قصة الإنقلاب الفاشل ضد “القوات”

كتب نجم الهاشم في افتتاحية “المسيرة” – العدد 1639

اتهم البعض “القوات اللبنانية” بأنها كانت شريكة في “محاولة إنقلاب” على الرئيس سعد الحريري وعلى العهد ولكن في الواقع كانت هذه الحملة لتغطية انقلاب حقيقي يتم التحضير لتنفيذه ضد “القوات”. المحاولة الفاشلة أعادت التذكير بما كانت تعتمده سلطات عهد الوصاية والأجهزة الأمنية التابعة لها للإنقضاض على “القوات” وإخراجها من المعادلة ولكن دائما كانت “القوات” تخوض المواجهة من دون خوف ومن دون تردد وتخرج منتصرة. وهذه المرة فشلت المحاولة وانتصرت “القوات”.

في أيار 1992 عندما حصلت ثورة الدواليب ضد حكومة الرئيس عمر كرامي اتهم عهد الوصاية السورية “القوات اللبنانية” بأنها كانت وراءها مع رفيق الحريري من ضمن خطة انقلاب تهدف إلى أيصال الحريري الأب إلى رئاسة الحكومة بدلا من الرئيس عمر كرامي. لم يكن عهد الوصاية قد ثبّت أقدامه بعد كما يجب وكان يدرك أن الأرض يمكن أن تتزعزع من تحته لذلك اعتبر مع أجهزته الأمنية أن الخطة شملت دفع أسعار العملة الوطنية إلى الإنهيار بعدما تخطى سعر صرف الدولار عتبة الـ3000 ليرة وبعدما اتهم الحريري بأنه كان وراء قرار حاكم مصرف لبنان وقتها عدم التدخل في السوق المالية لمنع تدهور الوضع الإقتصادي. لم يكن رفيق الحريري قد أصبح رئيسا للحكومة بعد وكانت دائما هناك نظرة شك إلى العلاقة التي تربطه بـ”القوات اللبنانية” على أساس أنهما من فريق سياسي واحد وكانا على تنسيق في مرحلة الإتفاق على اتفاق الطائف في المملكة العربية السعودية وأن الإنقلاب كان لإثبات عدم القدرة على إدارة الوضع الإقتصادي إلا من خلال الدور الذي يمكن أن يلعبه الرئيس رفيق الحريري من خلال وصوله إلى رئاسة الحكومة.

في الواقع لم تكن تلك التهمة إلا لتغطية عملية الإنقلاب على الطائف. تلك العملية كانت بدأت مع اغتيال الرئيس رينيه معوض وكان المطلوب أن يستكمل الإنقلاب بثبيت دعائم سياسية جديدة موالية لعهد الوصاية وضرب “القوات اللبنانية” تحديدًا لأنها بقيت الصوت المعارض لهذا الإنقلاب والحؤول دون قيام أي تحالف جدي على الأرض بينها وبين أي طرف آخر، خصوصا الرئيس رفيق الحريري، لأن مثل هذا الإحتمال كان يعني عودة التأثير السعودي على تطبيق اتفاق الطائف ومنع الإنقلاب عليه.

الخطة السورية قضت وقتها باستقالة حكومة الرئيس عمر كرامي وإصدار قرار سريع بتقديم موعد إجراء الإنتخابات النيابية التي كانت مقررة في ربيع العام 1994 إلى ربيع العام 1992 ولذلك شكلت حكومة برئاسة الرئيس رشيد الصلح للإتيان بمجلس نواب موالٍ للنظام السوري بشكل كامل وينهي مفاعيل مجلس نواب 1972 الذي وافق على الطائف. وقد فرض النظام السوري إجراء هذه الإنتخابات بالقوة بدءا من فرض إصدار قانون بذلك من مجلس النواب نفسه بتقصير مدة ولايته وتحديد الموعد الجديد للإنتخابات.

أيضا كان على “القوات اللبنانية” أن تقف في وجه هذا الإنقلاب. مع البطريرك مار نصرالله بطرس صفير قادت معركة مقاطعة هذه الإنتخابات التي لم يشارك فيها إلا 13 في المئة من اللبنانيين وكانت «القوات» تدرك أن الهدف غير المعلن لهذا الإنقلاب عدم الإلتزام بموعد انسحاب جيش النظام السوري في أيلول 1992 إلى البقاع كمرحلة أولى.

لم تقتصر ردة فعل النظام السوري عند هذا الحد. بقيت تهمة التحضير للإنقلاب جاهزة ضد “القوات”. لذلك خيضت معركة كبرى لإسقاط الدكتور سمير جعجع في انتخابات رئاسة حزب «الكتائب» وتم إخراجه بالقوة من المجلس الحربي في الكرنتينا وفرضت عليه إجراءات أمنية مشددة في مقره في غدراس وبدأت الملاحقات وفتح الملفات ومرحلة الإعتقالات ولكن “القوات” بقيت في قلب المعركة على رغم حل الحزب واعتقال رئيسه سمير جعجع.

المرة الأولى التي التقى فيها سمير جعجع وسعد الحريري كانت في سجن وزارة الدفاع. في تلك الزيارة حدث جعجع زائره عن العلاقة التي كانت بين “القوات” وبين والده الرئيس رفيق الحريري واتفقا على أن التحالف بينهما سيتسمر بعد الإنتخابات النيابية وبعد خروج الدكتور جعجع من السجن. خلال التحضير لتلك الإنتخابات كان النائب الدكتور أحمد فتفت يتولى التنسيق مع السيدة ستريدا جعجع حول طبيعة التحالف والترشيحات ولم يكن معروضًا على «القوات» في البداية إلا نائبًا واحدًا في بشري. ولكن بنتيجة المفاوضات حصلت “القوات” على نائبين في بشري ونائب في الكورة ونائب في البترون ونائب في الشوف ونائب في بعبدا. كانت هذه العلاقة بين “القوات” و”تيار المستقبل” تكملة لما كان بدأه الرئيس رفيق الحريري قبل اغتياله وللدور الذي لعبته «”القوات” في لقاء قرنة شهوان وإطلاق ثورة الأرز وإسقاط حكومة عمر كرامي مرة ثانية والإعتصام في ساحة الشهداء طلبًا للحقيقة. وهذه المشاركة لم تكن بسبب العلاقة الجديدة مع “تيار المستقبل” بل لأن “القوات” كانت في قلب الصراع من أجل تحرير لبنان من عهد الوصاية واستعادة السيادة والحرية والإستقلال.

اغتيال الرئيس رفيق الحريري كان عملية انقلاب كاملة على الإنتفاضة التي كانت ستولد ضد عهد الوصاية وكانت «القوات» في قلب المعركة.

8 آذار 2005 كان لمنع خروج جيش النظام السوري من لبنان وكانت “القوات” في قلب 14 آذار لفرض هذا الإنسحاب.

حصار حكومة الرئيس فؤاد السنيورة في السراي في العام 2006 كان انقلابًا على 14 آذار وكان سمير جعجع في السراي دعمًا لصمود الرئيس السنيورة وحكومته ولقرار إنشاء المحكمة الدولية الخاصة بلبنان وبقضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري.

عندما كانت تشتد المواجهة مع “حزب الله” لم تكن “القوات اللبنانية” إلا في خط هذه المواجهة وكانت المعادلة الدائمة تقول إنه إذا خرجت جميع القوى من هذه المواجهة فإن “القوات” تبقى فيها لأنها تؤمن أن هذا هو دورها وأن عليها أن تكون حيث يجب أن تكون وأن هذا الدور ليس نتيجة علاقة سياسية أو تموضع ظرفي وآني وموقت.

كان من المفترض أن تكون مشاركة “القوات اللبنانية” في حكومة الرئيس سعد الحريري بعد انتخاب العماد عون رئيسًا للجمهورية مدخلاً إلى تحقيق التوازن السياسي والوطني على قاعدة تفاهم معراب الذي فتح الطريق لإنهاء الفراغ في قصر بعبدا والعلاقة مع الرئيس سعد الحريري والنائب وليد جنبلاط. ولكن ما حصل أن التسوية التي انطلق على أساسها العهد مع الحكومة لم تحترم. لذلك اضطرت “القوات” أن تكون في صلب المعركة ضد الفساد والصفقات وضد تأكيد سيطرة “حزب الله” على القرار السياسي وتفرّده بالقرار العسكري من خلال المشاركة في حروب الآخرين في سوريا والعراق واليمن.

عندما زار الدكتور سمير جعجع المملكة العربية السعودية والتقى ولي العهد الأمير محمد بن سلمان تم البحث في موضوع التوازن داخل مجلس الوزراء وفي الحملات التي تتعرض لها المملكة. وكان موقف “القوات” من كل ذلك معلناً من قبل وقد عبّر عنه الدكتور جعجع في الخطاب الذي ألقاه في قداس شهداء المقاومة اللبنانية في معراب.

كان من المفترض أن يزور المملكة في ذلك الوقت الرئيس سعد الحريري والنائب وليد جنبلاط ولكن موعد الزيارة تأجل. عندما التقى الرئيس سعد ولي العهد السعودي بعد ذلك طلب مهلة لتصحيح الوضع الحكومي والإعتراض على دور “حزب الله”. ولكن بعد عودته حصل اللقاء في كليمنصو بينه وبين الرئيس نبيه بري وبين النائب وليد جنبلاط، وبحسب معلومات بعض المصادر لم تكن المملكة راضية عما تم بحثه في ذلك اللقاء. عندما زار الرئيس سعد الحريري المملكة في 3 تشرين الثاني الماضي تم البحث معه في الموضوع وعلى أساس هذا البحث أعلن استقالة حكومته.

بدل التركيز على المطالب التي تضمنتها الإستقالة تم التركيز على الشكل وبدأت الحملة المركزة على “القوات اللبنانية” لاتهامها بأنها شريكة في مؤامرة الانقلاب على العهد بينما “القوات” كانت في مكانها الصحيح في حربها لتحقيق التوازن الحكومي والسياسي وللوقوف مع العهد في الحرب ضد الفساد وكان الهدف من هذه الحملات الفصل بين “القوات” و”تيار المستقبل” لإنهاء الحالة السيادية والفصل بين “القوات” ورئاسة الجمهورية. وعلى هذا الأساس كانت هناك محاولة لإحراج “القوات” وإخراجها من الحكومة ولكن هذه المحاولة باءت بالفشل. فموقف “القوات” لم يتغيّر لا قبل استقالة الرئيس سعد الحريري ولا بعدها و”القوات” لا تخشى الحديث عن تحالفات خماسية أو سداسية أو رباعية في ظل قانون الإنتخابات الجديد وتعتبر أنها في تاريخها القديم والحديث لا تقبل أن تتهم وأن تقدم شهادات في حسن السلوك السياسي والوطني بل هي تعتبر أنها ثابتة في مواقفها ولا يمكن محاصرتها لأنها لا تريد إلا الجمهورية القوية ولأن الحرب ضدها هي حرب ضد تحقيق مشروع هذه الجمهورية. ولذلك تعتبر “القوات” أن الجموح الذي اجتاح البعض بعد موجة استقالة الرئيس سعد الحريري قد بلغ نهايته وأن الأمور عائدة إلى المربع الذي بدأت منه المشكلة وإلى معالجة الأسباب التي أدت إلى استقالة الرئيس سعد الحريري وعبّر عنها من المملكة العربية السعودية. وتعتبر “القوات” أن سقف الحل ليس إلا تثبيتاً للمعادلة التي قامت عليها الحكومة ولذلك سيكون تأكيد النأي بالنفس عن الصراعات الإقليمية بمثابة إعلان جديد لحكومة جديدة وتعتبر “القوات” أنها مع عودة العمل الحكومي لن تكون إلا في موقعها الصحيح وستتابع التصدي للملفات التي تفوح منها روائح الفساد السياسي والأمني والإقتصادي ولمحاولات زج لبنان في الصراعات الإقليمية أو الإنقلاب على التفاهم الجديد للتسوية. وهي تدرك أن ما عجزت عنه سلطات عهد الوصاية لن تقدر عليه بقايا ذلك العهد.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل