شروط نجاح التسوية.. هل طويت استقالة الحريري؟

كتب نجم الهاشم في افتتاحية “المسيرة” – العدد 1640:

لا يمكن أن تطبق التسوية إلا بشروط يجب أن تتوفر من أجل تحصينها وتنفيذها. فهذه الصيغة كانت موجودة عند تشكيل الحكومة وقبل ذلك عندما تم التوافق على انتخاب العماد ميشال عون رئيسًا للجمهورية ولكن عدم التزام «حزب الله» بها جعلها تترنح الأمر الذي أدى إلى استقالة الرئيس سعد الحريري ثم تريُّثه ثم عودته عن الإستقالة بعد البيان الوزاري الثاني في 5 كانون الأول الحالي. فهل هذا البيان يطبق لوحده أم أن التوازن الجديد داخل مجلس الوزراء هو الذي سيفرض تطبيقه؟ وبالتالي هل إن استقالة الرئيس سعد الحريري طويت نهائيًا أم إنها لا تزال ورقة قابلة للإستخدام في حال ثبت أن «حزب الله» سيتجاوز هذه التسوية مرة ثانية؟

من الأساس هذا ما كانت تطالب به «القوات اللبنانية»: «التزام  الحكومة اللبنانية بكل مكوّناتها السياسية النأي بنفسها عن أي نزاعات أو صراعات أو حروب أو عن الشؤون الداخلية للدول العربية، حفاظا على علاقات لبنان السياسية والاقتصادية مع أشقائه العرب». وربما هذا ما يفسر الحملة التي تم شنها على «القوات» من أجل عزلها، وبالتالي تجاوز مسألة العودة إلى التسوية الأساسية التي تم الإتفاق عليها وليس إلى ما كان يتم التغاضي عنه في مجلس الوزراء.

ربما في هذا المجال يمكن العودة أيضًا إلى ما أعلنه الوزير مروان حماده في جلسة العودة عن الإستقالة عندما أكد التزام التسوية الجديدة مشترطاً التزام الإتفاق الذي تم التوصل إليه وعدم إلحاقه بالاتفاقات والتفاهمات والتسويات المهدورة، داعيًا الى طرح موضوع السلاح وسبل استيعابه، وأن يكون النأي بالنفس خروجًا من الصراعات الإقليمية وجودًا وتسليحًا وتدريبًا وتحريضًا، متمنيًا أن يشمل البيان إعلان بعبدا ونقاط جدول الأعمال الذي حدده أساسًا الرئيس نبيه بري لطاولات الحوار.

ليست التسوية قابلة للتطبيق لوحدها. ولا يمكن الإتكال فقط على أن «حزب الله» سيلتزم بها تلقائيًا لأنه ليس من السهل على الحزب أن ينأى بنفسه عن أزمات المنطقة والصراعات مع عدد من الدول العربية طالما هو منخرط في هذه المواجهات وشريك فيها. لأنه أيضًا إذا تركت المسألة على عاتقه من دون أن تكون هناك ضوابط ولا رقيب أو حسيب فإنه سيبقى مرتاحًا في اختراق السقف الذي تم تحديده، ولذلك فإن الضمانة يمكن أن تبقى في إبقاء ورقة استقالة الرئيس سعد الحريري موضوعة على الطاولة من أجل استعمالها عند عدم التزام الحزب بالنأي بالنفس وبذلك تبقى المسألة متعلقة بالأسباب التي قدمت من أجلها هذه الإستقالة وقال عنها الرئيس الحريري إنها كانت محاولة لإحداث صدمة إيجابية.

لقد وضعت «القوات اللبنانية» إصبعها على الجرح من خلال ما كانت تطالب به للإلتزام بالنأي بالنفس. ولذلك يجب أن يكون تاريخ جلسة العودة عن الإستقالة موعدًا مع بدء مرحلة جديدة لا عودة إلى مرحلة ما قبل 4 تشرين الثاني تاريخ تقديم الإستقالة كما يرغب ربما «حزب الله» من خلال الترويج أن الوضع عاد إلى ما كان عليه قبل ذلك التاريخ.

 

من هذه الخلفية التي حاولت الضغط على «القوات» تم إطلاق اتهامات كثيرة ضدها لثنيها عن الإستمرار في التركيز على ضرورة تصويب مسار الحكومة والإلتزام باتفاق الطائف والقرارات الدولية التي يقع لبنان حتما تحت تأثيراتها ومفاعيلها وهو مضطر حكمًا أيضًا إلى تطبيقها والإلتزام بها. ومن هذا المنطلق تأتي عودة الحكومة إلى العمل تحت هذا العنوان أيضًا لأنه لا يمكن القفز فوق هذه القرارات، خصوصًا على ضوء ما يجري من تسويات في المنطقة. ولذلك وبعد اطلاعه على مضمون التسوية الجديدة طلبَ الدكتور سمير جعجع من وزراء «القوات» تأييدَ مضمونها المرتكز الى مجموعة عناصر ومسَلّمات تتّصل بالقرارات الدولية والشرعية العربية و«إتفاق الطائف» والدستور اللبناني و«خطاب القسم»، وهي مجموعة نصوص مرجعية تشكّل في حدّ ذاتها ضمانَ التنفيذ.

ولذلك فقد انتفت الأسباب الموجبة للإستقالة مع مضمون هذا النص المرجعي الذي يؤكّد الإلتزام بسياسة «النأي بالنفس»، وبذلك تكون الإستقالة قد حقّقت هدفَها، وتأكّد أن «القوات» كانت على حق في ما ذهبت إليه من اللحظة الأولى، عندما ركزت على جوهر الإستقالة وأسبابِها لأنّ الحملة عليها كانت من أجل تأمين العودة إلى خط 4 تشرين الثاني، فيما نجحت عبر تركيزها على جوهر الإستقالة في نقلِ لبنان من هذا الخط الى مرحلة جديدة، وبالتالي فإنّ الإستقالة أخرَجت لبنان من هذا الخط، وما تحقّقَ كان انتصاراً للبنانيين لأنّ توريطَ لبنان في نزاعات المنطقة ينعكس سلباً عليه.

لذلك يمكن القول إن جوهر التسوية الجديدة ليس العودة إلى الوضع الذي كان قائمًا قبل الإستقالة بل الدخول في مرحلة جديدة من مصلحة «حزب الله» فيها أن يبقى ملتزمًا بها، خصوصا في ظل التركيز الدولي على ضمان نجاحها وتجاوز المرحلة السابقة، وفي ظل التشديد على أنه ليس في كل مرة تسلم الجرَّة. فالوضع اليوم لا يشبه ما كان عليه قبل 7 أيار 2008 عندما وجد الحزب نفسه قادرًا على شن حرب داخلية وفرض تسوية الدوحة، ذلك أن التركيز اليوم منصبّ على دوره من سوريا إلى العراق واليمن، وعلى إيجاد التسويات الكبرى في المنطقة خصوصًا في سوريا حيث سيكون على الحزب أن يواجه الإتفاق الذي يرسم بين موسكو وواشنطن ويحدد مصير النظام السوري ومصير سوريا ومصير الأسد في ظل الحديث عن دستور جديد يرتكز على التعددية والمناطقية والإعتراف بحقوق الأقليات، وهذا الأمر سيطرح على الحزب مسألة أن يبقى في سوريا أو مواجهة قرار الخروج من اللعبة هناك.

ولذلك فإن «حزب الله» قد يصبح بحاجة إلى العودة إلى سقف التسوية وخطاب القسم لأنه في النتيجة سيكون أمام خيار البحث عن حل لسلاحه عندما تنتفي الحاجة إليه وهذا الحل لا يمكن أن يمر إلا من خلال الدولة القوية والقادرة. وإذا كان الحزب يعتبر أن وجود الرئيس عون في رئاسة الجمهورية ضمانة له فإنه ليس من مصلحته أن يعرقل العهد والحكومة من خلال الإصرار على تجاوز التسوية وإسقاط النأي بالنفس والتصرف وكأن الكلام الذي كتب في بيان العودة عن الإستقالة ليس إلا مجرد حبر على ورق. وحتى يبقى الحزب تحت هذا السقف لا بد من أن تبقى ورقة الإستقالة قيد التداول على قاعدة إن عدتم عدنا.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل