كلفة الأزمة السياسية مالياً واقتصادياً… مليار دولار تدخلات المركزي و800 مليون تحويلات إلى الخارج

كتب سيمون سمعان في “المسيرة” – العدد 1639

بعد يوم واحد على إعلان الرئيس سعد الحريري تريثه من قصر بعبدا بخصوص حسم استقالته، قال حاكم مصرف لبنان رياض سلامة في افتتاح مؤتمر إتحاد المصارف العربية في بيروت إن الأسواق عادت إلى النمط الهادئ. هذا التوصيف فسّره الإقتصاديون بأنه لا يعني العودة إلى ما قبل 4 تشرين الثاني تاريخ إعلان الحريري استقالته من الرياض، بل يعني تراجع المؤشرات في شكل كبير من الذروة الخطرة التي كانت بلغتها خلال الأسابيع الفاصلة بين إعلان الإستقالة ومن ثم التريث في المضي بها. لكن هذا الإطمئنان الذي عكسته الأسواق وعودة الأمور تدريجيا إلى سياقاتها، لا يعني أن الأزمة لم تترك ندوباً بليغة على المستويات المالية والإقتصادية والنفسية، قد تتطلب وقتا أكثر بكثير مما استغرقته الأزمة التي لم تنته بعد، ولم تعالج بالطبع أسبابها، بما يشيع الجو الإيجابي المطلوب لانطلاقة بانية للثقة.

كما تفاجأت الأسواق باستقالة الرئيس الحريري وما رافقها من لغط وتشويش، فارتبكت وتدحرجت مؤشراتها، كذلك كان مفاجئا حجم الهلع الذي تركته الأزمة ومستوى الضياع الذي انتاب الناس حيالها. غير أن المراقبين لم يُعدَموا من تفسير ذلك، معتبرين أن العامل الأهم في ما حصل هو تراكم المخاوف على مدى سنوات، وتوالي الأزمات السياسية منها والأمنية على لبنان، بعد الخروج عن مبدأ النأي بالنفس وزج البلد الصغير في أتون صراعات المنطقة وهو ما لا طاقة لاقتصاده على تحمّله.

ويقول هؤلاء إن هذه الأزمات المتلاحقة وإن كانت أعطت لبنان مناعة، والقيّمين على الشؤون المالية والإقتصادية فيه، خبرة ودراية كبيرتين في التحوّط للنكسات المفاجئة والضغوط المستمرة، إلا أنها أنهكت المفاصل الإقتصادية واستنزفت القدرات الإحتياطية، فباتت أقل كفاءة في تحمّل الصدمات، لا سيما الكبيرة منها كتلك التي واجهها لبنان بعد استقالة الرئيس الحريري. فكيف تعاطت الأسواق مع الأزمة وما كانت كلفتها المالية والإقتصادية على البلد والمواطنين؟

بين الصدمة والصحوة

تسببت أزمة استقالة الرئيس الحريري في تداعيات عديدة مباشرة وعلى المدى المتوسط، منها موجة مبيعات لسندات لبنان الدولارية خلال الأسبوعين اللذين تليا الإستقالة. وسَجَّلت تكلفة التأمين على الديون اللبنانية أعلى مستوى لها منذ أواخر العام 2008، مع صعود عقود مبادلة مخاطر الائتمان اللبنانية لخمس سنوات 30 نقطة أساس لتصل خلال أيام إلى 615 نقطة أساس. كذلك شهدت الفترة المذكورة موجة إقبال على المصارف، إما لتحويل عملات إلى الخارج خوفا من تطور الأزمة، وإما لتحويل المبالغ المودعة بالليرة اللبنانية إلى عملات أجنبية لا سيما إلى الدولار تحاشيا لاحتمال هبوط سعر العملة الوطنية، أو ربما انهيارها.

إثر ذلك، اضطر مصرف لبنان إلى التدخل في سوق القطع بائعاً نحو مليار دولار أميركي لتلبية الطلب عليه. وزاد الطلب على الدولار بين المصارف نفسها ما رفع الفائدة في ما بينها الـ(“إنتربنك”)، التي تعتبر مؤشراً لتحرك الطلب على الدولار الأميركي والعملات الأخرى، من 4 في المئة إلى 8، ثم 15، ثم 35، ثم 70 في المئة وصولا إلى 120 في المئة، قبيل تراجع حدة الأزمة. وهو مستوى لم تبلغه هذه الفائدة منذ عقود.

وبالإضافة إلى الضغوط على الليرة واستنزاف موجودات مصرف لبنان، حصل ارتفاع في الفوائد على القطاعين العام والخاص، وزيادة المديونية، وضيق سبل الاستثمار. فيما بدأت “ثمار الهندسة المالية” تتراجع. فميزان المدفوعات سجل عجزاً حتى أيلول 2017 بواقع 190 مليون دولار أميركي. واستمر الوضع كذلك في تشرين الأول، وجاءت الأزمة لتضيف إلى الوضع مزيدا من الضغوط، وهو الذي غالبا ما يزداد تراجعا في مثل هذه الفترة من العام.

لكن ما ساعد في امتصاص تداعيات الصدمة، أن رئيس الحكومة أعلن استقالته ظهر يوم السبت، وكانت المصارف قد أغلقت أبوابها، وبدأت عطلة نهاية الاسبوع. وهذا ما حال دون الهلع والإقبال على المصارف مباشرة قبل استيعاب النقزة، للتحويل إلى الدولار أو إلى الخارج. لأن رد فعل الناس، فيما لو أُعلنت الاستقالة أثناء أيام الدوام الرسمي، كان سيسجل ضغطا كبيرا على المصارف وعلى البنك المركزي. ومثل هذا الهلع، كان يمكن أن يؤدي الى انهيار الليرة فعلاً، حتى من دون أن تكون هناك مبررات مالية أو اقتصادية فعلية لانهيارها. غير أن إعلان الاستقالة ظُهْر السبت، أعطى الوقت المطلوب لصدور تطمينات عن مراجع مالية، أبرزها مصرف لبنان، وامتصاص الصدمة من قبل الناس الذين ما لبثوا أن استوعبوا الواقع الجديد، وتجاوزوا مفاعيله، ولجأوا إلى التفكير الهادئ وترقّب النتائج.

حيال ذلك، يشير خبراء الإقتصاد، إلى أنه عندما يكون هناك تخبّط على المستوى السياسي تدفع السندات الخارجية الثمن من خلال إرتفاع كلفة التأمين عليها. ويعتبرون أن تلميح الرئيس الحريري إلى إمكانية العودة عن الإستقالة، وإمكان التوصل إلى تسوية للأزمة، هو بمثابة الصدمة الإيجابية الحقيقيّة، وأن هذا الأمر أدى إلى عودة التفاؤل إلى الأسواق الماليّة، وهو ما تجلى في إرتفاع سعر سندات الخزينة للعام 2024. ويشيرون إلى أن قرع طبول الحرب في بداية الأزمة أثار المخاوف في الأسواق.

ويرى هؤلاء أننا حالياً أمام استحقاق جدي ومربك، ليس بسبب مفاعيل الإستقالة، بل بسبب انسداد الأفق، وعدم اليقين حيال ما سيجري مستقبلاً. فالاستقالة كانت مجرد بداية، وما قد يأتي لاحقاً، هو ما كان يُقلق الناس. لكن المسار الذي اتخذته الأمور في الفترة الأخيرة، أشاع جوا من الإرتياح بدد جزءا كبيراً من المخاوف التي كانت قائمة، وإن كان العديد من اصحاب الرساميل والمستثمرين ما زالوا يتريثون بانتظار جلاء أكبر لمنحى الأحداث ونتائج المساعي القائمة. هذا من غير أن تبدد الهواجس المرتبطة بالتداعيات الاقتصادية، مثل تراجع الاستثمارات، وعودة الحكومة إلى الإنفاق وفق القاعدة “الإثني عشرية”، في ظل احتمال تعذر إقرار موازنة مالية عامة لعام 2018. فضلاً عن التقديرات بتراجع النمو والإستثمار، وتراجع السياحة التي سجلت في الفترة الماضية ارتفاعا من دول مجلس التعاون الخليجي وصل إلى 106 في المائة.

بعد عبور العاصفة

حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، شدد على أن “الأزمة التي يشهدها لبنان هي من طبيعة سياسية لا نقدية، ومن الطبيعي أن تتأثر السوق اللبنانية بهذه الأزمة السياسية وباستقالة الحكومة”. وأكد “استعداد مصرف لبنان وقدرته على الحفاظ على استقرار سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار. فموجودات لبنان الخارجية، سواء لدى مصرف لبنان أو القطاع المصرفي، باتت مرتفعة، والسياسة التي نعتمدها لحفظ الاستقرار ثابتة وقوية». وقال: «إن العمليات الاستباقية ساهمت في زيادة موجودات مصرف لبنان. وقد تجاوزت موجودات المصرف المركزي بالعملات الأجنبية 43 مليار دولار، ما يحافظ على سيطرته المطلقة على أسواق الصرف”.

ويقول مصدر مسؤول في البنك المركزي لـ”المسيرة”: “صحيح أن الأزمة السياسية التي يشهدها لبنان، زادت التحويلات من الليرة إلى الدولار، لكنها بقيت ضمن السقف الطبيعي في ظروف كهذه”. ونفى الحديث عن إحجام المصارف اللبنانية عن تلبية طلب المودعين تحويل أموالهم من الليرة إلى الدولار. قائلا “هناك بعض الودائع لأجل يتم دفعها في تاريخ استحقاقها، لكن البعض طلب سحب الوديعة قبل استحقاقها، فطلبت المصارف من هؤلاء الانتظار حتى تاريخ الاستحقاق، وهذا عمل مصرفي طبيعي يتعلق بتنظيم مالية المصرف وليس له أي اعتبار آخر”.

ويؤكد المصدر أن مصرف لبنان طالما كان حازما في مسألة الوقوف في وجه الإقبال المتزايد على الدولار. وهو طلب من المصارف رفع الفائدة على الودائع بالليرة اللبنانية، في تكرار لعملية رفع الفائدة إلى 10 في المئة ثم إلى 15 في المئة في الأيام التي تلت اغتيال الرئيس رفيق الحريري في العام 2005. من هنا شكل رفع الفوائد على الليرة بمعدل 7 و8 و9 في المئة تباعاً، عامل جذب ناجحا للمودع لتحويل دولاراته الى الليرة، واستيعاب شح السيولة بالعملة اللبنانية لدى المصارف. ونتيجة هذا الوضع، اكتشفت المصارف أن كلفة “الإنتربنك” عليها باتت أعلى من كلفة إغراء المودعين بإبقاء ودائعهم بالليرة.

كم بلغ حجم التدخل في الأزمة الحالية؟ يجيب المسؤول: “أن مجمل الطلب على الدولار بلغ ما مجموعه في السوق عمومًا 3 مليارات دولار بين 4 تشرين الثاني الماضي و20 منه، واستمر الطلب بوتيرة مقلقة على رغم كل الإجراءات التي بدأ مصرف لبنان تنفيذها منذ اليوم الأول للأزمة. إذ عاد الطلب بعد أيام إلى الارتفاع، مسجلاً 300 مليون دولار، فيما تبيّن أن 800 مليون دولار خرجت فعلا من لبنان”.

ويضيف أن مصرف لبنان اتخذ إجراءات لضبط الطلب على الدولار ومنع حسم السندات، وتحريك الحسابات المجمّدة قبل الاستحقاق، وفرض تسديد المبالغ فوراً لشراء الدولار. عندها لم يعد بإمكان أي مودع تحريك حساباته المجمّدة قبل استحقاقاتها التي تأتي بمعدّل مرّة كل خمسة أيام، وهو ما جعل الطلب منظّماً على فترات متقطّعة. كذلك، حاولت المصارف أن تناقش مخاطر تعويم السوق بالليرة مع ارتفاع فائدة “الإنتربنك” إلى 120 في المئة، لكن الحاكم سلامة كان حاسماً وعرض استبدال سندات الـ»يوروبوندز» التي حصل عليها من وزارة المال في العمليات الأخيرة، وهي سندات تستحق بعد 10 سنوات، مقابل استقطاب الدولار وتقديم السيولة بالليرة للمصارف. إلا أن المصارف في المجمل لم تبدِ اهتماماً بهذا الإقتراح.

خلاصات معبّرة

يقول رئيس الرابطة العالمية لخبراء الإقتصاد في لبنان وعميد كلية إدارة الأعمال والإقتصاد في جامعة الحكمة البروفسور روك-أنطوان مهنا: “إن المؤشرات الاقتصادية كافة تأثرت بالأزمة، وتراجعت التصنيفات الدولية للسندات اللبنانية. ويعتبر أن عودة الرئيس الحريري شكلت مفصلا تاريخيا لبنانيا، وتريّثه أشاع جوّاً من الارتياح الاقتصادي، فارتفعت سندات لبنان الدولارية، وارتفع إصدار العام 2027 بمعدل 1.7 سنتاً، مسجلاً أعلى مستوى في أسبوعين. كما إنخفض متوسط فارق عائد سندات لبنان السيادية الدولارية فوق السندات الأميركية، 9 نقاط أساس، مسجلاً 521 نقطة أساس، وهو أضيق فارق منذ 6 تشرين الثاني الماضي”. ويضيف “أن تكلفة التأمين على ديون لبنان لخمس سنوات، انخفضت في مؤشر إلى استيعاب الوضع”. لكنه يلفت إلى أن “لبنان الذي تؤثر عليه أية أزمة حتى لو كانت صغيرة، فإن أية مؤشرات إيجابية تنعشه على الفور، وهنا تكمن ميزته الاقتصادية”.

وقد أجمع خبراء المال والإقتصاد، على أن سوق القطع استعاد استقراره غداة عودة الرئيس الحريري إلى بيروت، وكان الطلب على الدولار شبه معدوم بحيث أن حجم الطلب عليه لم يتعد الـ 60 أو الـ 70 مليون دولار. في المقابل شهد سوق القطع بعض التحويل من الدولار الى الليرة اللبنانية، وهذا حصل للمرة الأولى منذ إعلان الرئيس الحريري استقالته من الرياض، في مؤشر إلى عودة الأمور تدريجا إلى مسارها الطبيعي. والمعلوم أن نسبة 33 في المئة من الودائع هي بالليرة اللبنانية وقيمتها 57 مليار دولار، و67 في المئة ودائع بالدولار الاميركي بقيمة 116 مليار دولار.

رئيس مديرية الأبحاث في بنك بلوم إنفست مروان مخايل، قال لـ”المسيرة” إنه “يمكن القول اليوم إن الأسواق قد تخطت الأزمة وإنْ كانت بعض ذيولها ما تزال ماثلة، إلا أن بعض العمليات تتطلب فترات أطول لتعود إلى وضعها السابق”. وعلى خلاف بعض المتخوفين، أكد مخايل أن “هناك استحقاقات مقبلة على لبنان ذات مؤشرات إيجابية، منها قرب تحقيق انعقاد مؤتمر باريس 4 الذي سيساعد لبنان على تخطي العديد من المضائق”. وفيما أشار إلى أن تكلفة التدخل لتثبيت الليرة بلغت حوالى الملياري دولار، قال إن “هذا الأمر لا يمكن اعتباره خسارة، بل ربما يشكل ربحا عند إعادة التحويل من الدولار إلى الليرة. لكن تبقى هناك كلفة على الإقتصاد نظرا إلى رفع الفوائد على الليرة وتراجع الإستثمارات”. ولخّص مخايل المشهد بـ”أن تأثير الأزمة كان محدودا، فعلى المدى القصير تم تسجيل ارتفاع الفوائد على الليرة، وارتفاع الكخاطر على السندات اللبنانية في الخارج وانخفاض سعرها، وتراجع بورصة بيروت، وتراجع تصنيف لبنان الإئتماني. وعلى المدى الأبعد هناك مسألة العلاقات مع الدول الخليجية حيث يُنتَظر أن تتراجع السياحة وبعض مؤشرات الإقتصاد”.

في المحصّلة، يخلص الإقتصاديون إلى أن للبنان مناعة قوية تجاه الأزمات، لكن هذا لا يعني أنه لن يتأثر باستمرار اللعب بأمان اللبنانيين وأمنهم الإقتصادي والوطني، والعبث بعلاقات لبنان العربية ومصالحه الخارجية لمآرب خاصة ومشاريع إقليمية. فمن يُنكِر أن الأزمة الحالية وقبلها العديد من الأزمات الوطنية والحروب العسكرية والعقوبات الدولية التي تهدد الإقتصاد اللبناني، ليست ناجمة عن تمادي “حزب الله” في مشاريع لا علاقة للبنان واللبنانيين بها؟!

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل