#adsense

المفهوم التراجيدي للإستقلال… يوم بكى لبنان

حجم الخط

يَعبر اللبنانيّون اليوم زمن تراجيديا الإستقلال، بالمعنى الوَضعي لهذه الكلمة، أي ثقافة الإنتماء الى وطن. وبدلاً من أن تكون الذكرى تَذكرة للكرامة بالحريّة، أصبحت نافذة لتمرير الألم والخيبة، ذلك لأنّ الإستقلال السِّياديّ نَحَرَه مَن يدَّعون صِيانتَه. فالإستقلال بالمفهوم الذي يُقِرُّه التاريخ والثقافة والنّضال والمنطق، قد اغتالَه بعض اللبنانيّين قبل الأغراب، بالتَبَعيّة والإرتهان والتَّجاوزات والتَّلويح بفائض القوّة، ما جعل الوطن أرضاً قابلة لإعادة النَّظر بِعِيد الجَلاء.

في ذكرى الإستقلال أَبحث عن الفرح، ولا أعلم متى سيُرفَع الحصار عنه. لا أرى غير سياسة تهديم الثقة بين الإنسان والأرض، ليُنكرها عند صِياح الدِّيَكَة المُزَوَّر . في ذكرى الإستقلال، ينبغي أن يُكتَب مقال واحد بعنوان: “يوم بكى لبنان”. بكى لأنّه نزف شهداء، بيعت

شهادتُهم في سوق السَّكاكين المأجورة. بكى لأنّ وُكَلاء الخارج المُلَوَّثين بالغدر نشروا فلسفة الكُره والتنكّر للوطن، وأيديولوجيّة الولاء لفكرٍ هجين بديل، ذهب ضحيّتَه كُثُرٌ مُضَلَّلون، فتلاشى التَّلاحم بينهم وبين قِيَم المُواطَنة، وراحوا يُرَوِّجون لعقيدة مُستورَدة، دافِعُهُم السيطرة وتقديم البلد لقمةً سهلة لأشداق الغاصِبين. بكى لأنّ نكهة الدَّم الذي سال لافتدائه لم يَعُد لها طَعم، ولم يَعُد لها لَون في غابة الألوان المُتَوَتِّرة. بكى لأنّ الوَصِيّ الذي أُخرِج بالنّضال، أَراد التَّآمر أن يُعيدَه أو يُعيد مَن يُشبِهُه.

في زمن الإستقلال، يَبِس النشيد فوق الشِّفاه، أبى أن تُطلقَه الحناجر إصطناعيا، أبى الا يكو ن عفويا كالإيمان. لم يَعُد النَّشيدُ الوطنيّ يَعني لبعضهم إلاّ تكرارا آليا تقليديا فاقد الرمزيّة، فاستعاضوا عنه بأناشيد هازِجة، يَهدر  إيقاعها مع إيقاع قناعاتهم السَّاذجة بالإنتصارات الوهميّة التي نَكَبَت الوطن.

هذا الوطن الذي نفخ فيه الشيطان معهم، فتفكّك أهله أهواء وشِيَعا، وصَمَت حكماؤه في ضجيج الكفر، واستسلم للمنطق المقلوب الذي استغلَّته الأدوات الرخيصة التي مارست الدَّجَل والتضليل، تحت ذرائع الحِرص ووكالة الدفاع واستِئصال العدوّ الغاشِم.

في زمن الإستقلال، يَنبري بعضهم من كبار القادة لتقديم المَشورة الى الجِوار، بتبنّي النموذج اللبناني الفريد كحلّ أكيد للنكبة المتنقّلة، أي نموذج الدولة الديمقراطية التعدّدية الحاضنة للحقوق والحريّات،  لكنّهم يدعمون في الوقت نفسه بالرّوح والدم الأنظمة البائدة القمعية التوتاليتارية والثيوقراطيّة التي تَفتك بشعوبها وتُشَلِّع بُلدانها، وتُقدّم سَيلا من الأضاحي فوق مذبح استمرارها في السلطة.

إذا كان الإستقلال هو الفعل المحرِّر من كلّ العِلَل، بمعنى أنّ الإنسان يَمتلك القدرة على الفعل أو الإمتناع عنه بعيدا عن الإكراه، ومن دون أن يَطلب هذا الحقّ من أحد، فشعبنا يَطمح وبإخلاص الى أن يكون حُرا سَيِّدا في قراراته واتّجاهاته، مدفوعا بالفطرة الى أَنَفَة طبيع لرفض بربرية القمع والرُّضوخ لظروف الظُّلم.  . من هنا ، علينا أن نُخضِع مفهوم الإستقلال لتقييمات جديدة صارمة، حتى لو اضطُرِرنا الى كتابة فَصل جديد للإستقلال، ولكن بالحِبر الأحمر.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل