
تقارب اكثر من جهة سياسية احتمال تنفيذ “حزب الله” انسحابا لبعض عناصره من سوريا في اطار الاحتمالات التي يمكن ان تفتح الباب جديا امام معالجة لموضوع النأي بالنفس على قاعدة انه المؤشر الابرز في ضوء اعلان الامين العام للحزب السيد حسن نصرالله في وقت سابق الاستعداد للانسحاب من العراق بعد الانتهاء من تنظيم “داعش” كما قال، وفي ظل نفيه وجود عناصر الحزب في اليمن. وهذه المقاربة تثيرها جهات في قوى 8 آذار على أنها ستشكل بدورها مؤشرا للثقة بأن الرئيس السوري بشار الاسد استعاد السيطرة كما يقال على غالبية المناطق السورية التي كان خسرها، في حين أن استمرار عناصر الحزب وسائر الميليشيات الايرانية يعني فعلا لا قولا ان استعادة الاسد السيطرة هو اقرب الى الوهم منه الى الحقيقة، وهو امر لا يمكن بيعه لا لجهة اعادة النازحين مثلا ولا لجهة امكان المطالبة باعادة العلاقات مع النظام، في ظل استمرار ضمان بقاء الميليشيات الداعمة لجيشه، علما ان هذا الامر قد لا يكون مشكلة فعلية للنظام على الارجح، بعدما بات مدينا للآخرين ببقائه، لكن هذا الامر يثقل عليه في ظل السيادة التي يرفعها في وجه التفاوض المحتمل مع المعارضة. وفيما يتردد ان مضمون استقالة الرئيس الحريري حفزها تدخل الحزب في مناطق أخرى غير سوريا، كاليمن. وتفيد معلومات عن مخيمات تدريب للحوثيين في لبنان ومدهم بالخبراء في ادارة المعارك واستخدام الاسلحة، وإن الاتصالات التي تجرى حول الامر تتعدى ما يبدو تبسيطا داخليا مبالغا فيه لسبل تعويم حكومة الرئيس الحريري او عودته عن استقالته. فرئيس الحكومة لم يخف في حديث صحافي بث على أثر الخلاصة التفاؤلية التي انتهت اليها المشاورات في قصر بعبدا انه يود البقاء في رئاسة الحكومة، لكنه سيستقيل في حال لم يتم التجاوب فعلا مع مطالبه، لانه لا يستطيع ان يتحمل حزبا في حكومته يقوم بالتدخل في شؤون دول عربية ضد الدول العربية الاخرى كما قال. وهذا الكلام عكس تصويبا لكل ما روج عن ان الاستقالة باتت من الماضي ولم تعد مطروحة، وان هناك بحثا في الاخراج ليس الا في ظل تجاهل كلي لتأكيد الحريري اكثر من مرة انه يريد مبدأ النأي بالنفس فعلا لا قولا، او في ظل السعي الى التأكيد ان الاستقالة حصلت تحت الضغط وان المخرج سهل في اعادة تأكيد مضمون البيان الوزاري وما الى ذلك. فالبلد لا يمكن ان يعيش في العاطفة ولا يمكن ان يحل مشاكله عبرها ايضا، ان في احاطة قوى 8 آذار للحريري او احاطته من جمهوره وتأييده له في موقفه، ويفترض ان تكون الامور اكثر جدية في مقاربة موضوع الاستقالة مما اعلن عنه حتى الان اكثر مما يروج عن حفظ ماء الوجه للحريري من اجل عودته. اذ ان كلام ولي العهد محمد بن سلمان في حديثه الصحافي الاخير عن الحريري ليس كلاما يمكن تجاوزه في مضمونه، لا بالنسبة الى الرئيس الحريري ولا بالنسبة الى الشخصيات السنية عموما ولا الحريري يمكن ان يبتعد عن خلفيته السنية السعودية، كما ان التعاطف الشعبي السني الذي ارتفع منسوبه بقوة في الآونة الاخيرة معرض للتراجع ما لم تجد مواقف الحريري صدى إزاء الحد من تدخل الحزب في شؤون دول المنطقة، لان احدا لن يشتري كلاما من الثابت والمجرب انه لن يجد ترجمة له في اي حال.
هل يبدأ الحزب تنفيذ روزنامة بدء انسحابات من حروب المنطقة تبعا لما حفزته مقاربة لبنان حافة الخطر فعلا، فيما استطاع هذا الاخير النجاة من الحريق المجاور له في سوريا خلال ست سنوات ونصف سنة، أم لان تفاوضا يجرى مع طهران في انتظار رصد رد فعلها على هذه المسألة؟ والى اي مدى يمكن ان تتجاوب في حال اختارت ان تفعل في ظل اعتباراتها وتقويم مصالحها؟ ينبغي الاقرار بأن احدا لا يثق بأن الاعتبارات اللبنانية هي التي تدخل في حسابات الحزب او حتى في الحسابات الايرانية، لكن ثمة معطيات تفيد بان العمل يجرى على اكثر من صعيد في هذا الاتجاه، ولو ان فرنسا اخذت الواجهة في المساعي من اجل ضمان اعتماد لبنان سياسة تنأى به عن الصراع في المنطقة، علما ان البعض يروج ان احتمال بدء الحزب انسحابا لبعض عناصره من سوريا سابق لاعلان الرئيس الحريري استقالته، وان اكثر من شائعة رميت في هذا الاتجاه لكن لم يتم التعامل معها بجدية في ظل معركة البو كمال التي حصلت قبل اسبوعين تقريبا، والتي تردد ان النظام حشد لها مع الحزب من اجل استعادتها قبل ان تتدخل ايران مباشرة من أجل الدعم، مما جعل الكلام على انسحاب الحزب من سوريا أقرب الى التوهم منه الى الحقيقة، في ظل استمرار مساعدته النظام على استعادة بعض المناطق. أما كيف سيتم إخراج مثل هذا الاحتمال، فعلى الارجح من خلال البناء على الاعلان الروسي على سبيل المثال إن الحرب في سوريا شارفت الانتهاء او انتهت، وبات التركيز راهنا على العملية السياسية التي استدعي الاسد من أجلها للقاء الرئيس الروسي في سوتشي الاسبوع الماضي. فهذا مخرج يوازي اعلان السيد نصرالله ان الحرب على “داعش” انتهت في العراق وان عناصر الحزب ستعود الى بيروت تبعا لذلك.
وبغض النظر عن دقة حصول هذا الامر أم لا، فإن الاستقالة فتحت أمام مرحلة جديدة لا يصح التعامل معها كما لو انها لم تكن.