


كتب سيمون سمعان في “المسيرة” – العدد 1638:
حمّل البيان الختامي لاجتماع وزراء الخارجية العرب في القاهرة، «حزب الله» مسؤولية دعم الجماعات الإرهابية في الدول العربية. وأسس لفرض مزيد من العقوبات المالية عليه لتقييد حركته، كون أية عقوبات ميدانية ومنها العسكرية ستعرّض الإقتصاد اللبناني الهش لخطر السقوط. هذا التوجه كان تجلّى أصلا في تشديد قانون «باتريوت» الأميركي العقوبات المالية على الحزب، المعتبر «منظمة إرهابية». والبارز في هذا الإطار تلاقي الإستراتيجية الأميركية مع الرفض العربي لـ«تهديد «حزب الله» أمن واستقرار البلدان العربية»، ما استوجب تجفيف مصادر تمويله للحد من حركته، وكبديل عن عمل عسكري غير مستوفي الظروف.
فكيف سيواجه «حزب الله» التضييق الخانق للكماشة العربية والدولية على عنقه؟ وهل وسائل تمويله هي حقا تحت مرمى العقوبات؟ وإذا كانت كذلك فما هي البدائل؟ يقول ديبلوماسي عربي في بيروت، «بما أن تدخل «حزب الله» في شؤون الدول العربية هدّد الإستقرار فيها وخرق أمنها وسياداتها، فهذا يعني أنه يجب فعل أي شيء لمنعه من متابعة مشروعه التوسعي لصالح المشروع الأكبر للجمهورية الإسلامية في إيران، وتعطيل تلك الأدوات التي تهدد أمن المنطقة. وبما أن العمل العسكري، في رأي الديبلوماسي المذكور، «غير متاح أو غير مطروح في المدى المنظور، لأسباب مختلفة، فلا يبقى أمام المجموعة العربية وخصوصا الدول المعتدى على أمنها، إلا سلوك طريق تشديد العقوبات المالية عليه لضرب العمود الفقري لنشاطه في الإقليم، ولإضعاف قدرته على الحركة والتخريب».
من هنا، يتابع الديبلوماسي العربي: «سيواجه «حزب الله» في الأسابيع المقبلة تضييقا غير مسبوق على مصادر تمويله، بالتوازي مع العقوبات التي فرضها قانون باتريوت الذي أقره مؤخرا الكونغرس الأميركي. ولا يعتقدنّ أحد أن هذه العقوبات ستكون شكلية، لأنها في حال كانت كذلك أو لم تعطِ النتيجة المتوخاة منها، فلا مفر عندها من عمل عسكري، لا أملك تصورا له الآن، ولكن لا يمكن أن يستمر الوضع على ما هو عليه حاضراً. وإن ما يجعل الدول المتضررة تتوخى الحذر في أية خطوة ستقدم عليها في هذا المجال، هو عدم تعريض الوضع اللبناني المضطرب للمزيد من التصدعات أو أخذ جهات وقطاعات غير معنية، بجريرة المتطاولين على الدولة اللبنانية نفسها، قبل الدول العربية الأخرى».
أموال وأعمال
كشف تقرير مفصّل نشرته «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، الأميركية، حجم ومصادر تمويل «حزب الله». ولحظ التقرير «ارتفاع ميزانية الحزب من 100 مليون دولار في العام 1990 إلى حوالى مليار دولار في كلٍّ من عامي 2016 و2017. وقال إن الجمهورية الإسلامية في إيران تكفلت بـ80 في المئة منها». وقسّم التقرير مصادر التمويل إلى تمويل دولي عبر مجموعة دول عربية وأجنبية، وتمويل فردي عبر مجموعة من المستثمرين ورجال الأعمال والسياسيين، المقيمين في الغالب، في أفريقيا وأميركا الجنوبية والشرق الأوسط.
هذه الزيادة الكبيرة في المبالغ المرصودة لـ»حزب الله»، تفسر، بنظر المراقبين، أمرين: الأول هو التوسع الفعلي في حركة الحزب خارج الإطار الجغرافي الضيق ضمن الحدود اللبنانية، وخوضه ممارسات تتطلب منه إنفاقا كبيرا أكدته الأرقام العالية المسجلة على هذا الصعيد. والثاني هو أن أي حصار مالي حقيقي عليه، سيكون كفيلا بردعه عن مواصلة أعماله التخريبية الميدانية والأمنية في أكثر من بلد عربي.
ويتابع هؤلاء أن هذا الخيار يبقى الأفضل لدى المجموعة العربية، كونها تلاقي بذلك قرار الإدارة الأميركية تجفيف مصادر تمويل الإرهاب، وتتجنّب تعريض لبنان لأية أزمة قد لا تحتمل تركيبته الهشة وظروفه الحالية التصدي لها أو الخروج منها. وعند سؤال مسؤول معني عن الآليات التنفيذية لهكذا قرارات خصوصا أن قنوات تمويل «حزب الله» خاصة وغير منظورة، أجاب: «الآليات لن تكون معلنة بطبيعة الحال حتى لا تفقد جدواها، وأصلا أنا غير مطلع عليها، لكن يمكنني الجزم بأنها ستحقق إطباقا محكما على الأوردة الرئيسية المغذية لأنشطة الحزب بما يلجمه بنسبة كبيرة عن مواصلة أعماله خارج الأراضي اللبنانية. وبالتالي يعتقد أصحاب القرار، بأن مجرد اضطرار الحزب إلى الإنكفاء ولو خطوة واحدة إلى الوراء، كفيل بوضعه في منتصف المنحدر باتجاه انتهاء نشاطه كتنظيم أمني وعسكري».
إحتمالات قابلة للتعديل
في موازاة ذلك كيف سيتصرف «حزب الله» وكيف سيواجه هذه الإجراءات؟ هل بالإنكفاء الطوعي التكتيكي لتمرير العاصفة كما يتوقع البعض، أم بزيادة مناعة وسائل التمويل الحالية أو بابتكار وسائل أخرى تكون كفيلة بتأمين التمويل المطلوب، وإعلان النصر على كل القرارات العربية والدولية؟
في المجمل يتم تمويل «حزب الله» عبر قنوات خاصة وليس عبر النظام المصرفي اللبناني. وهذا ما يجعل مسألة التضييق عليه أكثر صعوبة. يقول مصرفي لبناني: «حزب الله محتاط منذ أعوام لمسائل العقوبات المالية عليه، وهو لا يعتمد النظام المصرفي اللبناني لتوفير الأموال المطلوبة بل وسائل خاصة وشخصية جدا، وهذا ما يخفف من قدرة السيطرة على هذه الحركة والحد منها. لكن من دون شك يمكن للعقوبات أن تحد منها بعض الشيء. أما ما يمكنني الجزم به فهو أن المصارف اللبنانية محتاطة هي الأخرى لمثل هذه الإجراءات، والثقة الدولية بها كبيرة».
الأمين العام لإتحاد المصارف العربية وسام فتّوح أوضح لـ«المسيرة» أن القانون الأميركي بدأ تطبيقه منذ حوالى العام، مؤكدا أن «المصارف اللبنانية لا تتعامل مع من وردت أسماؤهم على لائحة العقوبات الأميركية، وأن هناك أسماء جديدة ستضاف إلى اللائحة. وسيتم تضييق الخناق أكثر على التحويلات من خارج لبنان. وما أريد التوضيح بشأنه هو أن العقوبات هي على جهات وأشخاص وليست على المصارف، إلا في حال خالف أحدها القانون فإنه سيعاقب. ولكن هذا الإعفاء من أية عقوبات لا يعفيها من الإرباك خصوصا في حال وضع توجه عام من دون تحديد أسماء، ما يجعل التدقيق والتأكد من أية معاملة متروك على عاتق المصارف التي عليها أن تتجنب الوقوع في الخطأ تحت طائلة المسؤولية، علما أن المصارف اللبنانية باتت لها خبرة عالية في هذا المجال وتهمها مصلحتها أولاً، خصوصًا بعد تجربة البنك اللبناني الكندي مع القرارات الأميركية.
وعن أهمية العقوبات وفعاليتها ما دامت للحزب قنواته الخاصة، يقول فتّوح، إنه لسد هذه الثغرة لجأت الوحدات المعنية إلى مراقبة شركات تحويل الأموال وحتى التشديد على نقل الأموال عبر الحدود بحيث تحدد سقفه عند أرقام معيّنة.
بداية الحرب المفتوحة
يبدو واضحاً أن السلطات الأميركية قد بدأت تعتمد نهجاً أكثر تشدداً ضد «حزب الله» من خلال محاولة تجفيف مصادر تمويله وملاحقة قادته العسكريين والأمنيين. من جهة ثانية، تخوض السعودية معركتها مع إيران في العواصم العربية التي تقول طهران إنها تسطير عليها، إما مباشرة أو بالوكالة، كدمشق وبيروت وبغداد وصنعاء. وتتزامن حملة الخارجية الأميركية على «حزب الله» دعائياً وعملياً في مجلس الأمن، مع تكثيف السلطات المالية في الولايات المتحدة الضغط الاقتصادي على الحزب، عبر تضييق الخناق على مصادر تمويله المفترضة. خلف الضغط الأميركي تؤدي السعودية دوراً إقليمياً في حصار «حزب الله» عربياً عبر تصنيفه على قائمة «الإرهاب» في مجلس التعاون الخليجي وفي جامعة الدول العربية.
لكن معلوم أن «حزب الله» تمكن من تصميم شبكة إقتصاد تنطلق من لبنان وتكاد تشمل كل العالم. والأموال في غالبيتها تأتي من تجارة المخدرات وفوائد غسيل الاموال المجهولة المصدر التي تنقل من والى افغانستان وباكستان بواسطة شبكات المافيا الدولية وهي تستخدم ايران كمحطة ترانزيت لها، ومنها تحوّل الى «حزب الله».
ومع أن فتّوح ينفي أن تشكل مصارف «الأوفشور» قناة يمكن أن يستخدمها «حزب الله» لتمرير بعض التمويلات، إلا أن مصادر أخرى أشارت إلى معلومات تفيد بحصول ذلك عبر مقربين من النظام السوري ممن يمتلكون شركات «أوفشور» ومنها شركة «الشرق الأوسط للقانون»، التي يرد فيها اسم إيهاب مخلوف شقيق رامي مخلوف إبن خال الرئيس بشار الأسد، وهو أحد المدرجين على لوائح العقوبات الغربية. ورجل الأعمال السوري عمار الشريف، المدرج أيضاً على لوائح العقوبات. ومحمد عباس، وهو يملك في لبنان 5 شركات، على الرغم من إدراجه على لوائح العقوبات. وقد عملت تلك الشركات قبلا على تهريب أموال للنظام السوري عبر لبنان، وبالطريقة عينها تهريب أو تبييض أموال لصالح «حزب الله» كون نظامها يجعلها خارج المراقبة المشددة. لكن وثائق «بردايس بيبر» أو أوراق الجنّة التي تم تسريبها مؤخرا كشفت دور هذه الشركات في تبييض الأموال وأكدت أنها لا تزال تعمل في لبنان.
ويلفت المراقبون إلى أن هذه يمكن أن تشكل إحدى الوسائل التي يستخدمها الحزب للتفلّت من العقوبات. ويضيفون أنه إذا كان الأمين العام لـ»حزب الله» السيد حسن نصرالله قد أكّد مرارا دعم المسعى الرسمي لعزل الاقتصاد اللبناني عن تداعيات قانون العقوبات المالية الأميركية ضده، إلا أن المراقبين يتوقعون أن يدفعه الضغط المتزايد إلى التعامل بجدية كبيرة مع الكماشة العالمية والإقليمية التي تكاد تُطبق عليه، وهو ما أظهره الأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله في أكثر من خطاب له، محاولاً الربط بين وجود الحزب وبين الإستقرار في لبنان وفي المنطقة العربية ككل. ويعتبرون أن ذلك بمثابة تهديد للجم اندفاعة العقوبات ضده، وأخذ الإستقرار اللبناني رهينة لفك عزلته وتجنيب نفسه الحصار.
ويعتبر هؤلاء المراقبون بنتيجة ذلك أن الحزب قرر العمل على خطين لمواجهة العقوبات المتصاعدة: أولا التعويل على القنوات السرية للتمويل وتفعيلها، ومنها التهريب وتبييض الأموال والنقل المباشر لها، وثانيا الضغط الأمني والنفسي كالتهديد بهز الإستقرار لدفع الدول الحريصة على استقرار لبنان إلى المسارعة والتدخل لصالح ترتيب الوضع الذي يصب في النهاية لصالحه.
ويقول هؤلاء إن مصطلح «الدولة داخل الدولة» الذي بات يطلق على «حزب الله» لا يختص فقط بوصف الجانب الأمني والعسكري، ولكنه يصف بشكل خاص الممارسة الإقتصادية للحزب التي تخترق مرافق الدولة من المطار والمرفأ إلى مؤسساتها الحيوية الأخرى. ويعتبرون أن هذه ستبقى تشكل موردا مهما لتمويل الحزب من دون أن تتمكن العقوبات من لجمها خصوصا في ظل تغطية قوى لبنانية مؤثرة لهذا الوضع.
وإذا كان مشروع القانون الأميركي لتوسيع العقوبات على «حزب الله»، يتضمّن مجموعة من العقوبات الجديدة التي تهدف إلى معاقبة الحزب على ارتباطه بالإرهاب الدولي واستهداف نشاطه المالي المحلي، فثمّة من يعتبر أن هذا القانون قد لا يذهب بعيداً بما فيه الكفاية. ولكي يُقوّض صعود الحزب القوي بما ينسجم مع مصالح الولايات المتحدة، تقترح مجلة «فورين أفيرز» الأميركية، أن يدعو الكونغرس البيتَ الأبيض إلى اعتبار المناطق التي يسيطر عليها «حزب الله» كمناطق «محتملة لغسيل الأموال» بموجب المادة 311 من قانون باتريوت، والتصرف على أساس ذلك. وطبيعة المادة 311، التي تطرح المجلة تطبيقها، تجعل العقوبات أكثر فعالية من العقوبات المدرجة في مشروع القانون الحالي.
جرّة الحزب سلمت في مرّات عديدة سابقة، فهل تسلم هذه المرّة… اليوم بات الجميع في انتظار الجواب.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]