#adsense

رزق : الطائف أقر إسترجاع السيادة والعبور إلى دولة المواطن بدلا من دولة المذهبيات

حجم الخط

أكد  النائب والوزير السابق إدمون رزق ان الطلاب فيهم طاقة هي أمل لبنان ومستقبله. وقال: “نحن كنا مثلكم ذات يومٍ، في البدايات وقد اختزنا ما سمعنا وما عرفنا وما تعلمنا وما توارثنا. نحن مع الإرث الحضاري، ليس فقط مع الإرث السياسي أو الإرث العقاري. نحن علينا أن نهتم بالموروث الإنساني والحضاري الذي هو الرأسمال الحقيقي الباقي”.

وتابع خلال لقاء في مدرسة سيدة الناصرة: “من أسعد مراحل حياتي يوم كنت أدرس الحقوق وأدرس. في ذلك الزمان، كان الذين يتابعون دراسة الحقوق بشكل خاص، يعملون في موازاة التعليم الجامعي. أنا عملت في التدريس، لذلك أَحببت هذه المهنة الرسولية ، وما زلت أحن إليها وأتجدد كلما التقيت رعيلا من الطلاب، خصوصا المقبلين على مواجهة الحياة، إذ يختارون في هذه المرحلة درب المستقبل. مهما يكن الخيار المهني فإن هناك قرارا حتميا على كل إنسان أن يأخذه بنفسه، هو قرار الصمود في الأصالة. ألصمود لا الجمود. لذلك نحن في مرحلة التأسيس الثاني، ولسنا في مرحلة إعادة التأسيس. أي إننا لم ولن نهدم، وإنما نبني ونضيف ونحسن، ونعرف بالنتيجة أننا مسؤولون”.

اضاف: “ليس هناك في الحياة، مجانية. قال لنا السيد المسيح: مجانا أخذتم مجانا أعطوا. ولكن لا تستطيع أن تحصل على مكانة في الحياة أوعلى النجاحات، ما لم تستحقها. أنت تصنع غدك. قال الله: قم لأقوم معك. هناك فرق كبير بين العبادة والعبودية. نحن نعبد الله ولكننا لسنا عبيدا، هو قال لنا: لا أدعوكم من بعد عبيدا وإنما أنتم أبناء. نعم، نحن نتكل على الله كبشر ولكن يجب ألا نكون اتكاليين .هذه المقدمة الوجدانية سمحت بها لنفسي، لأنني أستوحيها من جو هذا الدير، دير سيدة الناصرة ومدرسته، الدير الذي لم يكتمل بالتعبد وحده وإنما بالتعليم وبالعلم والمعرفة. لا كمال من دون معرفة ومن دون عقل. الله أعطانا عقلا لكي نعرف وأعطانا لسانا لكي نسأل. أهم ما نمارسه في سياق الحياة هو السؤال. ليس هناك من مسلمات مطلقة إلا الإيمان بالله، لكن التفاصيل كلها خاضعة للعقل”.

وتابع رزق: “نحن اليوم في أجواء عيد الاستقلال الذي لا نريده ذكرى بل نريده عيدا. الاستقلال هو ذكرى لأحداث حصلت في سياق نضال طويل في سبيل الحرية. لبنان مر بظروف رهيبة وراعبة منذ الاستعمار العثماني وعهد الأُمويين. ولو لم تكن لديه القدرة على التماسك الداخلي لكان انتهى منذ زمن. مطلب لبنان كان وما يزال الحرية. كل الذين جاؤوا إلى لبنان، إضافة إلى أبنائه الأصليين، جاؤوا طلبا للحرية، وهربا من إضطهاد ديني أو عرقي أو طبقي وفي ظل غياب شرعة حقوق الإنسان التي ساهم لبنان بوضعها عبر أحد كبارنا الراحل الدكتور شارل مالك. وأنا حرصت في دستورنا بعد الطائف، على الرغم من كل شيء، أن نضع فيه التزام الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي يساوي الناس بعضهم ببعض، بعيدا عن التمييز العرقي والطبقي والديني. ألدستور الوحيد في الشرق وفي آسيا كلها الذي وضع نصا يلتزم فيه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان هو دستورنا”.

وقال: “لدينا دستور يجب أن يطبق، ولكنه لما يطبق بعد، وهذا يحتاج إلى تصويب وإلى رفض للأمر الواقع والإصرار على الانتقال إلى الدولة المدنية الحقيقية التي وضعنا أسسها في المادة 95 من الدستور، عندما أوردنا ضرورة تأليف هيئة وطنية لإلغاء الطائفية، ليس على أساس التنكر للأديان بل على أساس كون الدين لله والوطن للجميع. نحن أردنا القول في دستورنا، إن لبنان يجب أن يكون نموذجا في الشرق، ولبنان وحده في هذا الشرق يعطي أبناءه أن يكونوا مواطنين. نحن نحرص في لبنان على المساواة المطلقة. وجاء في الدستور أنه لا تخصص أية وظيفة لأية طائفة، ويعتمد الاختصاص والكفاءة”.

واردف: “كان لبنان يتألم من ضغط الغرباء على أرضه. وكان طغيان على الشعب اللبناني، بحيث أصبح لبنان عاجزا عن بسط سلطته على أرضه. وهذا أدى إلى الحرب فيه وكان مصدرها خارجيا أكثر مما هو داخلي. وأنتج انقسام اللبنانيين، تفتتا وذبحا على الهوية وقتلا وتهجيرا، ومن ثم ذهبنا إلى الطائف مدة 23 يوما، ليتفق اللبنانيون بقرار من القمة العربية على نبذ خلافاتهم والخروج من حالة الحرب، وللعبور إلى تطوير الدولة. إتفاق الطائف، الذي وعلى الرغم من شرحنا إيجابياته ووضعنا كتابين عنه صادرين عن “لقاء الوثيقة والدستور”، ما يزال موضع التباسات في لبنان. هذا الاتفاق كان اتفاق استرجاع السيادة وتأكيد الاستقلال والعبور إلى دولة المواطن بدلا من دولة المذهبيات”.

اضاف: “الاستقلال كلمة ضائعة في لبنان، في ظل المرجعيات الخارجية لسياسييه. كل السلطة اليوم والسلطات المتعاقبة، ولن أتعرض لأشخاص، مرجعيتها في الخارج، أي هناك ضغوط خارجية عليها. المطلوب اليوم هو التحرر من هذه الضغوط . وليتم التأسيس الثاني للاستقلال الثاني، علينا استرجاع استقلالنا، بعيدا عما يقال في عواصم العالم الغربي والعربي، ولن أدخل في تفاصيل ذلك، أمام طلاب جئت لأتحدث معهم عن مبادىء وطنية أساسية وليس سياسية. ولكم أقول:لا تكونوا جيلا متفرجا، بل كونوا الجيل الواعد الذي يحمل رسالة بفضل علمه وثقافته وفكره وقيمه التي عاشها في منزله ومدرسته ومن خلال أهله ومعلميه. وأنا أعرف مدى تأثير المربي في تلاميذه، تأثيرا بناء وإيجابيا، يعلم الطموح وسعة الأفق والتطلع إلى الأفضل”.

واستطرد: “نحن اليوم بحاجة إلى استرجاع استقلالنا، والخارج لن يعطينا الاستقلال. هذا أثبتته أحداث تعديل الدستور الذي أنهى الانتداب الفرنسي على لبنان عام 1943 ومن جهة واحدة هي لبنان حيث قامت ثورة رأي عام وليس ثورة مسلحة، فالانتصار لا يكون دائما بالسلاح، بل سلاح الموقف الذي ينتصر والقرار الشعبي الذي ينتصر. ليس على المدفع أن يقرر حياة الشعوب والدول. ألقرار يبقى للكلمة والفكر”.

واردف: “نحن سنراهن ليبقى العلم اللبناني مرفوعا، فوق كل الأعلام. الاستقلال ليس مظاهر احتفالية واجتماعية وبروتوكولية. الاستقلال هو أن نعرف أن قرار وطننا مستقل وليس في أي مكان خارج لبنان. وعندما يراد لنا أن ننتظر رأي الدول وقراراتها حول وطننا، لا يكون استقلالنا ناجزا. الاستقلال ينبع من قرار كل إنسان بإنتمائه إلى دولة مستقلة تمارس الحرية بحرية وبدون قيود. لا تستطيع أن تقول أنا حر عندما تكون عبدا لشهوات أولسياسة معينة أو لحزب أو تيار. باستطاعتكم الانتماء إلى أحزاب وتيارات ولكن من منطلق الشعور بالمسؤولية والحرية. نحن نختار ونؤمن ونلتزم.

وقال رزق مخاطبا الطلاب: “إياكم أن تلتزموا بأشخاص. بإمكانكم الاقتداء بهم وليس الالتزام بهم. ولا تكونوا عبيدا لأحد. نحن لسنا عبيد الله بل نحن أبناؤه. وعندما تسلمون بفكرة العبودية فذلك يعني أننا تخلينا عن أعظم عطية أعطانا الله إياها: ألحرية”.

وتابع:”لقد شبعنا خطابات وكلمات. نحن بحاجة إلى مواقف، وإلى عدم الوقوف أمام أبواب أحد للتسول من أية دولة. لبنان دولة غنية وهو من أغنى دول العالم، وثروته هي فوق الأرض وتحتها: فوق الأرض يعني الطلاب والشعب. ألثروة الحقيقية هي الإنسان والإنسان هو الرأسمال”.

اضاف:”يجب أن نعيش الاستقلال كل يوم وأن نعمل من أجله كل يوم ومن أجل حمايته والمحافظة عليه، والكف عن القول إن الحق على الدولة الفلانية لأنها أخذت استقلالنا منا. هناك من حضارته هي حضارة الغزو وهذه ليست حضارتنا. نحن في مجتمع يصر على أن يكون حضاريا ولا نمارس على غيرنا ما نرفض أن يمارسه الآخر علينا، ولا نقبل أن يمارسه أحد علينا. يجب ألا يستبيحنا أحد، لا فكريا ولا ثقافيا ولا أخلاقيا ولا إنسانيا. ولا بد لي في ختام اللقاء أن أحيي دير الناصرة ومدرسته وراهباته”.

وردا على سؤال حول توصيفه الاستقلال بطريقة مثالية، في حين أنه لم يعد هناك دولة مستقلة في عصر العولمة، قال رزق: “ألعولمة حولت العالم كله إلى قرية كونية، كما أن وسائل الاتصال والتواصل تلعب دورا كبيرا في هذه العولمة. الاستقلال الذي أتحدث عنه والذي أريده، ليس انغلاقا على العالم وليس انفصالا عنه، وإنما الاستقلال الحقيقي هو أن يكون القرار بيدنا وفي وطننا وألا نكون تابعين لأحد. يتأثر الناس بعضهم ببعض، ونحن ذات يوم أثرنا في العالم كله”.

وتابع: “الاستقلال الذي نريده هو ألا تكون القرارات الحيوية والمصيرية في بناء الدولة، بيد أحد إلا أبناء الدولة، خصوصا ألا تكون صادرة عن شعور بالدونية. طبعا ليست لدينا في لبنان قدرة روسيا ولا قدرة الولايات المتحدة ولا قدرة الاتحاد الأوروبي،ولكن ما يميز لبنان عن هذه الدول ليس قوة العضلات ولا الثروات، بل مقدار العطاءات الإنسانية. لا تستصغروا لبنان بمساحته الصغيرة وبعدم امتلاكه قوة عسكرية كافية للدفاع عن نفسه. نحن مع لبنان الذي يستعد في كل لحظة، ليدفع ثمن حريته، كما فعل خلال مئات السنين التي كان فيها مهددا. وللذين يظنون أن قوة السلاح هي التي تحميهم وليس قوة الفكر والثقافة أقول: إنكم على خطأ. نحن لسنا أهل ذمة، ويجب أن يبقى رأسنا مرفوعا حتى لو دفعنا حياتنا ثمنا لذلك. ولكم أقول يا أبناء سيدة الناصرة وبناتها: لا تتنازلوا عن قيم الحياة الحقيقية وعن الحرية والاستقلال. ولبنان سيبقى بألف خير ما دام هناك مدارس مثل مدرسة سيدة الناصرة”.

المصدر:
الوكالة الوطنية للإعلام

خبر عاجل