الخطاب السياسي ومستقبل الشعوب

حجم الخط

بين الديماغوجية والواقعية في الخطاب السياسي يتحدد مستقبل الشعوب ومصيرها، وترتسم مواقع الأمم والدول، فإما أن يقودها الخطاب الى مواجهات مفتوحة على الإحتمالات السلبية كافة، سواء مع محيطها أو مع المجتمع الدولي المقرر، وإما الى الإنخراط بالكامل في مشروع السلام العالمي.

فالخطاب الديماغوجي يرتكز على كلام فضفاض لا منطق له، ويحاول صاحبه من خلال استعراض قواه وبطولاته الوهمية، إغراء الجمهور واستمالة الرأي العام وخداع الناس للوصول الى السلطة وخدمة أجندته السياسية، فيما الخطاب الواقعي أو العقلاني، يقوم على التجرد من كل مصلحة شخصية ـ ذاتية، ويرتكز على صياغة حوارية وعلى أفكار بناءة ومسؤولة، وذلك في محاولة من صاحبه لتصويب المسارات السيادية عبر توعية الشعب وتنبيهه مما يحاك له من مؤامرات تهدد مستقبله ومصالح دولته.

المشكلة في الخطاب الديماغوجي أنه يحاكي عنفوان الشعوب إنما بطرق ملتوية مشبّعة بعقائد إما حزبية وإما طائفية ومذهبية وإما عرقية مليئة بالمغالطات والمتناقضات، وهو خطاب انتهازي متخصص بغزو العقول غير المثقفة سياسياً ووطنياً، من خلال اللعب على الوتر الوجودي والتخويف من “راجح”، على عكس الخطاب الواقعي المتميز بالجدية والمسؤولية الوطنية حيال وجودية الدولة واستمراريتها على قاعدة الفصل بين التبعية لهذا الزعيم وتلك المرجعية، وبين الإنتماء للهوية الوطنية فقط لا غير، وهو الخطاب الذي نحتاج اليه اليوم في لبنان، لإعادة تكوين مواطنية صالحة قائمة على الإنتماء للوطن والكيان، وغير تابعة لمرشد أو لملهم أو لشخص أو لأي مرجعية أخرى غير مرجعية الدولة. فالخطاب كالسلاح الذي ما أن يستعمله طائش أو مجرم أو إرهابي حتى تقع الكارثة، فكيف باستعماله من قبل زعيم مستزعم أو مسؤول مأجور أو رئيس حزب تابع لمشاريع غير المشاريع الوطنية حيث حتمية الإنزلاق الى الهاوية وبالتالي الى الدمار الذاتي، وهذا ما شهدناه في تاريخ الكثير من الشعوب التي أصيبت في حقبة معيّنة بعلة تبعيتها لزعيم ملهم وليس لقائد عاقل ومسؤول.

والفرق شاسع بين الإثنين، حيث  أنّ الزعيم المُلهِم يسمح لنفسه بالتّضحية بشعبه من أجل نزواته، لأنّه مُلهِم، والإلهام نظرة إلهيّة لا تحتمل الجدل، أمّا القائد المسؤول الذي يُضحّي بنفسه لمصلحة شعبه فهو رجل دولة يتمسّك بالواقعية وبالقلق على الشعب، والأمثلة كثيرة في تاريخ الكثير من شعوب العالم، وكثيرة في تاريخ لبنان الحديث.

إذاً العلاج يبدأ بإعادة تكوين ذهنية وطنية صرفة، من خلال اعتماد الخطاب الواقعي والعقلاني، على أن تنطلق الحلول من ضرورة التشبع بالإنسانية للتعايش بسلام وأمان مع المختلفين عنا عقائدياً وسياسياً طائفياً، وهو طريق رئيس لا بد من سلوكه في مسار بناء الشعوب والاوطان، وخلف قادة ورجال دولة حقيقيين قادرين على إيصال شعوبهم الى ضفة السلام والإزدهار.

واستطراداً لا بد من الإشارة الى أن الزعماء المستزعمين يدفعون بشعوبهم الى الخراب والقتل والدمار وبالتالي الى الإنتحار الجماعي، وذلك من خلال قدرتهم على استقطاب بعض الفئات الشعبية، مرتكزين على فن الخطابة من جهة، وعلى استنهاض همم بيئتهم من خلال إطلاق المواقف الحماسية ذات الطابع البطولي والرجولي والتي لا تخلو من الدعم الألهي، فيما القادة الحقيقيين يُسمعون شعوبهم كلاماً مسؤولاً وصعباً، وغالباً ما يكون غير مشتهى إنما صادق وشفاف.

المطلوب هو توعية الشعب للحؤول دون وقوعه في براثن الزعماء الملهمين من خلال إطلاق حملة تثقيف سياسي تمكنه لاحقاً من محاسبة زعمائه ومن رفض التزلّم والتبعية العمياء والثبات بالكراهية لللآخر، والمطلوب في المقابل من الزعماء المستزعمين أن يتواضعوا قليلاً وان يتخلّوا عن الانانية وان يحاسبوا انفسهم قبل ان يحاسبوا الآخرين. هكذا فقط نضمن استمرارية وطننا، وهكذا فقط نتمكن من ردع أعدائنا عن التطاول وانتهاك سيادتنا.

ارجوا ان اكون قد وفّقت برسالتي لزعمائنا قبل مواطنينا، اما قادتنا الحقيقين فليسوا بحاجة الى رسالتي هذه لانني منهم تعلّمت التضحية ومعهم تمرّست على الذهنية المسؤولة، ولهذه الأسباب اعتمدت الخطاب الواقعي والعقلاني… والسلام.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل