Site icon Lebanese Forces Official Website

من فلسطين إلى بشير وسمير… لو ما إنتو نحنا ما كنّا

لا يحتاج منك جمهور الثّامن من آذار إلى أكثر من تغريدة على موقع “تويتر” تطالب فيها بأن يسلّم “حزب الله” سلاحه إلى السّلطة الشّرعيّة، أو أن تعبّر عن رأيك الرّافض للتّدخل الإيراني أو السّوري في لبنان، حتى ينقضّ عليك بتهم العمالة والتّخوين، فينطلق التّحدّي بين فتيانه على توصيفك بـ”العميل الصّهيوني الموسادي الخائن”، وقد يتفوّق بعضهم على نفسه في هذا المجال، فيعمد إلى تحليل معدّل الوطنيّة في دمك ويخلص إلى تشريع قتلك، فيحضّر لك توابيت من خردة “يا أيّها الطّاغوت الكافر، الحاقد، المشجّع على الإستعمار التّكفيري والاسرائيلي، يا أيّها المأجور للصّهاينة والسّعوديّين”، مُعَيباً عليك صورة لقائد المقاومة اللّبنانية ومؤسّس القوّات اللّبنانيّة، الرّئيس الشّهيد بشير الجميّل، مع أحد المسؤولين الإسرائيليّين إبّان الحرب اللّبنانية. وإذا تجرّأت وواجهتهم بحقيقة أنّ كلّ الأفراد المنتمين إلى شبكات العمالة الّذين يتمّ إلقاء القبض عليهم ينتمون إلى جمهورهم، استعدّ لوابل من الشّتائم والإهانات بلغة اعتاد مطلقها التّحدث بها بين أفراد عائلته ومجتمعه.

ولأنّ من ينكر الماضي لا مستقبل له، لا بدّ من السّفر عبر التّاريخ لوضع النّقاط على الحروف وتصويب الأمور، وإعادة هذا الجمهور المتكابر الغافل عن الحقائق إلى جغرافيا الواقع. وقبل انطلاق الرّحلة نحو الماضي، لا بدّ أن أشير إلى أنّ استعادة هذه الأحداث هو لأخذ العبر منها فقط.

زرع وعد بلفور لليهود بالسّماح لهم بإقامة دولتهم القوميّة بذور المشاكل في المنطقة. ولا تخفى على أحد المخطّطات الاسرائيليّة التّوسّعيّة، الهادفة إلى إعادة أقدم دولة مدنيّة في شرقنا إلى حدودها المرسومة في التّوراة، لأسباب دينيّة عقائديّة شبيهة بأسباب تصدير الثّورة الإيرانيّة وإقامة ولاية الفقيه.

نمت هذه الأطماع، ونجحت عام 1948 بتشريد قسم كبير من الفلسطينيّين من أرضهم، بعد أن قضت على معظم معالم مجتمعهم السّياسيّة والاقتصاديّة والحضاريّة، فكانت النّكبة، وبدأت المخطّطات لمنح فلسطينيّي الشّتات وطن بديل. تصدّت الأردن لمشروع الوطن البديل، وعمد الملك إلى طرد اللّاجئين الفلسطينيّين من أرضه، فتوجّهت الأنظار نحو لبنان. ونجح الفلسطينيّون في تحويله إلى منصّة لإنطلاق الكفاح المسلّح ضدّ إسرائيل. غير أنّهم، وبعد نكسة 1967، أدركوا استحالة عودتهم إلى أرضهم، فصرّحوا، على لسان زعيمهم ياسر عرفات، أنّ “طريق القدس تمرّ في جونية”، أي أنّهم، وحتّى ينجحوا في إحكام سيطرتهم واحتلالهم للبنان، عليهم فقط إخضاع المسيحيّين فيه. فتناسوا قضيّة فلسطين، محوّليم مخيّماتهم إلى بؤر تحمي المجرمين والهاربين من العدالة، وبدأوا بإقامة الحواجز، فأوقفوا المواطنين وفقاً لهويّاتهم وخطفوا الكثيرين منهم وسلبوا آخرين، وفرضوا خوّات على الملكيّة. ولم يفرّقوا بين لبناني وأجنبي، وبين مدني وعسكري، حتّى وصل الأمر برئيس الحكومة آنذاك أن يطلب من أفراد المؤسّسات العسكريّة عدم المرور في مناطق نفوذ الفلسطينيّين بلباسهم العسكري، تفادياً لقتلهم. ومع الوقت، أصبحت تجاوزات الفلسطينيّين الّتي تمّ التّساهل معها في البداية، لا تحتمل. فأتت حادثة بوسطة عين الرّمانة في العام 1975، لتشعل فتيل الحرب. تصدّت “الكتائب اللّبنانيّة” والقوى المسيحيّة للعدوان الفلسطيني بأسلحة شبه بدائيّة مقارنة بأسلحة الطّرف الآخر، وتمكّنت من الصّمود والدّفاع عن أرضها، ملحقةً به الهزائم المتتالية، فانهارت الحركة الوطنيّة وحركة المقاومة الفلسطينيّة، وسقط مخيّم الكرنتينا عام 1976. ويروي حافظ الأسد: “لقد اتّصلت فوراً بالرئيس سليمان فرنجية، من دون أيّ نتيجة سوى تصعيد المعارك. فانكشف أنّ الجهد السّياسي والإمداد بالأسلحة كانا متماثلين في عدم فاعليّتهما… ولم يكن لدى قادة الأحزاب شيئاً يفعلونه أفضل من التّوجّه إلى دمشق طلباً للمساعدة. كان واضحاً للعيان أنّ جنبلاط مثبط العزيمة. فطمأنتهم جميعاً. ولم يبق أمامنا سوى التّدخّل مباشرةً. وإذا لم نتدخّل ستنهار المقاومة (الفلسطينيّة)، وإذا تدخّلنا سننقذها إنّما مع خطر نشوب حرب مع إسرائيل. لقد تمّ تجاوز الصّعوبة بالقيام بعمل تحت غطاء جيش التّحرير الفلسطيني… أدخلنا جيش التّحرير الفلسطيني إضافة إلى قوّات أخرى إلى لبنان من دون أن يدري أحد على الإطلاق”. والقوّات الأخرى هي لواء اليرموك ومعه 8000 جندي سوري مموّهين تحت لباس الصّاعقة.

وفي خضمّ كلّ هذه الأحداث، كانت إسرائيل المستفيد الأوّل. ففلسطينيّو الشّتات تخلّوا عن قضيّة حقّ العودة، وانكبّت جهودهم على إخضاع لبنان لسيطرتهم بهدف رفع راية فلسطين فوق جباله وعلى سواحله، فخلت لها السّاحة لبناء مستوطناتها وتحصينها. ولم تتدخّل في الحرب الدّائرة إلّا بعد ضغوط كثيفة مارستها عليها الإدارة الأميريكيّة.

وعليه، كيف تكون المقاومة اللّبنانية، الّتي دافعت عن الكيان اللّبناني، وتصدّت لمشروع الوطن البديل للفلسطينيّين، عميلةً لإسرائيل؟

كيف يكون من رفض التّوطين وتمسّك بحقّ عودة الفلسطينيّين إلى أرضهم، عميلاً لإسرائيل الّتي تسعى إلى تهجيرهم في بقاع الأرض لتعلن دولتها؟

كيف تكون المقاومة اللبنانية خائنة إذا حُشرت بين خيار الموت او الرحيل واضطرت لشراء السّلاح من اسرائيل لتدافع عن لبنان، في حين أنّ شراء إيران السّلاح من إسرائيل في حربها ضدّ العراق يعدّ عملاً شريفاً طاهراً؟ أم أنّ تصدير الثّورة الإيرانيّة وإعلان  ولاية الفقيه يحلّل الحرام؟

أتظنّون أنّ اتّهامكم المقاومة اللبنانية بارتكاب المجازر في تلّ الزّعتر وصبرا وشاتيلا، يخجلنا؟ لا يا من تدعون أنفسكم أشرف الناس، فالمعارك الّتي خاضتها مقاومتنا كانت ضمن حدود لبنان ودفاعاً عن أرضه، في وجه محاولة احتلال وطننا قام بها ياسر عرفات، تهدف إلى تحويل وطن الأرز إلى وطن بديل، وكانت لو نجحت، أكبر خدمة يقدّمها الزّعيم الفلسطيني الرّاحل، عن معرفة أو غير معرفة، لإسرائيل، فيما التقاطع بين “القوات” وعرفات نفسه تم بعد خروج القوى الفلسطينية من لبنان وعودتها الى فلسطين في ظل مواجهة مشتركة خاضاها ضد النظام السوري، ويبقى التذكير بأن العلاقة بين منظمة التحرير و”القوات” هي من أفضل العلاقات اليوم.

فيا أبواق الممانعة والتخوين، يا من تدّعون أنّ سلاحكم هو لمواجهة إسرائيل، يا من تسبحون في دماء أطفال سوريا واليمن والعراق، لا تتفاجأوا يوم يعترف العالم بفلسطين دولة نهائيّة لأبنائها، وترفع في القدس رايات الشّكر إلى بشير وسمير، وتعلو أصوات الشّعب الفلسطيني لتشهد أنّه لو لم تتصدّى المقاومة الّلبنانيّة للمشروع الاستيطاني لما بقيت فلسطين. والأهمّ، لا تغتاظوا إذا غرّد النّاشطون الفلسطينيّون لقادة مقاومتنا ولشهدائنا: لو ما إنتو نحنا ما كنا…

Exit mobile version