
رغم الانطباعات والتصاريح والمواقف التي تعلن في الآونة الأخيرة حول النأي بالنفس والهالة التي تعطى للموضوع، وكأنه غريب عن طبيعة لبنان وقيامه وكينونته، يتناسى البعض أن معادلة النأي بالنفس لطالما كانت في اساس قيام لبنان وفي اساس الصيغة التي ارست قواعد الحكم، وعندما حصلت محاولات قفز فوقها او تجاوز لها عبر محطات تاريخية، وقع لبنان في حروب واختلالات داخلية فاختل التوازن وشُرّع باب لبنان امام الازمات.
فعام 1920، تاريخ تأسيس الدولة اللبنانية، كان المسلمون يطالبون بالانضمام الى سوريا ويعتبرون ان المناطق التي يعيشون فيها انما هي اجزاء من سوريا الطبيعية، بينما كان المسيحيون للبنان بديلاً، يجدون في كيانه موطناً لحرياتهم المكبوتة. وفي مؤتمر الساحل وما تبعه من الاحداث عام 1936، انعكست مشاعر الفرز الداخلي على الكيان اللبناني فهُدد استقلاله لا بل وجوده بالاضمحلال، لولا الانتداب وجيوشه الذي ضمن عدم انفراط العقد الداخلي اثر انقسام اللبنانيين بين مؤيد للمعاهدة البنانية – الفرنسية التي رأى فيها المسيحيون تكريساً لقيام الكيان اللبناني، بينما نظر المسلم الى المعاهدة على انها تدخل اجنبي لا بل تكريس الاحتلال الفرنسي للبنان بما يقوي وجهة نظر على اخرى ويحبط محاولات الوحدة مع سوريا التي كان يطالب بها فريق من اللبنانيين، وكادت البلاد تدخل في صدام طائفي لولا تدخل القوات الفرنسية التي نزلت الى الميادين للفصل بين المتظاهرين من المعسكرين.
عام 1943 وبفضل رجالات تاريخيين امثال الرئيسين بشاره الخوري ورياض الصلح اللذين آمنوا بامكان قيام لبنان سيد حر ومستقل بعيداً عن الحماية الفرنسية للمسيحيين وعن التطلع الى الالتحاق بالمحيط العربي الاسلامي عند المسلمين، كانت طبخة الميثاق الوطني التي ارست مبدأ لا للشرق ولا للغرب، فاستقلال لبنان التام تكرس تجاه دول الغرب وتجاه دول الشرق ولا وصاية ولا حماية ولا امتياز ولا مركز ممتاز لاي دولة، على حد ما جاء في تصريح الرئيس بشاره الخوري لجريدة “الاسبوع العربي” عام 1960، بحيث “تلبنن” المسلم و”تعرب” المسيحي فكان نهوض لبنان بدوره العربي الريادي ونسج العلاقات الاخوية بين لبنان ومحيطه العربي .
يومها ايقن الزعيمان الوطنيان ان لا قيام لدولة لبنان الا بانصهار عقيدتين وثقافتين مختلفتين ترمي الاولى الى اذابة لبنان في غيره فيما الثانية تريد لبنان تحت الحماية او الوصاية الأجنبية لتجنب الذوبان في المحيط الاكبر.
عام 1958 عندما انحاز فريق من اللبنانيين الى عقيدة القومية العربية الناصرية واراد محاولة اذابة لبنان في الخط القومي الجارف مع قيام الجمهورية العربية المتحدة (الوحدة بين مصر وسوريا)، توجه فريق لبناني آخر الى التقرب من حلف بغداد، فكان اختلال التوازنات الداخلية وكانت الثورة الداخلية والحرب اللبنانية التي انتهت بمعادلة “لا غالب ولا مغلوب”، على اساس ان اي اصطفاف لفريق لبناني مع الخارج سيؤدي حتماً الى شعور الفريق الآخر بالتهديد وبالتالي سوف يلجأ الى اصطفاف مقابل ما يهدد وجود الدولة والكيان ويخلخل التوازنات فتقع البلاد في المحظور.
عام 1973 كان الانذار الاول بحصول اختلال خطير في التوازن الداخلي تحت تأثير ضغط الوجود الفلسطيني الذي شكل دولة في قلب الدولة منذ اتفاقية القاهرة عام 1969 التي اطلقت العمل الفسلطيني المسلح من لبنان وسمحت ببناء دويلة فلسطينية ما لبثت ان سيطرت على سياسات الدولة وتحكمت بمصائر اللبنانيين، فكان انحياز فريق من اللبنانيين الى العمل المسلح الفلسطيني والدويلة الفلسطينية انطلاقاً من لبنان وعلى حساب لبنان الدولة والسيادة والاستقلال، فانفجرت الحرب الاهلية عام 1975 ولم تنتهِ الا بتوافق لبناني على بناء دولة واحدة موحدة في الطائف عام 1990.
وانطلاقاً من بعض هذه المحطات التاريخية، بات ثابتاً بالدليل والتجارب ان لبنان لم يقم الا على التوازنات الداخلية التي تُستقى منها ديمومته وسلمه الاهلي ونموه، تلك التوازنات التي تفترض اولاً تحييد لبنان عن الدخول في لعبة المحاور والصراعات الاقليمية والدولية .
فعندما دخل جيش الرئيس حافظ الاسد الى لبنان بحجة حماية الوجود المسيحي ضد التهديد الفلسطيني، وما لبثت مدافعه ان تحولت الى ضرب المسيحيين اثر توقيع الرئيس السادات معاهدة كامب دايفيد، إنقلبت الموازين الداخلية وانقسم لبنان واللبنانيين.
فاي اصطفاف من فريق لبناني مع اي محور خارجي لا بد وان يخلق اجلاً ام عاجلاً ترددات مزعزة داخلياً لتلك التوازنات، ويوقع البلاد في الأزمات والثورات والحروب.
لذلك، فان النأي بالنفس لطالما كان مبدأ اساسياً يطالب به فريق كبير من اللبنانيين منذ العام 1990 واستعيدت المطالبة اللبنانية به عام 2005 وصولاً الى العام 2012 عندما تورط “حزب الله” في حرب سوريا ليتوسع من ثم الى العمق العربي في المشاركة في القتال في العراق واليمن وسوريا ومناطق اخرى من الاقليم، ويورط لبنان في مواجهات ومحاور متناقضة وصولاً الى المواجهة السعودية العربية – الايرانية، في وقت بات الحزب يشكل جسماً لبنانياً غريباً في الجسم اللبناني ذاته، يحالف محاور اقليمية على حساب مصالح لبنان ويستقوي بسلاحه الاقليمي على فريق لبناني آخر، ما ينسف التوازنات الداخلية من اساسها ويؤدي الى ما نعانيه حالياً خصوصاً في ضوء استقالة الرئيس سعد الحريري وزيولها.
فالنأي بالنفس ليس ارنباً جديداً نخرجه من جيوب الحراك الدولي والاقليمي والمحلي الحالي غداة استقالة الرئيس الحريري بل هو في صميم تركيبة لبنان الداخلية التي لا استمرارية للبنان من دونه لاسيما في لحظة احتدام الصراعات الاقليمية.
