جولة الاستقالة: النأي بالنفس حقيقة لا شعار

نحنا هنا – كتب رئيس جهاز الإعلام والتواصل في “القوات اللبنانية” شارل جبور في “المسيرة” – العدد 1639

أظهرت استقالة الرئيس سعد الحريري مجموعة وقائع وعبر وحقائق يفترض ان تشكل درسا سياسيا للمرحلة المقبلة ولكل المراحل لجهة كيفية إدارة التوازنات السياسية ومنع فريق سياسي من الهيمنة على القرار السياسي في البلد أو محاولة مد نفوذه مستفيدا من سلاحه ومن سياسة أمر الواقع التي يمارسها.

فاستقالة الحريري كانت كافية لدفع “حزب الله” الى تعديل سلوكه من لهجته إلى مضمون خطابه بعدما أيقن ان المملكة العربية السعودية قررت مواجهته والتخلي عن سياسة غض النظر عن دوره التي كانت معتمدة في مرحلة سابقة، وان دل هذا الأمر على شيء، فعلى أن الحزب كان يستفيد ويؤسس على غياب مواجهة وازنة ضده والتي متى انوجدت نجحت بتعديل ميزان القوى على الأرض.

وإذا تكرست التسوية التي يدور النقاش حولها اليوم لجهة تحويل النأي بالنفس من شعار إلى حقيقة، فتكون جولة الاستقالة فعلت فعلها وخرجت منها القوى السيادية بوضع أفضل مما كان عليه قبل 4 تشرين الثاني، وتكفي المقارنة بين ما قبل الاستقالة وما بعدها للخروج بهذه النتيجة.

قد يعتبر البعض ان السقوف التي وضعت مع الاستقالة كانت أعلى بكثير مما آلت إليه الأمور مع التسوية، ولكن في الحقيقة المقارنة لا تكون على هذا الأساس، خصوصا إذا ما أُخذت في الاعتبار التدخلات الديبلوماسية تلافيا لانفلات الأمور، بل الأمور تقاس بما كانت عليه قبل ٤ تشرين الثاني وبعده.

فلو لم يكن السيد حسن نصرالله مأزوما او ان مصلحته وحساباته واعتباراته تدفعه للحفاظ على التسوية في لبنان لما كان مضطرا للتراجع في تموضعه ومواقفه من وقف التهجمات على المملكة إلى نفي دوره في اليمن او مسؤولية عن إطلاق الصارخ الباليستي على الرياض او تسليحه لأي مجموعات وإعلانه انتهاء دوره في العراق وبداية نهاية دوره في سوريا، وبالتالي لو لم تكن مصلحته السياسية بالتهدئة كان باستطاعته بكل بساطة ان يواصل تهجماته على السعودية وان يعتبر وجوده في اليمن مقدسا ودوره الإقليمي لن يتراجع عنه ويتمسك عمليا لا لفظيا بشعار “سنكون حيث يجب ان نكون”.

وعندما نتحدث عن مصلحته بالتهدئة السياسية، فهذا لا يعني الحرص على استقرار لبنان انطلاقا من أولوية لبنانية، بل الحرص على التهدئة في المساحة التي يريد إبقاءها خارج المساحات الساخنة أو المأزومة ترييحا لبيئته وتفرغا لدوره الإقليمي، كما إدراكا منه تأسيسا على تجربة ما بعد 2005 انه غير قادر على الهيمنة على الوضع السياسي، وبالتالي يفضل تقديم بعض التنازلات السياسية بدلا من الدخول في مواجهات لا تقدم ولا تؤخر بل تنعكس سلبا على دوره.

وعلى هذا الأساس استبق ما يمكن ان تؤول إليه التسوية بتقديم تنازلات طوعية وضعها في سياق البديهيات او تحت عنوان “المهمة أنجزت”، ولكنه في الحقيقة كان على اطلاع على ما يدور في الأروقة الديبلوماسية لجهة ان إنهاء الأزمة غير ممكن من دون تنازلات يقدم عليها الحزب، ولذلك فضل ان يستبق انتهاء التسوية بتنازلات بالجملة كي لا يقال انه تنازل تحت الضغط، ولكن المهم هو النتيجة في نهاية المطاف.

وفي أي أزمة، واستطرادا تسوية، يجب الاكتفاء بالسقف الذي يمكن ولوجه وباستطاعة الفريق الآخر ملاقاته في منتصف الطريق، بمعنى ان وضع شروط تعجيزية والتمسك بها خارج إطار السقوف التفاوضية التي تستدعي رفعا للسقوف لأسباب تفاوضية يمكن ان يطيح بكل شيء، لأن قدرة “حزب الله” على التنازل في هذه اللحظة تنحصر بهذا الشق والحجم والمستوى، وبالتالي يجب الاكتفاء بهذا القدر والتهيئة لجولة مقبلة من أجل دفعه نحو مزيد من التنازلات باعتبار ان أغلب المعارك تُحسم في الجولات لا في الضربات القاضية التي تقود إلى حرب او تؤسس إلى حروب.

ولا يجب الاستهانة بما تحقق لجهة ان “حزب الله” كان وصل إلى حد اعتبار دوره الإقليمي جزءا لا يتجزأ من دوره الطبيعي والبديهي، فجاء من يقول له ان عليه العودة إلى ما قبل انخراطه في الحرب السورية، بمعنى انتهاء دوره الإقليمي وعودته مجرد لاعب محلي، وهذا أقصى ما يمكن تحقيقه في اللحظة الحالية.

ولكن السؤال الأساس الذي شكل محور الحركة الديبلوماسية في الآونة الأخيرة يتصل بالضمانات التي يجب توفيرها لعدم انقلاب “حزب الله” على التسوية بعد عبور العاصفة، وفي المعلومات انه تم انتزاع تعهدات والتزامات واي عودة عنها ستقابل باستقالة فورية وإدانة دولية.

ويبقى انه يجب الاستفادة من التجربة الأخيرة للخروج بالعبر التالية:

أولا، لا يوجد فريق قوي وآخر ضعيف، إنما هناك فريق يحاول الاستقواء وفريق آخر يخشى المواجهة، وفي اللحظة التي يبدي فيها الفريق الثاني استعداده للمواجهة يدفع الفريق الأول تلقائيا للتراجع.

ثانيا، استقالة الرئيس الحريري كانت كافية لتعديل ميزان القوى الداخلي، ما يعني ان التوازن هو رهن تحمل كل فريق لمسؤولياته.

ثالثا، ان يحاول “حزب الله” توسيع دوره نفوذه مسألة طبيعية ولن يتوقف في حال لم يواجه بشراسة، وهذا ما كانت تقوم به “القوات اللبنانية” في كل مفصل ومناسبة، والأمر نفسه يجب ان ينسحب على “المستقبل” بعد التسوية.

رابعا، ميزان القوى الإقليمي يبقى الأساس في تعديل التوازنات الداخلية، وهذا طبيعي كون “حزب الله” يتحرك بعمق إيراني يستدعي مقابلته بعمق سعودي، وما تحقق على مستوى دوره اليوم لا بد ان يتحقق على مستوى سلاحه في المستقبل.

خامسا، التوازن السياسي يشكل العمود الفقري للاستقرار، وعندما يختل يعرض الاستقرار لخطر الانهيار، ومن هنا مسؤولية القوى السيادية مجتمعة، وليس طرفا واحدا اي “القوات”، ان تتحمل مسؤولياتها، فلو على سبيل المثال لا الحصر، علق الرئيس الحريري جلسات الحكومة اعتراضا على تهجمات السيد نصرالله على السعودية، لما كان أمين عام الحزب كرر تهجماته، وهكذا دواليك.

وفي الختام مجرد تساؤل: هل انتهت الأزمة المستجدة على أساس الالتزام الفعلي لا الشكلي بالنأي بالنفس على قاعدة الوصول إلى تسوية وسطية، أم ان الرياض ستتمسك بما أعلنه ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بان الرئيس الحريري السني لا يمكن ان يغطي “حزب الله”؟ الأيام القليلة كافية بتقديم الجواب الشافي.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل