
نحنا هنا – كتب رئيس جهاز الإعلام والتواصل في حزب “القوات اللبنانية” شارل جبور في المسيرة عدد 1640:
عرضت “القوات اللبنانية” في الأسابيع الأخيرة لحملة شعواء بسبب موقفها المتمسك بمضمون استقالة الرئيس سعد الحريري، هذا التمسك الذي حال دون العودة إلى خط الرابع من تشرين الثاني، الأمر الذي أزعج الطرف الذي كان يريد إبقاء الوضع على ما كان عليه، فشن حملة على “القوات” معتقدا ان بإمكانه إسكاتها والنيل منها.
ولم يكتف هذا الطرف بهذا القدر، بل ذهب بواسطة مطابخه إلى حد تذكير “القوات” بتسعينات القرن الماضي، وبالتالي ملوحا صراحة ومواربة بانه قادر على إعادة الزمن إلى الوراء، الأمر الذي تم وضعه في إطار التهديد والترهيب، ولكنه غير قابل للترجمة لثلاثة أسباب أساسية:
السبب الأول من طبيعة دولية: إقرار اتفاق الطائف تم برعاية دولية وإقليمية، ولكن عدم تطبيقه في لحظة إقراره أدى إلى انشغال العالم بأحداث أخرى وفي طليعتها الحرب العراقية-الكويتية التي دفعت واشنطن إلى مقايضة دخول سوريا الأسد ضمن التحالف الدولي ضد العراق ورئيسه صدام حسين بمنحها لبنان جائزة ترضية، فضلا عن ان كل التحضيرات كانت على قدم وساق لإطلاق المفاوضات العربية-الإسرائيلية التي تتطلب ان يكون الوضع في لبنان تحت السيطرة، فقدمت سوريا الأسد نفسها لقيادة هذه المهمة وأغرت واشنطن بانها ليست بعيدة عن توقيع معاهدة سلام من أجل إطلاق يدها في لبنان.
فضرب “القوات اللبنانية” في تسعينات القرن الماضي تم إذاً في مرحلة تخلٍّ دولي عن لبنان، بل أكثر من ذلك في ظل تكليف بالحد الأقصى وغض نظر في الحد الأدنى للإطباق السوري على لبنان، الأمر غير القائم اليوم لا على مستوى تكليف ولا غض نظر حيال “حزب الله” للإطباق على الوضع اللبناني، إنما على العكس تماماً حيث ان “حزب الله” في عين العاصفة اليوم لا “القوات”، إن لجهة العقوبات الأميركية ضده، او لناحية الطلاق العربي والخليجي تحديدا معه، فيما “القوات” تحظى باحترام عربي ودولي غير مسبوق.
وفي موازاة هذا كله لبنان غير متروك لقدره ومصيره كما كان عليه الوضع إبان زمن التسعينات، بل الرعاية الدولية لوضعه تكاد تكون غير مسبوقة لأربعة أسباب: حرصا على اللاجئين، قطعا للطريق أمام أي حرب لبنانية-إسرائيلية، عدم تمدد الحرب السورية ورفض تسليم لبنان لإيران.
السبب الثاني من طبيعة إقليمية: محاصرة البعث العراقي في مطلع التسعينات أدت إلى إطلاق يد البعث السوري في لبنان والمنطقة، وبالتالي استفاد النظام الأسدي من عاملين أساسيين: تكليف أميركي وغياب التوازن الإقليمي ضده، فيما الوضع اليوم في المنطقة مختلف تماماً، إن لجهة غياب تكليف أميركي لطهران بالهيمنة على لبنان، بل كل الضغوط الأميركية تتركز على إيران لتقليص دورها ونفوذها، او لناحية وجود توازن إقليمي فعلي تقوده المملكة العربية السعودية في مواجهة طهران في كل الساحات العربية ومن ضمنها لبنان، وبالتالي ما كان يصح إقليميا في الزمن الماضي لم يعد يصح اليوم.
السبب الثالث من طبيعة محلية: يمكن الإضاءة في هذا السياق على عاملين أساسيين: العامل الأول ان “حزب الله” لا يمكنه الحلول مكان الاحتلال السوري، وقد أثبتت الوقائع ذلك سيما ان الحزب هو مكون داخلي في نهاية المطاف، ويستحيل لطائفة ان تهيمن على الطوائف الأخرى وفي لحظة صراع سني-شيعي وسعودي-إيراني.
العامل الثاني ان وضع مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية والقضائية اليوم يختلف عن زمن التسعينات، وحتى المقارنة لا تجوز.
العامل الثالث ان الوضع السياسي مختلف تماماً بين مرحلة لم تكتمل فيها المصالحة وتشهد احتلالا سوريا، وبين مرحلة تلعب فيها “القوات” دورا وطنيا محوريا ولديها تحالفات عابرة للطوائف وتمثيل سياسي واسع ومؤثر.
وتأسيسا على كل ما تقدم، فإن زمن التسعينات ولّى إلى غير رجعة للأسباب المشار إليها دوليا وإقليميا ومحليا، فضلا عن ان الشمس طالعة والناس قاشعة لجهة ان “القوات” تشكل الرافعة الأساسية لمشروع الدولة، فيما من يتمسك بسلاحه لحجج واهية يشكل الرافعة الأساسية لمشروع الدويلة الذي يفتقد إلى الظروف الخارجية والداخلية التي تتيح له التحكم بمفاصل الحياة السياسية اللبنانية.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]
