أزمة الإنتظار أو انتظار الأزمة؟

يعيش لبنان اليوم أزمة ولكنّها ليست كالأزمات التي عصفت بتاريخه، لا القريب ولا حتّى البعيد منه. نحن اليوم نصارع تنّينين: تنين الفساد وتنين السلاح. وكلاهما أخطر ما واجههما لبنان في كلّ تاريخه. فالعقليّة اللبنانيّة الماركنتيليّة – الليفنتينيّة لطالما حملت هذه النّفعيّة الخطرة، من حيث تقديم المصلحة الخاصّة على المصلحة العامّة. لكنّها لم تتجاوز يومًا الإطار الشّخصي إلى الإطار الجمْعي. والسّلاح الذي كان يشكّل تقليدًا من تقاليد الحياة اللبنانيّة التي تربّت في طبيعة مقاوِمة لم يصبح يومًا عبئًا على اللبنانيّين كاليوم.

حاول اللبنانيّون اجتراح مساكنة بين السّلاح غير الشّرعي والشّرعيّة، ومنذ العام 2005 حتّى اليوم والبلد موضوع في صندوقة الإنعاش الإصطناعي ليعيش حياة طبيعيّة، ولم  يعِشها يومًا منذ ذلك التّاريخ. أمّا بعد استقالة الرّئيس الحريري  من الحكومة الأولى في جمهوريّة التّسويات فقد أسقط التّسوية الأولى. فهل ستقوم تسوية ثانية؟ وعلى أيّ أسس؟

عاد الحوار ليكون عنوان المرحلة القادمة. الحوار هذه المرّة مشروط، بمدد زمنيّة وبجدول وحيد للبحث، تنّين السلاح. ومتى اتّفق المتحاورون على التّنين الأوّل فسيسقط الثّاني سريعًا صريعًا حكمًا.  لكن هل ستكون طاولة الحوار هذه المرّة كسابقاتها؟ من المؤكّد أنّ مدّة هذه الطّاولة ستكون قصيرة ونتائجها لا بدّ ان تكون حتميّة وإلّا سيتعرّض كلّ لبنان لانتكاسة نتيجة فشل هذه الطّاولة. فمن غير المسموح أن تفشل هذه المرّة لأنّ فشلها يعني سقوط التّسوية الثانية قبل ولادتها. فهل يحتمل العهد هذا السّقوط؟

لقد سقطت عمليّة التّطبيع مع النّظام، والمفارقة أنّ المظلّة الدّوليّة التي حكمت لبنان طوال هذا العقد الماضي قد فعلت فعلها في أزمة الإستقالة انطلاقًا من الحركة المكّوكيّة للرّئيس الفرنسي التي واكبها الرّئيس الحريري بجولة إلى القاهرة فقبرص فالعودة إلى بيروت. من المؤكّد أنّ أيّ محاولة للتّطبيع مع النّظام قد تمّ إسقاطها بالفعل الدّولي والمحلي. لكن، سوريا وأتباعها بتوجيه من إيران استمرّوا بمخطّتهم، والدّليل في ذلك أنّ كلّ مواقف الحزب لم تتبدّل بعد. فهل سيفتح مجدّدًا ملفّ التّطبيع مع النّظام السّوري، أم أنّ هذه الخطوة ستتحوّل إلى غبار؟

نعم، إنّ الإهتمام الدّولي والإقليمي قد ازداد بشكل ملفت بالملفّ اللبناني. فلم يعد مقبولاً بعد اليوم أن يبقى لبنان منطلَقًا للإيرانيّين من حيث تصدير الثّورة وزعزعة أمن الخليج العربي. لذلك، من المرجّح أن تنتقل الحكومة العتيدة إلى مرحلة تصريف الأعمال مجدّدًا لأنّ الحزب بإيعاز إيرانيّ ذاهب إلى المواجهة. فبنهاية المطاف بات هو المسيطر على الدّولة. والمطلوب  من القوى السّياديّة اليوم أن تستعيد سيادة الدّولة من براثنه. فهل سيتخلّى الحزب عن سيادته لمصلحة سيادة الدّولة؟

ما يلوح في الأفق هو مواجهة عاصفة قادمة على المنطقة، فزمن التّسويات والمساكنات قد ولّى. ومن يملك السلاح لن يقدم على ما أقدمت عليه “القوّات اللبنانيّة” في تسعينيات القرن الماضي، لأنّه وبكلّ بساطة يختلف من حيث القناعات مع قناعات “القوّات” التي تؤمن بالدّولة وحدها. فالإنتظار الذي يعيشه اليوم لبنان مُصان تحت المظلّة الدّوليّة، ولو أُرِيدَ إسقاط لبنان لأسقط كما حاولوا في ذلك السّابع من أيّار، لكن الظروف اختلفت.

فالوضع السّوري يسير قدمًا نحو التّسوية المفروضة من قبل الرّوس. والأميركيّ يعمل جاهدًا على حلّ القضيّة العربيّة  – الإسرائيليّة انطلاقًا من سياسته الواقعيّة – البراغماتيّة، وذلك لأنّه ينظر إلى المنطقة نظرة اقتصاديّة بحتة. من هذا المنطلق لن يوقف سعيه الدّؤوب لإحلال السلام في منطقة الموارد الطّبيعيّة الموعودة. لكن، هل سيكون السّلام على قاعد انتظار الأزمة؟ وهل سيتحوّل لبنان إلى واحة للسّلام الدّولي بعد استعادة الدّولة  من براثن الدّويلة؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل