
لم يكن لإيران أي نفوذ في لبنان سنة 1982، فطلبت من سفيرها في دمشق علي أكبر محتشمي بور، وكان رجلاً دينياً متطرفاً، ان يساعدها في ذلك بفتح فرع لها في لبنان لما يُسمى “حزب الله الايراني”، وبعد لقاءات متعددة في لبنان نجح السفير في ذلك، وكان بيان إنشاء الفرع يتعهد بــ “خلق جمهورية إسلامية في لبنان”، ولتحقيق هذا الهدف تدفق على لبنان مئات من رجال الدين الإيرانيين ومعهم كثير من المثقفين السياسيين والحرس الثوري الإسلامي.
في ذلك الوقت كانت في لبنان جماعات شيعية متطرفة وجماعات ماركسية فاتحدت هذه الفئات وأنشأت حزباً تحت اسم “حزب الله “، أمده عملاء ايران بالمال والسلاح وبنوا ميليشيا عسكرية مسلحة فأصبح “الحزب دولة داخل الدولة اللبنانية” فقد امتلك بنكاً ومجموعة من الفنادق وسلسلة من الأسواق المركزية وشركات سيارات النقل والأجرة، ومحطة تلفزيونية ومحطات إذاعة، وصحفا ومجلات، وعاش في لبنان آلاف الإيرانيين المحسوبين على النظام الإيراني.
وفي عام 2005 تورط الحزب في اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري بشهادة مُحكمين دوليين، وفي صيف 2006 تحرش بإسرائيل فقامت بتوجيه ضربات عسكرية دمرت الاقتصاد اللبناني، وألحقت به خسائر بشرية ومادية تُقدر بمليارات الدولارات، وهنا يؤخذ عن زعيمه حسن نصرالله قوله بما معناه لو نعلم تلك الخسائر ما جازفنا بشن هذه الحرب، وتوغلت عناصر الحزب داخل مؤسسات الدولة اللبنانية وتبوأت مراكز مهمة، واحتل مقاعد في البرلمان اللبناني، وكان يعطل التشكيل الوزاري، وساهم في تأخير اختيار رئيس الجمهورية اللبنانية لدرجة ان لبنان عاش من دون رئيس منذ مايو 2014 لفترة أكثر من سنتين.
لما حدثت الحرب الأهلية السورية دخل الحزب حليفاً لنظام الأسد ضد إرادة الشعب السوري، وظهر نفـاق زعيمـه حسن نصر الله وتقلبت مواقفه عندما رفض حق السوريين في تقرير مصيرهم، بينما يؤيد الفلسطينيين في تقرير مصيرهم، وأشعـل نار الفـتنـة بين الشيعة والسّنة في طرابلس اللبنانية في منطقتين هما جبل محسن فيه علويون وباب التبانة وأغلبيته من السّنة، أسفرت عن مقتل وجرح بعض اللبنانيين، وتدهور الوضع في بيروت، أليس هذا أسلوب الخائـن لبلده؟
تصرفات هذا العميل الذي فتح ذراعيه لإيران حتى تتدخل في الشأن اللبناني جعلت أي مواطن لبناني لا يأمن على حياته من تفجير هنا أو هناك في ضواحي بيروت، وعندما نفذ القضاء السعودي حكم الإعدام بحق مواطن سعودي هدد أمن السعودية وهو نمر النمر، ثارت إيران محتجةً على ذلك واقتحم إيرانيون مبنى السفارة السعودية وقنصليتها لدى إيران بشكل همجي وأشعلوا الحرائق فيهما، وبالطبع فقد ثار الإمعـة حسن نصر الله فهاجم الحملة العسكرية السعودية في اليمن وإعدام الشيخ الشيعي نمر النمر، وفي اجتماعيّ جامعة الدول العربية ومؤتمر منظمة التعاون الإسلامي لم نجد لبنان يدين الاعتداءات السافرة على سفارة المملكة وقنصليتها لدى ايران، فاعتبرت السعودية ان القرار اللبناني بات مخطوفاً كما يبدو من هيمنة الحزب ومصادرته لإرادة الدولة اللبنانية.
وإذا كانت يد هذا الحزب قد امتدت الى غرب افريقيا لضرب المنشآت الأميركية وحلفائها في بلد مثل نيجيريا، فهل يُعقل ألا تكون له أيادٍ خبيثـة تعمل سراً في دول الخليج لتهديد أمنها واستقرارها؟
لقد كانت دول الخليج مُحقة في وصف هذا المعتوه وحزبه بأنه تنظيم إرهابي يستحق إدراجه في قائمة المتهمين المطلوبين للعدالة، فمن يمسك السلاح ويُطلق دوي التفجيرات في ضواحي بيروت فيسقط معها مدنيون أبرياء ما هو إلا معـتوه وخـائن لوطــنه.
ان تقديم سعد الحريري رئيس الحكومة اللبنانية استقالته وتصريحاته العلنية ضد ايران تهيئ الفرصة لإنقاذ لبنان قبل ان تسيطر عليه ايران و”حزب الله” سيطرة تامة، ولنا تجربة سابقة في إنقاذ لبنان، فبعد اغتيال رئيس الحكومة رفيق الحريري سنة 2005 ظهر تحالف دولي مكون من السعودية وفرنسا واميركا وبدعم من الأمم المتحدة يضغط على سوريا التي اضطرت الى سحب قواتها من لبنان، يمكن فعل الشيء ذاته بحيث تُبذل الجهود الديبلوماسية الدولية لاتخاذ موقف يدعو ايران الى سحب قواتها بما فيها الحرس الثوري من البلاد، وان يلتزم حزب الله بتعليمات الحكومة اللبنانية، فإذا رفض الرئيس اللبناني (المحابي للحزب) ذلك فهذا معناه الخضوع والتذلل لايران وأعوانها.