لكي نستحق شرف الإنتماء إلى دولة سيّدة

يُعرِّف العلم السياسي الدولة بأنها عبارة عن مساحة من الأرض مصانة دستوريًا وموّحدة ومنظّمة سياسيًا ومسكونة من قبل مجموعة من الناس متحضّرة متعايشة تعيش في ظل حكومة ونظام وطني صاحب سيادة على جميع مناطق الدولة ومن دون إستثناءات، ولهذه الدولة قوّة عسكرية منوّعة منسجمة تعمل على حماية الشعب والوطن ومؤسساته الشرعية وتحافظ على السيادة المطلقة من دون شريك لها. وللعالم السياسي بيرسي تعريف محدد وهو: “إنها الدولة التي تحكم نفسها بنفسها ولها كافة حقوق السيادة”، وللعالم السياسي هارم دوبليه تعريف آخر وهو: “إنها أرض محددة، وشعب متميِّزْ يسكن هذه الأرض ، وحكومة ونظام سياسي له سلطة مطلقة”. قرأت مقالاً لأحد الفلاسفة المُسلمين حيث خَلُصَ إلى القول: “الدولة هي مستقلة وصاحبة السيادة عن أشخاص الحكام، إذ إنّ الحاكم يُمارس السلطة بصورة إستثنائية ومؤقتة ونيابة عن الأمة وبطريقة ديمقراطية “…

من خصائص الدول المتحضرة، أنها تتواجد في قلب الأنظمة الدولية كشريك أساسي وفاعل وتختار سياسة إستراتيجية تعمل من خلالها على تفعيل دورها الريادي بين الأمم بحيث لا تكون عبئًا على أحد، ولا مكسر عصا، ولا دولة منهكة القوى وكل دولة تتدخل في شؤونها الداخلية. دولة لها حكومتها القائمة فيها على أسُس الديمقراطية وتعطيها الشخصية التي تميزها عن غيرها. دولة لها حكومة تكون حجر الزاوية في كل عمل سياسي، وحكومة تمارس السلطة في جماعة سياسية معينة، دولة لها حكومة تحافظ على تماسكها الداخلي وشكل النظام بها.

من مقومات الدولة السلطة القوية وتعني مجموعة من المؤسسات التي تعمل في حيّز جغرافي معين ومحدود وتقوم تلك المؤسسات بممارسة السلطات الخاصة بها على مجموعة من الأفراد في إطار الحدود الجغرافية (المحافظة مثلاً)، حيث تكون تلك الممارسات للسلطات بإتفاق فيما بين السلطة المركزية على مجموعة القواعد والتشريعات التي تعمل هذه المؤسسات من خلالها مثل سلطة الحاكم ومعاونيه، والمؤسسات التي تكون مهمتها الأساسية الإشراف على مؤسسات الدولة وتطويرها وحمايتها إلى جانب الإطار التنظيمي للشعب والعمل على حماية مصالحه وأوضاعه الأمنية والإقتصادية والمعيشية، أي تهيئة سبل العيش له بكرامة. وأبرز مقومات الدولة القوانين والأعراف، وهي مجموعة من القواعد الأساسية من دستور وتشريعات وقوانين تنظم شكل وإطار السلطات في الدولة وتعمل على التوافق والتنظيم فيما بينها. وتقوم بإعطاء الحقوق لأفراد  الدولة والضمانات الأساسية لهم وقواعد الحكم وأيضًا السياسية للدولة ورؤيتها للآخرين. كما تعمل على الترابط والجمع بين الشعب من خلال قوانين وضوابط تشمل الجميع وتحدد طبيعة حياتهم إذ هي إحدى المقومات الأساسية في علم السياسي المعاصر…

يُحدٍّدْ العلم السياسي النظام السياسي على أنه بالدرجة الأولى نظام ديمقراطي يقوم على التعددية السياسية والحزبية، بهدف التداول السلمي للسلطة، والأحزاب السياسية هي عماد العمل السياسي الديمقراطي، وحرية تكوين الأحزاب مكفولة وفق شرعة حقوق الإنسان وشرعة العمل السياسي المتحضِّرْ. كما يُحدّدْ العلم السياسي بأنّ الشرعية الدستورية وسيادة القانون هما أساس نظام الحكم في الدولة، ولا يجوز تغيير النظام بأي وسيلة أخرى مخالفة لأحكام الدستور المعمول به قانونيًا . كما تلتزم الدولة بضمان نفاذ سيادة القانون على الجميع ومن دون إستثناءات. كما يُحدِّدْ العلم السياسي بأنّ الشعب حر في تقرير مكانته السياسية وحر في السعي السلمي إلى تحقيق نموّه الإقتصادي والإجتماعي والثقافي عبر مؤسسات الحكم على كل مستوى وفق ما ينص عليه العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي للحقوق الإقتصادية والإجتماعية والثقافية اللذين وقّعهما كل نظام وصادق عليهما…  كما يعتبر العلم السياسي أنه من المفترض أن تلتزم الدولة بميثاقي الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية (في حال كانت من الدول العربية) والعمل بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمواثيق والمعاهدات الدولية وقواعد القانون الدولي التي تصادق عليها السلطات التشريعية، وبالتالي بناءً عليه على الدولة ملائمة كل القوانين التي تصادق عليها. كما يعتبر العلم السياسي أنه واجب الدولة الإلتزام بسياسة خارجية تعمل على حماية الأمن القومي والحفاظ على سيادة الوطن وإستقلاله. كما يفترض العلم السياسي الإلتزام بسياسة خارجية متوازنة تخدم الأمن والسلم الإقليميين وإنتهاج سياسة مبدأ حسن الجوار والتعاون والشراكة لخدمة المصالح المشتركة بما لا يخل بالإلتزامات المبدئية تجاه القاضايا المحقة. كما يلحظ العلم السياسي على وجوب الأخذ بنهج وطني في السياسة الخارجية يرتكز على قواعد القانون الدولي والمصالح المشتركة والمتكافئة والعادلة بما يحفظ السيادة الوطنية. كما يلحظ العلم السياسي مبادىء تجنيب البلدان المستقلة عبر سياساتها الخارجية الإنزلاق إلى المحاور والإستقطابات الإقليمية والدولية. كما يلحظ القانون الدولي إلتزام الدول بسياسة عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى ورفض أي إنتهاكات أو تدخلات خارجية في الشؤون الداخلية لدولة أخرى.

سؤال نطرحه في سياق ما أسلفناه هل نحن في دولة تحترم تلك الأسُسْ وتعمل من خلالها؟ أم نحن في غابة تتقاذفها المصالح الخاصة؟ وتنهك المواطن في الطليعة لإفقاده الحس الوطني، وبالتالي زعزعة الدولة وأجهزتها الرسمية التي من المفترض أن تكون من أنجح الإدارات وعلى كافة المستويات المدنية والعسكرية… لا يجوز الإستمرار في التعدّي على القوانين والدستور، علينا العمل كباحثين وكأعضاء في أحزاب وهيئات المجتمع المدني على إستحداث قانون يلزم الدولة اللبنانية وعملاً بالعلم السياسي وما يليه من علوم أولاً، رفع كفاءة الجهاز الإداري بما يحقق توظيف الموارد المادية والبشرية وإستيعاب الدعم وثانيًا إستيعاب الدعم الدولي وحُسْن توظيفه لخدمة القضية اللبنانية. كما علينا وجوب تبّني مشروع وطني –  يترافق مع الإستحقاق الإنتخابي المقبل للنهوض بالدولة والمجتمع، تُشارك في صياغته القوى السياسية والمجتمعية التي تؤمن بالمبادىء الديمقراطية، كي تصل إلى الندوة النيابية مجموعة تتكامل وتعمل على تنفيذه في كافة إدارات الدولة، وتستحق شرف الإنتماء إلى دولة سيّدة.

بسام ضو ـ عضو مكتب سياسي في المجلس الوطني لثورة الأرز

خبر عاجل