
.jpg)
.jpg)
كتبت فيرا بو منصف في “المسيرة” – العدد 1638:
«وصيتي أن تُنقل رفاتي الى أرز الرب في جاج قرب كنيسة الرب»
طوني نصر 17/2/1990
قبل هذا التاريخ بأيام قليلة وصلت بيت العائلة في فرن الشباك الرسالة التالية:
«الى ست ألما، أنا بصحة جيدة لا تخافي عليي… مشغول بالي كتيرعليكي خاصة إنو ما في مي ولا خبز، إذا فيكن تجو مع ميشال بقدر أمنلكم غرفة بالدير قريب مني. انتبهوا ع حالكن وسلميلي ع الجيران. ابنك طوني»… ومذ ذاك التاريخ لم ترَ الست ألما ابنها إلا هائما في قلبها على بساط وطن…
لم يعرفوا أنه كان ضابطا في فرقة الصدم إلا بعد استشهاده. لم يعرفوا أخبار بطولاته وعناده في الحق وخوفه على رفاقه إلا بعد استشهاده. وهو في الحياة، كان الابن والأخ القوي الصامت الحنون المؤمن الراقي الحلو الوجه والقلب، وما بعد الحياة اكتشفوا طوني آخر، أكثر جمالا بعد بكثير، أكثر حنانا وقوة وتعلقا بأهداب هذه الأرض.
ابن جوزف وألما نصر، جميل اسم الوالدة، مختلف، وشائع جدا اسم الوالد، يوسف بالأساس، ذاك اليوسف «بو يسوع» الذي ربي على حضنه الطفل الإله وكان المربي القديس الفاضل الصامت، كان يحب طوني سيرة العائلة المقدسة وللقداسة وج آخر غير الأعجوبة، النضال لأجل قداسة الأرض وبقائها وعنفوانها. كانت عائلة مسيحية متكاملة، شابان وصبية وأب مناضل في الكتائب اللبنانية، وناشط في قطاع العمال ومحرر في جريدة «العمل» وصاحب مجلة «لبنان العامل»، وأم ناشطة اجتماعيا ودينيا، تمد يد العون لزوجها في كل الاتجاهات، لكن لم يشأ القدر أن يترك الصورة على جمالها، ففجع العائلة بموت الأب باكرا جدا وهو بعد في الرابعة والخمسين من عمره، وكان العام 1983.
قبل موت الأب بسنة، وقبل استشهاد البشير بأسبوع واحد، التحق طوني في دورة للتجنيد الإجباري كانت أعلنتها «القوات اللبنانية»، ماتت جدة طوني فجاء البشير لتقديم واجب العزاء فتقدمت منه أمه وسألته: «شو رح تعملوا يا شيخ بالولاد اللي أخدتوهن ع التجنيد الإجباري؟» فاستغرب الباش سؤالها مستفسرا عن السبب فأخبرته ان «إبني عندك وبعدو ما وصل للـ 19 سنة»، ابتسم البشير، عرف ان طوني كما كثر من رفاقه، ما عاد بإمكانهم انتظار الزمن ليدافعوا عن لبنان، فسبقوا الوقت وذهبوا ليصنعوه عند الجبهات…
مات الأب فصار الإبن البكر هو المعيل، ومع حياة الثكنات التحق بكلية الحقوق في الجامعة اليسوعية، مع رفيق الطفولة والدراسة بيار بو عاصي، الوزير، ورفيقه الآخر ذاك الشهيد سليم معيكي، وفي الوقت ذاته أكمل دوراته العسكرية وتخرّج ضابطا في الطوبوغرافيا. «ما فيي شيلو من راسي كان قديس» يقول عنه بو عاصي الذي ما زال حتى اللحظة يغلبه التأثر كلما تحدث عنه أو عن رفيقه الشهيد سليم معيكي.
لما استشهد البشير عرف ان لبنان سيعود الى بداية البداية في مواجهته للاحتلالات، «لولا المقاومة ما كان صمد المجتمع المسيحي» كان يردد أمام أهله، «مجبورين نضحّي وما ننطر حدن يضحّي عنا» يقول لأخيه وأمه وأخته في لحظات اللقاء الجميل المختصر حين كان يأتي البيت للاطمئنان عليهم، ويهدي أخوته الكتب ليعتادوا على القراءة والثقافة.
ابن قضاء جزين وتلك القرية الصغيرة صبّاح، ما اعتبر يوما ان تلك البقعة الجغرافية هي وحدها موطنه، وطنه حيث الأرض تنده على أبنائها للدفاع عنها، وكل شبر من لبنانه هي كل لبنان. الصامت الهادئ الكتوم، ما كان ليقبل أن يأتي بيته في فرن الشباك وهو يحمل سلاحا ظاهرا أو عتادا، يتركها في السيارة ويدخل المبنى ويلقي التحيات على جميع من فيه، وخصوصا من كانوا يختلفون عنه في الرأي السياسي «ما كان يقبل إنو نتحدى حدن أو يجرح حدن بالنقاش معو، وما يحكي أفكار شعبوية فارغة، بيحكي بالعقل والمنطق ودايما إيمان مش طبيعي بالقضية، وعندو كاريزما وقدرة قوية على الإقناع» يقول أخوه جورج.
قديس المقاومة!! كيف يمكن لشاب في مقتبل العمر أن يحمل لقبا مماثلا؟! كيف يمكن أن يجتمع الأضداد، القداسة والقتال؟! هذه كانت الخلطة النادرة التي اعتنقها المقاومون منذ فجر مقاومتهم، ليست البواريد هنا للقتل إنما للدفاع عن الأرض، لصد المعتدي والطامع والعميل، وهذه قمة القداسة لأجل الحب، كان قريبا جدا من ذاك التوصيف، إذ لا يقبل بالخطأ ولا يسكت عنه، لا يجرح ولا يستفز، يقاوم بصلابة مخيفة، واسألوا عنه بوعاصي وكل الرفاق الأحياء بعد، قارئ نهم لكل أنواع الكتب وخصوصا الدينية وتاريخ المسيحيين كما تاريخ الشعوب، رفيق القضية كان عاشقا للموسيقى، يعزف بالبندقية على أوتار الأرض كي لا تعطش للكرامة، ويعزف على الغيتار وغيره من الآلات الموسيقية ومن دون دراسة ليدخل في عالم الثقافة والفنون.
لما التحق بالدورة الثالثة كادرات، كان سبقه بو عاصي وأصبح مسؤولا عنه تراتبيا، ومع ذلك لم يتذمّر بل التزم الأوامر حتى النهاية معتبرا ان الجندي ينفذ أوامر قائده بغض النظر عن أي تفصيل آخر.
ولما حلّ العام 1990 وكانت تلك الحرب المدمرة، علم ان شيئا ما يقرع مصيره، قبل ان يذهب الى آخر معاركه كتب وصيته ووضعها في جيبه وحمل معه كتاب «الاقتداء بالمسيح»، بقي الكتاب عند آخر صفحة قرأها كانت تحت عنوان «في فقدان كل تعزية»، حيث يتحدث الكاتب عن مواجهة حزن الفراق، وداخل الصفحة وضع ورقة صغيرة مكتوب عليها بخط يده قصيدة يحكي فيها عن الموت وانتهاء الأزمان! غريب، غريب كيف يكتب الشهيد آخر سطوره أحيانا بنفسه وكأنه يعلم أنه لن يعود، وان عليه أن يترك العلامات على معرفته المسبقة برحيله، فعلها طوني الذي كان أصيب بحزن بالغ حين استشهد أمام عينيه صديق عمره طارق جريس الخوري.
قبل استشهاده بيوم واحد، وكان أهله في فرن الشباك وهو في ثكنة أدما، أرسل لأمه رسالته الأخيرة طالبا منها المجيء الى كسروان «ومن بعد هالرسالة وصلنا خبر إنو خالتي مصابة، جينا تـ نشوف خالتي على أساس، لكن كل الوقت كانت الوالدة عم تقلي هيدا طوني ومش خالتك، ولما وصلنا أخبرني أحد رفاقه سرا ان طوني استشهد» والمفارقة ان في لحظة إعلان الخبر الصاعق عرفت العائلة ان طوني كان من ضمن فرقة الصدم واستشهد في معركة أدما، واكتشفوا الوصية التي طلب فيها ان يدفن تحت أرز جاج.
نام الشهيد موقتا قرب مئات الرفاق في ميفوق، وكانت الحرب ما انتهت بعد وكل شيء ينذر بأسوأ الأيام على لبنان. انتقلت العائلة الى مغدوشة، واحترق بيت فرن الشباك. انتهت الحرب، دخلت البلاد في الاحتلال السوري الكامل المطلق وعلى أراضيها كافة، صار الحزن أكبر على شهيد ما رحل إلا لتبقى الأرض لناسها وما حصل، عادت العائلة لتنفيذ الوصية. صعد أخ الشهيد الى غابة الأرز في جاج، ما تمكن من الوصول إلا بصعوبة بالغة، أرض وعرة ولا طريق، سُدت الطرق في وجه الوصية، فنصحه كاهن الرعية ان يكتفي بإقامة نصب تذكاري له في المكان، وهذا ما حصل، ونقلت حجارة النصب والبلاطة على ظهر الحمير، ووضعوا له هناك على قمة الأرزات مزارا صغيرا وبلاطة تحمل اسم من أحب الأرز حتى الاستشهاد، لكن، ونتيجة الاحتلال العابث بكل الكرامات، أزيل النصب وحُطم المزار وقررت العائلة لاحقا، ان تعيد رفات الشهيد الى حيث يجب أن تكون، الى قريته صبّاح حيث استكانت في مدفن خاص للعائلة.
هل مات طوني نصر فعلا؟ «استشهاد خيي أدخلني بسلام داخلي غريب لأنني شعرت بمدى حضوره في القضية والمقاومة، ووضحت عندي الأمور أكتر بالإشيا اللي تركها، جعلني أجد السلام بيني وبين حالي من خلاله فتقبلت بصعوبة أقل غيابو لأن اكتشفت إنو هيدي قضيتو الفعلية اللي دافع عنها لأجلنا كلنا وكل يوم بسمع جديد عن أخبارو اللي ما عم تخلص، وكل يوم بكتشف إنو هوي من أروع الناس والمناضلين بالقوات اللبنانية» يقول جورج بتأثر كبير، لتعود الست ألما وتخبرني لاحقا بأن عيد ميلاد طوني هو يوم ذكرى الاستقلال، وان الشهيد ابن الثالثة والعشرين لن يصبح يوما ذكرى، بل هو حياة تعيشها حتى اللحظة ويعيشها الوطن والمقاومة وأهل البيت والرفاق، وان الحياة لا تكتمل إلا بوجود من استشهدوا لنبقى في الكرامة وليبقى لنا وطن وكيان وإنسان ولنبقى نحن في عمق إنسانيتنا.
هذه وصية طوني جوزف ألما نصر، أليس كذلك ست ألما؟…
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]
