
أوروبا تعلمت درساً تاريخياً في الحياة لم يتعلمه العرب حتى اليوم، فقد عاشت أكثر من ألف سنة تمزقها حروب دينية وعرقية والعنف العنصري في المستعمرات، ومذابح ارتكبها الأوروبيون في شمال أميركا وجنوبها، ومع بداية الحرب العالمية الأولى سنة 1914 وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية في سنة 1945، أي في غضون 31 عاماً، قتل الأوروبيون 100 مليون إنسان، وبعد ان مات ملايين الناس فيها شعر الأوروبيون بأخطائهم الفادحة، وقررت أوروبا ”إتخـاذ طريق مختلف“، “طريق اللاعودة للماضي”، “لاعودة للتعصب الديني“، وإنما نحو مستقبلٍ أفضل .
لذلك وضعت أوروبا قانوناً يجرم استخدام لغة الكراهية، وقوانين أخرى تمنع تفاخر المرء بمعتقداته الدينية على الملأ أو يهيج مشاعر الآخرين، حتى لا ينزلق المجتمع نحو العنف الديني كما حدث لأوروبا فيما مضى، وذلك حتى يحتفظ البلد الأوروبي بالأمن والاستقرار.
لقد ذكرنا درساً أوروبياً مهماً للزعماء والقادة، وهو ان الدنمارك دخلت حروباً ضد السويد، وبمرور الوقت تبين للدنمارك فداحة الخسائر المادية والبشرية وأن أسلوبها العسكري والسياسي كان خطأ، وان الأفضل لها ان تتصالح مع السويد لكي يتحقق لمجتمعهما التطور والحياة، فبعد تلك الحروب المُدمرة اقتنع البلدان إن العلاقات بين الدول لاتُبنى على فكرة أو مبدأ “أنا أربح وأنت تخسر“، وإنما أن يؤخذ بالاعتبار مبدأ “أنا أربح وأنت تربح أيضاً“، وبالفعل فقد تغير البلدان الى الأفضل في إطار الاتحاد الأوروبي، وهذا يُذكرنا بأسلوب نيلسون مانديلا في جنوب أفريقيا فقد كان شديد البراعة في التفاوض، فمن رأيه ان المفاوضات تنجح عندما تحدث “تنازلات”، وان يعتقد كل طرف أنه ربح أكثر مما خسر، وأن نصف المعركة هو في إقناع الطرف الآخر بأن التنازلات هي في الواقع نصر أو مكسب لهذا الطرف، وكان يرى مانديلا أن في التفاوض لابد ان يضحي كل طرف ببعض مطالبه، و”أن تنتهي عملية التفاوض بحيث لا يكون هناك غالب ومهزوم“، تفاوض من شأنه ان يقول طرف ما لقد تنازلت عن أ و ب و ج ولكن حصلت على ص و ك و ع، عملية التنازلات هذه تؤلم جميع الأطراف بالطبع، لكن التفاوض يجب ان يقوم على قاعدة “إعط وخـذ“ وبالفعل فقد ساد السلام أوروبا وربح الجميع، كذلك ساد السلام جمهورية جنوب أفريقيا .
تمر بلدان المشرق العربي وإيران بالظروف نفسها التي مرت بها أوروبا وما جرى للدنمارك والسويد، فالسياسات الإيرانية بـثت روحاً مـتأهبة ومتعصبة للصراع مع دول المنطقة، تساعدها روسيا، ما اضطر دول أخرى الى الوقوف الى جانب السعودية، وأصبح كلا الجانبين في حالة نفسية لقتال الطرف الآخر، مع التصريح علانيةً بالعداء ضده .
وبإلقاء نظرة على منطقتنا نجد ان ايران تدخلت في الأوضاع الداخلية لأربع بلدان عربية وهو سلوك مرفوض عالمياً وضد القوانين الدولية، ولها تأثير في العراق وسورية ولبنان واليمن، ولم تقدم تنازلات سياسية، والنتيجة أدت الى تدمير ثلاثة بلدان عربية ومات الكثيرون أو فقدوا ممتلكاتهم فطال أمد الصراع، ولاتفكر إيران بالتفاوض السياسي فهي تعتقد أنها على صواب والآخرون على خطأ .
يقول ديفيد روثكوف، العالِم السياسي وأستاذ العلاقات الدولية بكلية “جونز هوبكنز” في اميركا “ لقد أصبح الشرق الأوسط بقطبين في حال عداء شديد والمجتمع الدولي ليس له دور بناء، ولايتخذ الديبلوماسية سبيلاً لتحقيق الاستقرار بالمنطقة، ولاأحد يأتي بمبادرات سياسية وإنسانية واقتصادية لعلاج الوضع الخطير، يجب على الدول العربية المعتدلة كدول الخليج ان تبادر الى أن تكون دولاً تصنع السلام والاستقرار حتى لاتكون خريطة الشرق الأوسط المقبلة مكتوبة بالدماء”.
ليت المسؤولون الخليجيون والعرب يأخذون بالدرس الأوروبي الذي ذكرناه وبطريقة التفاوض من خلال التنازلات حتى تعيش دول المنطقة حالة الأمن والسلام لتتغير حالتها الى الأفضل، حتى لانعيش دائماً في حالة حروب وكراهية مع تدمير البلدان وثروات المنطقة وضياع مستقبل الشعوب وأبنائها، إنه ليس موقف الضعيف وإنما موقف العاقل .