
لم تمضِ ساعات على خطاب رئيس الجمهورية في افتتاح مؤتمر “حوارات المتوسط” في روما والذي أشار فيه إلى أن إنقسامات اللبنانيين لم تعد تتخطى السياسة وسقفهم الوحدة الوطنية، حتى أدلى رئيس سرايا التوحيد بكلام أقلّ ما يُقال فيه إنه يناقض رأي رئيس الجمهورية ويوحي بعودة الدولة الأمنية التي دفع اللبنانيون ثمناً باهظاً للتخلّص منها.
كلام وئام وهاب لم يأتِ من فراغ، بل يشكّل حلقة في سلسلة إشتعلت منذ مدّة واستعرت بعد إستقالة رئيس الحكومة سعد الحريري مع ما رافقها من لغط وضغط ومحاولات حرف الأنظار عنها، من خلال فتح جبهات عدّة على حزب “القوات اللبنانية” الراعي الرسمي للدولة على حساب الدويلة.
كلام وهاب الموجّه إلى الدكتور جعجع على طريقة دس السم في الدسم مرفوض ومردود شكلاً ومضموناً، فـ”القوات” هي أول من خرج من منطق الحرب الأهلية ودفعت ثمناً باهظاً لتخلّيها طوعاً عن سلاحها، وهي من سعت لإستكمال مؤسسات الدولة الشرعية حرصاً منها على إبعاد شبح أحداث المنطقة عن لبنان، كما وأنها أشد الناس حرصاً على العهد بمطالبتها بإحترام التسوية التي حاول الطرف الذي ينتمي إليه وهاب، كسر التوازن القائم بين أركانها.
السلاح المنتشر والمتفلّت، هو خطر الفتنة، العراضات العسكرية للحزب القومي هو مدعاة فتنة، العروض الرياضية لسرايا التوحيد هي نذير فتنة، أما إتكال “القوات اللبنانية” على مؤسسات الدولة القضائية والأمنية والعسكرية في حفظ الإستقرار، فهذا لا يشبه الفتنة بشيء وبعيد كل البعد عن الحرب الأهلية.
إن المؤشرات لعودة الدولة الأمنية مُحزنة فعلاً، من التعيينات القضائية إلى ملاحقة الصحافيين وأصحاب الرأي، جميعها دلائل تؤشر إلى محاولة قمع الحريات، فيما رئيس الجمهورية يتحدث عن الإنقسامات التي لم تعد تتخطى السياسة وبالتالي لا يجوز مواجهتها سوى بالسياسة، لقد عاش لبنان سنوات سوداء لم يمضِ عليها الزمن والحزن، والنظام الأمني ارتد على أصحابه لعنة وقتلاً وتدميراً، فهل من يتّعظ؟
إن لبنان على باب مئويته الثانية لن يمكنه العبور إليها من دون حرية وكرامة أبنائه، على وهاب وأمثاله أن يقلعوا عن منطق الحرب والتحريض الذي يؤدي إلى الفتنة أو الى أي شيء آخر أخطر، آن الأوان للإقلاع عن هذه الممارسات التي لن تؤدي إلى ترهيب “القوات اللبنانية” بل تزيدها تصميماً وإصراراً على العبور إلى الدولة التي لا يمرّ فيها كلام وهاب من دون سؤال وجواب وعقاب.
