أطلب الصين ولو في بيروت.. “معهد كونفوشيوس” في الجامعة اليسوعية الأول في الشرق الأوسط

 كتبت أوغيت سلامة في “المسيرة” – العدد 1639:

أطلبوا العلم ولو في «معهد كونفوشيوس» في جامعة القديس يوسف! نعم لم يعد طلب العلم في الصين ضرورة، فكل الثقافة واللغة والحضارة الصينية بمتناول الطامحين لتعلم اللغة الصينية هنا في بيروت.

صحيح أن»كونفوشيوس» هو أبرز الفلاسفة الصينيين القدامى، لكن قلة تعرف أن أكثر من 560 معهدًا ثقافيًا في 137 دولة حول العالم يحمل إسمه، وأن الصين قد قرّرت من خلال هذه المعاهد أن تربط جسورًا ثقافية تعرّف العالم على الحضارة الصينية ولغتها، سياساتها وإقتصادها وعاداتها التقليدية الشعبية المختلفة.

عن هذا الغزو الصيني الثقافي نسأل رئيس «معهد كونفوشيوس» في بيروت الدكتور أنطوان حكيّم.

يروي الدكتور أنطوان حكيّم كيف حطّت الصين عندنا «عندما قرّر المجلس الإستراتيجي في جامعة القديس يوسف وبنصيحة من ألين كارير دانكوسHélène Carrèred›Encausse النائبة الأوروبية والمؤرخة الفرنسية بضرورة الإنفتاح على حضارات الشرق الأقصى وروسيا، وصدف أن السفارة الصينية كانت بصدد طرح المشروع على الجامعات في لبنان فتقدمنا من بين 11 جامعة كما أذكر واختيرت الجامعة اليسوعية من قبل المسؤولين الصينيين، فالمعهد تابع لرئاسة الوزراء في الصين وليس فقط لوزارة التربية. وهكذا تأسس «معهد كونفوشيوس» في بيروت في العام 2006 بالشراكة مع جامعة شين يانغ الكائنة في شمال الصين، ليكون دخولهم الأول الى الشرق الأوسط، وفي خطوة متقدمة لأن الصين كانت تعتبر أنها تأخرت في النزول الى الساحة الثقافية العالمية».

الدكتور حكيّم كان مسؤولًا عن العلاقات الخارجية في الجامعة اليسوعية ويؤكد أن علاقات التعاون الأكاديمي مع أوروبا وكندا وأميركا كانت بديهية «لكن الصين كانت بالنسبة إلينا مكانًا غريبا وبعيدًا!». ويضيف: «نشكر الله على صوابية خيارنا. فبعد أن كان عدد معاهد كونفوشيوس قبل 11 عامًا لا يتعدى الخمسين معهدًا وصل اليوم الى نحو 560 حول العالم، كما شكّل نجاح هذه التجربة في لبنان حافزًا لدول المنطقة العربية ودفعاً مهماً للبعض في إطلاق معاهد ثقافية صينية من مصر الى دبي والأردن. الصين تضع كل طاقاتها للترويج الثقافي من جهة وهناك بالطبع حاجة في كل دول العالم اليوم للانفتاح على الصين من جهة أخرى، لأن الصين أصبحت الدولة الأولى عالميًا اقتصاديًا ولا يمكن أن ننكر ذلك. وما كان متداولًا ان الإنتاج الصيني ذو مستوى متدنٍ لم يعد يصحّ اليوم. حتى جامعاتهم كنا نعتقد أنها كالجامعات الروسية في عهد الشيوعية، وثبت لنا بالتجربة ومن خلال زياراتنا الى الصين عكس ذلك».
وأوضح حكيّم أن «المعهد تابع للمكتب المركزي لتعليم اللغة الصينية في الخارج، والمعروف باسم هان بان Hanban، مشيراً إلى أن معهد «كونفوشيوس يوازي في أهميته في لبنان معاهد كل من سرفانتس الإسباني وغوته الإلماني والمعهد الثقافي الفرنسي، ويموّل المعهد منحًا دراسية جامعية تغطي تكاليف متابعة طلاب لبنانيين دراستهم في الصين لا سيما في إختصاص هندسة المعلومات وغيره من الإختصاصات التكنولوجية المتقدمة وفي الاختصاصات الطبية كالتدليك الفيزيائي والوخز بالإبر الصينية. إلا أن التمويل ليس كاملًا فطلاب المعهد يدفعون كلفة الأرصدة لتعلّم الصينية ويشمل فقط  أتعاب المدير الصيني المساعد  في المعهد ورواتب الأساتذة الصينيين الموفدين للتعليم في بيروت، وهم من المتخصّصين في تعليم اللغة للأجانب».

يعترف د. حكيّم أنه لا يتقن إلا « كمّ كلمة» من اللغة الصينية وأن ذلك شكّل إعاقة حقيقية للتفاهم مع الصينيين، لذا فالإقبال على تعلّم هذه اللغة في «معهد كونفوشيوس» تبدلت نوعية الطلاب فيه فبعد أن «كان 90 في المئة من طلاب المعهد هم من طلاب الجامعة الذين إختاروا اللغة الصينية بدلا من الرياضة مثلا بين الأرصدة الإختيارية. تغيّرت المعادلة اليوم، وبتنا نرى في كونفوشيوس رجال أعمال وباحثين… وفتحنا صفًا للأولاد من عمر 6 سنوات، وهؤلاء أدهشوني فعلًا كيف يتفاعلون ويتعلمون بسرعة قياسية. ولأول مرة دخلنا بشراكة مع مصرف هو أول مصرف لبناني يفتح له فروعًا في الصين، وطلب منا تنظيم دورات يومية مكثفة لعدد كبير من مدرائه وموظفيه».

يتفاعل اللبنانيون بشكل لافت مع السياسة التوسعية الصينية التي تغزو لبنان ثقافيًا مع كونفوشيوس، ومع نشاطات معهده في بيروت، من حفلات الرقص والغناء والمسرح الصيني الشعبي والسينما إن في حرم الجامعة اليسوعية أو في مراكز ثقافية عدة من صيدا الى طرابلس وزحله التي تأسس فيها فرع ثانٍ للمعهد، وأيضًا في حرم جامعة القديس يوسف. وبالطبع لا تغيب السينما الصينية والمطبخ الصيني وتعلم كتابة الخط الصيني عن أنشطة المعهد.

ويضيف د. حكيم على ذلك أن «التجارة الناشطة مع الصين هي عامل إضافي لهذا التفاعل. لكن لن نشعر بزيادة كبيرة في الإقبال أو الحاجة اللافتة لتعلّم الصينية كما اللغة الإنكليزية مثلا لأن المواطن الصيني بات ومنذ 10 سنوات يتكلم اللغة الإنكليزية، والتسهيلات التكنولوجية التي تقدمها أجهزة الهواتف المحمولة جعلت من موقع «غوغل» مترجمًا باليد حاضرًا 24 ساعة!!».

اللبناني الذي يجوب العالم للعمل والسياحة والتبضّع… يُقبل أكثر وأكثر على تعلّم اللغات من الإيطالية الى الإسبانية والصينية… لأنه يدرك أن التعاطي الإنساني والتواصل باللغة عامل أساسي للنجاح، لذا يقول د. حكيّم «أنا في طور تحضير إحدى طالباتنا لتسلّم مهامي لأنها باتت تفهم اللغة. وبات هناك أكثر من تلميذ بمستوى HSK وهو كما الـ TOEFL باللغة الإنكليزية». لكن «معهد كونفوشيوس» لن يكون أبدًا صلة وصل سياحية أو اقتصادية أو تجارية لأن مهمتنا أكاديمية فقط. نحن نسهّل كل الأمور الأكاديمية لا أكثر. أما التبادل السياحي والثقافي فيمكن أن يكون من خلال المنح الجامعية والمخيم الصيفي للأولاد في الصين. فهم يدفعون ثمن بطاقة السفر والجامعة الشريكة لنا تستقبلهم في محيط صيني وتؤمن لهم صف اللغة طيلة أيام الرحلة، وفي الأيام الأربعة الأخيرة ينظمون لهم رحلات سياحية وثقافية.

المارد الصيني يفتح ذراعيه واسعة لاستقبال من يرغب بالتقرب منه والتواصل معه بلغته، ومن تستهويهم الحضارة الصينية، فنونها، وثقافتها، وتطورها العلمي والتكنولوجي أمامهم فرصة ذهبية ليتكلموا الصينية بطلاقة ولو على الطريقة اللبنانية!!

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل