
يقول القديس توما الاكويني “ان حرية الانسان مضمونة بمقتضى حكم العقل الذي وحده يقدر المواقف وينوع الحلول ويقاوم الرغبات ويحدد سبل الخير”.
من خلال هذا القول العريق والعميق حول الحرية نرى “القوات اللبنانية” اليوم في المعادلة الوطنية والحكومية، ترتضي لنفسها وانسجاماً مع تاريخ تضحياتها من اجل لبنان أن تتلقى السهام من القريب والبعيد، لا لشيىء الا لانها كانت على الدوام وستبقى ملتزمة بحكم العقل الحاضن لحريتها.
فالحرية التي تتمتع بها “القوات اللبنانية” في مواقفها الوطنية ليست وليدة لحظتها ولا تكتيك قيادتها، بل هي خيار استراتيجي اتخذته منذ اليوم الاول لنشأتها ايام الحرب الاهلية السيئة الذكر.
والحرية كخيار استراتيجي تعني فيما تعنيه، الاستمرار والمقاومة والصمود امام التحولات والانقلابات والمؤامرات والالتفافات.
فيوم قرر بشير الجميّل خوض النضال من اجل الحرية والسيادة والاستقلال، لم يأت قراره نتيجة نزوة او شهوة، بل نتيجة ايمان راسخ بلبنان حر على صورة احراره وتاريخه الحر، الذي دحرج حجر الجهالة والخيانة والتبعية والانبطاحية والارتهان.
ويوم قرر الدكتور سمير جعجع خوض النضال السياسي والوطني من أجل الحرية والاستقلال والسيادة لم ياتِ قراره نتيجة حسابات شخصية او فئوية بل في سياق استراتيجية النهوض بلبنان حر وسيد ومستقل، فكان اول القرارات التاريخية الايمان بالدولة وبالعيش المشترك عام 1990، فانخرط في اتفاق الطائف وحلّ “القوات اللبنانية” وسلّم السلاح للدولة في وقت كانت “القوات اللبنانية” هي الاقوى عسكرياً والاقوى جيو-سياسياً والاقوى سوسويلوجياً في مجتمعها لا بل في لبنان.
ويوم انقلب عليه الطائف وادخل المعتقل ومعه ادخل المسيحيون الاحرار، استمر… ومعه استمرت “القوات اللبنانية” بايمان راسخ بالحرية التي تحرر النفوس والقلوب والعقول من براثن التبعية والخوف والالتحاق والالحاق والخضوع.
ويوم خرج من معتقل الاحتلال والوصاية والاخضاع والترهيب وخرجت معه ليس فقط “القوات”، بل قضية الوطن الحر برمتها من معتقلها، كانت فاتورة الحرية قد سددت بالكامل عن “القوات اللبنانية” وعن لبنان كله، فاستحقت ان تصبح حارسة الحرية وحارسة الجمهورية الجديدة التي انطلقت بشراراتها في آذار 2005…
واليوم وأمام القوة السياسية والوطنية والحصانة اللبنانية التي باتت تتمتع بها “القوات اللبنانية” واستمرار نضالها من أجل الدولة الحرة والسيدة والمستقلة، تجد “القوات” نفسها وككل مرة سباقة الى السمو، حتى يكاد من يتحالف معها يتعب من اندفاعيتها ونظافة مقاصدها واساليبها، فتتحول المعادلات من حولها، لكن هي تبقى هي هي… في خط بياني سيادي حر لا يتزعزع بأن لبنان وطناً نهائياً لجميع أبنائه عملاً وفعلاً وتضحيات، لا اقوالاً وتصاريح ومواقف علنية فارغة من مضامينها…
ولانها كذلك وستبقى كذلك، تُرشق كالشجرة المثمرة، تارة من القريب وطوراً من البعيد، وهو الثمن الجديد الذي تُدعى لتسديده ثمن حريتها وثمن نظافة مقاصدها.
ثمن الحرية باهظ… لكن لبنان الدولة السيدة والحرة والمستقلة يبقى الاغلى لا بل لا يقارن بثمن – وكما يقول ” كارل ماركس ” افكار البشر نتاج الواقع فلا يمكن تغييرها الا بالانقلاب على هذا الواقع وتغييره – فها هي القوات اللبنانية اخذت على نفسها الالتزام والوفاء لافكارها مهما حاول البعض تغييرها او الانقلاب عليها والالتفاف عليها لا بل التأمر ضدها … لانها تؤمن وستظل تؤمن بما قامت من اجله في لاهوتها الوطني المثلث الاضلاع : ارض وحرية وايمان .
ثمن الحرية باهظ … والقوة في “القوات اللبنانية” هي عدم الانحناء وعدم التراخي وعدم المسايرة في المبدئيات والثوابت الوطنية والأدلة على ذلك كثيرة.
نظافة واستقامة وكرامة قوام حريتها… فهي التي تسير ومن يلحق بها مرحب به ومن يتعب منها له الخيار.
ففي اعمار الامم والشعوب كل الحسابات الضيقة تسقط لتبقى حقيقة واحدة لا تتبدل: لبنان .