إلى نضال سري فسياسي تطورت في العام 2009 «اتصل بي الدكتور سمير جعجع وطلب مني أن أتولى زمام الماكينة السياسية في منطقة كسروان. وفي العام 2013 تم ترشيحي للمرة الثانية ولم تحصل الإنتخابات». ويضيف: «الحكيم عطاني أمانة من خلال ترشيحي عن منطقة كسروان وبدي حافظ عليا حتى لو على حساب مصلحتي الشخصية».

لم يستغرب شوقي الدكاش طرح إسمه للمرة الثالثة من معراب كمرشح عن حزب «القوات اللبنانية» في كسروان وجبيل «هذه الرسالة هي بمثابة الأمانة وأنا أؤديها لأبناء منطقتي جبيل وكسروان ولحزب «القوات اللبنانية» وأتمنى أن أكون خير ممثل للجميع وعلى مستوى تضحيات الشهداء والوطن».

صحيح أن قانون النسبية مع الصوت التفضيلي رفع من نسبة حظوظ مرشح «القوات اللبنانية» شوقي الدكاش في كسروان وجبيل لكن حتى في حال لم يكن الفوز حليفه فسيبقى إبن القضية وملتزما بمبادئها ونظامها.

لكن بين السياسة والعمل الحزبي وقطاع الأعمال كيف تتدرج الأولويات في سلم نجاحات المرشح شوقي الدكاش؟ الجواب واضح: «إذا فزت في الإنتخابات النيابية سأكون صوت ناسي وحزبي ووطني أولا تحت قبة البرلمان، أما التزامي بمبادئ حزب «القوات اللبنانية» فلن أفرط بها.تلك الأمانة دفعنا ثمنها استشهادا واعتقالا ونضالا ولن أرتاح قبل أن أسلّم الشعلة لأولادي وأحفادي لاحقا. أما شركة «جرجي الدكاش وأولاده» فستبقى الأمانة التي تسلمتها من والدي وأتمنى أن أكون على خطاه ومثاله في تربية أولادي وولائي وانتمائي لمنطقة كسروان ولبنان».

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل