جنيف 8…”تريث” و”غرباء” وغرق في وحول المنطقة

حجم الخط

تنعقد الجولة الثامنة من مؤتمر جنيف لبحث الازمة السورية بين مكونات المعارضة والنظام برعاية الأمم المتحدة وممثلين عن الدول  العشرين المشاركة مع مجلس الامن في هذه المحادثات، بعد سلسلة اجتماعات مكثفة عقدت في الأيام الماضية بين رؤساء دول ومبعوثين دوليين والمعارضة.

لا إشكالية في العناوين المطروحة في جنيف على الأقل حالياً (الدستور والانتخابات وورقة مبادئ عمل حول مستقبل البلاد)، على الأقل لجهة التباحث فيها، باعتبارها ممراً وتحضيراً إجبارياً للسلام الموعود في بلد شرذمته الحرب الداخلية والتدخلات الخارجية، هذا ما اظهرته مواقف الدول المعنية بالازمة وخصوصاً تلك الموجودة ميدانياً على كافة الأراضي السورية باعتبارها الأمم المتحدة وجنيف مرجعية لحل الازمة. ورغم عدم ظهور اعتراضات علنية لهذه الدول والأطراف فان نتائج اللقاءات والاجتماعات لا توحي بخروج مؤتمر جنيف باكثر من نقاط مبادئ او تقدم طفيف في مسار من المسارات المتحكمة بالازمة، بحكم الاختلاف القائم على مواضيع عدة أهمها مصير او دور الرئيس السوري بشار الأسد. وهوية القوى او “الغرباء” الذين يطالب الأطراف برحيلهم عن الأراضي السورية.

فالمعارضون الذين التقوا في الرياض الأسبوع الماضي وشكلوا “الهيئة العليا للمفاوضات” برئاسة نصري الحريري اشترطوا في بيانهم الصادر عنهم البدء بالمرحلة الانتقالية برعاية الأمم المتحدة من دون بشار الأسد، رغم استطراد المتحدثة باسمهم انهم ذاهبون الى جنيف من دون شروط (بعد تحفظ وفد المنصة الروسية في المعارضة على هذا الشرط). وهذا ما أكده رئيس الوفد نصري الحريري لاحقاً حين قال انه ذاهب الى جنيف “لبحث كل شيء” في موقف قال مراقبون انه يلاقي موقف بوتين بعد لقائه الشهير مع الأسد، مدة اربع ساعات، حين دعا الكل وأيضاً النظام لتقديم تنازلات. اذاً هناك “تريث” في ما ستسفر عنه محادثات جنيف حول هذه المسألة.

اما السجال حول “هوية” الغرباء على الأراضي السورية فهو يشتد منذ ما قبل ان تلوح نهاية العمليات العسكرية. فلطالما اشتكى السوريون في المجالس المحلية التي دعا اليها الروس في مناطق وقف اطلاق النار وفي مناطق خفض التصعيد من استحالة الاتفاق فيما بينهم وعودة الهدوء الى مناطقهم في ظل وجود غرباء فيها، في إشارة واضحة الى الميليشيات الإيرانية وتحديداً “حزب الله”، باعتبار ان هذه المناطق تخضع لقوى النظام في دمشق. والتفسيرات التي اطلقها الاميركيون والروس عقب اتفاق الرئيسين دونالد ترامب وبوتين على ضرورة خروج الغرباء من سوريا خير دليل على الخلاف العميق حول تحديد من هم هؤلاء الغرباء. ففيما اعتبرت الإدارة الأميركية ان الغرباء المعنيون بالاتفاق هم ايران وحلفاؤها، قالت موسكو، بعد صمت دام يومين وفي موقف اغضب البيت الابيض، انه يعني مسلحي “داعش” الذين أتوا للمحاربة في سوريا من مختلف انحاء العالم. الرئيس روحاني تلقف الموقف الروسي وندد بعد قمة سوتشي التي جمعته ببوتين واردوغان بوجود “قوات اجنبية” في سوريا (غير إيرانية طبعاً) في وقت أعلن مسؤولون اميركيون عن وجود اكثر من الفي جندي أميركي على الأراضي السورية. بيان المعارضة من الرياض شجب أيضاً دور ايران في “زعزعة الاستقرار بالمنطقة” وطالبها بمغادرة سوريا مع حلفائها، واتاه الرد سريعاً من قائد الحرس الثوري محمد علي جعفري الذي دعا سوريا “للاعتراف بقانونية وشرعية قوات الدفاع الوطني الرديفة” وابدى استعداد الحرس الثوري للعب “دور فعال” في تطبيق وقف اطلاق النار وإعادة اعمار سوريا.

في خضم هذه المعمعة تحاول موسكو لملمة الأوضاع والامساك بكل الأوراق وارضاء كل الافرقاء، فهي تحاول عدم اثارة عداوة واشنطن. وتقول انها نسقت مع الرياض (التي تحشد تحالفا إسلاميا ضد الإرهاب وطهران) لتوحيد وفد المعارضة، وانها رعت مع تركيا (القلقة من الاكراد) وايران محادثات آستانة وانشاء مناطق خفض التصعيد، وتحضر لمؤتمر الحوار السوري (مؤتمر شعوب سوريا) في موسكو…. فماذا يمكن ان توفر محادثات جنيف في ظل هذا التشابك سوى غطاءا دوليا لهذا الواقع؟  ومن من هؤلاء الغرباء مستعد ليخلي سوريا أولاً وسط تشابك دولي واقليمي على نار حامية؟ انها ازمة مستعصية وطويلة على مصالح الدول نفسها. انه “التريث” والغرق البطيء والمستمر في وحول ومستنقعات الشرق الأوسط.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل