#adsense

فادي سعد… من غرفة العمليات إلى البرلمان

حجم الخط

كتبت جومانا نصر في مجلة “المسيرة” العدد – 1640:

هو الأمين العام السابق لحزب «القوات اللبنانية»، والمرشح عن المقعد الماروني في منطقة البترون. لكن قبل هذين المنصبين اللذين استحقهما بجدارة، هو المناضل القواتي الذي وقّع على سيرة نضاله في تاريخ المقاومة المسيحية قبل أن يتجاوز سن الثالثة عشرة، وهو أيضا الطبيب الجراح المتخصص في جراحة العظام. هو الدكتور فادي سعد الذي لم تنكفئ صورته ولا مسيرته النضالية في حزب «القوات اللبنانية» في كل المراحل، وعندما يعود إلى تلك السيرة من مسيرة نضالاته الحزبية في زمن الحرب كما في السلم يصلك الجواب على سؤال ربما طرحته الغالبية في السر والأقلية في العلن: «لماذا الدكتور فادي سعد عن المقعد الماروني في منطقة البترون؟».

الجواب قرأناه في سطور سيرته التي يرويها على صفحات «المسيرة». لكن ثمة الكثير الكثير من السطور التي ستبقى محفوظة بالأمانات، وأخرى محفورة في ذاكرة المناضل في حزب «القوات اللبنانية» أولا وآخرا، والطبيب ثانيا، والأمين العام السابق للحزب الذي رشحه عن المقعد الماروني في منطقة البترون ثالثا، ورابعا وليس آخرا سعادة النائب الذي سيحمل المبضع إلى برلمان الشعب لإعادة تقويم الكسور في هيكلية الوطن وتلبية نداء أبناء منطقة البترون وسواها.

في بلدة الحدث ولد فادي سعد بعدما انتقلت عائلته إليها بحكم وظيفة والده في مؤسسة إدارة حصر التبغ والتنباك (الريجي) وذلك في العام 1965. وما كاد إبن منطقة البترون في الهوى والجذور يبلغ سن العاشرة من عمره حتى اندلعت الحرب اللبنانية وكانت كفيلة في أن تنقل كبير العائلة المؤلفة من شابين وفتاة إلى مقلب آخر من الحياة، مقلب لا يمت إلى حياة المراهقين في مثل عمره بصلة ولا إلىشباب يحلم ويخطط للمستقبل خارج حدود المتراس. نعم المتراس. فتلميذ مدرسة الحكمة ما كان يتصور نفسه جالسا في غرفته حاملا الكتاب في يد وفي الأخرى فنجان قهوة أو شاي ساخن في حين هناك شباب مقاومون ينامون في المتاريس التي كانت تبعد عن منزل العائلة نحو 100 متر غير آبهين بالبرد أو الحرارة، ومستعدون للتضحية بحياتهم لنبقى ويبقى الوجود الحر على أرض هذا الوطن.

في عمر 12 عاما انتسب فادي سعد إلى حزب الوطنيين الأحرار ونال بطاقته الحزبية عام 1977: «أذكر هذا اليوم بأدق تفاصيله. كنت أشعر بفخر وسعادة كبيرين. ذاك اليوم أقسمت اليمين في فرقة «أشبال الأحرار» في باحة المعهد الأنطوني. ومن حينه شعرت أنني دخلت عضويا حياة النضال والمقاومة المسيحية فكنت أنضم كل ليلة إلى مجموعة الرفاق على جبهة الحدث للحراسة وحماية أبناء المنطقة وناسنا».

عندما أنهى فادي سعد المرحلة الدراسية أختار أن يكون طبيبا. لم يلق خياره أي اعتراض عند الأهل. فتسجل في جامعة القديس يوسف في المتحف من دون أن يغيب عن ساحات النضال فكان يؤمن دوام الحراسة في الثكنات العسكرية وعلى الجبهات ليلا ويتوجه إلى مقاعد الجامعة نهارا. لكن تزامنا كان المشهد النضالي على الأرض يأخذ طابعا قواتيا مختلفا مع تسلم الرئيس الشهيد بشير الجميل قيادة «القوات اللبنانية». وفي العام 1987 انتسب إلى جهاز الصحة العسكرية ويروي: «كنت في السنة الرابعة طب فقررت الإنتساب ضمن مجموعة من الأطباء الميدانيين وكانت مهماتنا معالجة الجرحى وإنقاذ المصابين مما تطلب وجودنا على الجبهات وهكذا تحولت إلى طبيب ميداني ومناضل في آن معا».

أحلام الشباب التي كان يفترض ان يعيشها الدكتور سعد كما سواه من الزملاء الأطباء لجهة التخصص ومزاولة المهنة بشكل طبيعي تحول مسارها وباتت مصوبة نحو الجبهات والمستشفيات الميدانية. مع ذلك كان يشعر أنه يحقق كل أحلامه لأن الهدف كان واضحا منذ سن المراهقة: الدفاع عن وطنه ولاحقا إنقاذ المصابين ومعالجة جرحى الحرب على رغم كل التداعيات التي كادت أن تنهي مشوار عمره على الأرض ويروي: «في العام 1990 كنا مجموعة من الأطباء والمسعفين في وحدات الإسعاف في المجلس الحربي وكنا نعمل على معالجة الجرحى الذين يتم نقلهم من ساحات القتال. لكن صعوبة تأمين وصولهم أدت في غالبية الأحيان إلى وفاة مدنيين ورفاق على رغم إصاباتهم غير القاتلة، وفي بعض الأحيان كان يتحول المسعفون إلى جرحى أو شهداء بسبب تعرضهم لرصاص القنص خلال نقل الجرحى إلى المجلس الحربي. إنطلاقا من هذا الواقع انتقلت مع طبيبين من الرفاق ومسعفَين إلى منطقة عين الرمانة على رغم قرار القيادة الحزبية بعدم التواجد في هذه البقعة الجغرافية لضرورات أمنية، واستحدثنا مستشفى ميدانيا داخل مبنى مستشفى سيدة لورد لمعالجة الجرحى والمصابين. لكن تمت محاصرتنا من قبل مجموعات عسكرية وبقينا على هذه الحال حوالى الشهر إلى أن تمكنا من تأمين عملية انسحابنا من المستشفى مع الجرحى».

أحلام الطبيب المناضل في صفوف «القوات» كانت تسري في عروقه لكنه في كل مرة كان يواجه بواقع مضاد ويروي: «في العام 1990 كان مقررا أن أسافر مع أربعة أطباء  إلى الولايات المتحدة الأميركية لمتابعة تخصصنا على أن نؤسس بعد عودتنا مستشفى خاص تابع لحزب «القوات اللبنانية» في منطقة ضبية ويتم توسيع الشبكة لاحقا لتشمل مناطق لبنانية أخرى. لكن شرارة حرب التحرير قتلت هذه الأحلام في مهدها وأتت بعدها حرب الإلغاء فتغيّر المسار. وبدلا من الولايات المتحدة استقل الدكتور فادي سعد الطائرة المتوجهة إلى باريس ليتابع تخصصه في مجال جراحة العظام. لكن الطبيب المناضل لم يتخل عن مبضع النضال فحمله إلى مقاعد الدراسة في فرنسا ومن هناك بدأ يواكب الأحداث على الساحة القواتية لا سيما بعد اعتقال رئيس الحزب الدكتور سمير جعجع: «عندما وصلت إلى فرنسا عام 1990 تواصلت مع مكتب «القوات» في باريس لمواكبة مرحلة ما بعد الطائف. لكن اعتقال الدكتور سمير جعجع كان بمثابة الضربة القاسية. واستكمالا للدور الذي كان يلعبه قواتيو الإنتشار ومنهم «قوات» فرنسا حاولنا أن نساعد قدر المستطاع الرفاق الذين كانوا يصلون تباعا من لبنان إما هربا من موجة الإعتقالات والتنكيل بشباب «القوات» أو الطلاب الذين كانوا يقصدون الجامعات الفرنسية. وساعدنا في ذلك العلاقة الوطيدة التي أسسها «قوات» فرنسا مع وزارة الخارجية الفرنسية. فكنا نعمل على تثبيت إقامتهم في شكل شرعي وتسجيل الطلاب في الجامعات والمعاهد الفرنسية بالإضافة إلى التحركات التي كنا نقوم بها في الخارج للمطالبة بإطلاق سراح الدكتور جعجع على أكثر من خط ديبلوماسي».

في أيلول 1995 تخرج الدكتور فادي سعد بثلاث شهادات في اختصاص جراحة العظم، وكان يفترض أن يتسلمها في تشرين الثاني. لكن الطبيب المناضل فضّل أن يعود إلى وطنه على رغم كل الفرص التي فتحت أمامه في فرنسا ومنها تسلم منصب نائب رئيس قسم في إحدى أكبر المستشفيات في العاصمة باريس. وضبَّ حقيبته، استقل الميتر، و وتوجَّه نحو مطار باريس ليعود إلى الوطن ويعالج جروحاته وأوجاع ناسه وأهله. وطلب من إدارة الجامعة التي أنهى فيها تخصصه إرسال شهاداته إلى لبنان بواسطة البريد. فكان له ما أراد.

عندما وصل الدكتور فادي سعد إلى لبنان كانت مفاعيل الإحتلال السوري تطبق على كل مفاصل الوطن وتحديدا مناصري «القوات اللبنانية». في عقله الباطني كان يدرك ان ثمة الكثير الكثير من الضغوطات التي سيواجهها إنطلاقا من الوقائع والسيناريوهات التي كان يتلمسها من القواتيين الذين لجأوا إلى فرنسا خلال فترة تخصصه. لكن الواقع على الأرض كان أكثر سوداوية. مع ذلك أصر على متابعة مسيرة النضال وتعرض لمضايقات بتهمة تنظيم لقاءات واجتماعات مع مجموعات من الشباب المنتسبين إلى حزب سياسي منحلّ.

حصل ذلك على رغم صفته كطبيب ومزاولته المهنة في مستشفيات عديدة. وبعد كل جولة مضايقات على خلفية لقاء على غذاء أو عشاء مع قواتيين كان يُطلب منه التوقيع على تعهد بعدم التعاطي في الشأن السياسي. وفي كل جولة مماثلة كان يضطر الطبيب الجراح إلى تأخير مواعيد العمليات الجراحية أو إلغائها وتحويلها إلى أحد الزملاء في المستشفيات التي كان يناوب فيها ومنها مستشفى أبو جودة والدكتور سعيد والسان جورج في الحدث ومستشفى البترون والسان لويس في جونيه.

على هذا الجدول النضالي أكمل الدكتور فادي سعد مسيرة حياته المهنية والنضالية، وفي كل مرة كان يواجه جولة من المضايقات كان يعالجها بعملية جراحية بسيطة ليخرج بعدها من مكتب المحقق إلى غرفة العمليات ومنها إلى اجتماعات مع مجموعات من القواتيين كانت تتعاطى في الشأن الطبي والنقابي لا سيما عشية موعد الإنتخابات في نقابة الأطباء، ويقول: «استمريت على هذه الحال في انتظار لحظة الفرح الكبير. كنَّا عم نشتغل تا نوصل لهاللحظة وبقينا حاملين الشعلة… إلى أن أضأناها في تموز 2005».

في العام 1997 قرر الدكتور فادي سعد تأسيس جمعية لخدمة المجموعات القواتية ضمن إطار رسمي لكنه جوبه بالرفض: «كنت عم بشتغل على نظام الجمعية فجأة بتلقى إتصال من ضابط صديق بسلك الأمن العام. بروح لعندو وبيقللي حرفيا وبكل محبة « ما تحلم تحصل على علم وخبر لتأسيس هالجمعية واعتبر إنو ما فكرت بهالمشروع».

ثمة الكثير من الهواجس التي عاشها الدكتور فادي سعد خلال فترة اعتقال الدكتور سمير جعجع، هواجس كادت أن تطفئ شعلة لحظة الفرح، وتغرقه في دوامة الصراعات والأحقاد. لكن الطبيب الجراح المناضل قرر أن يكون حيث قناعاته والتزاماته، ولم يتردد في إجراء عمليات بتر لوقف تمدد التقرحات الحاصلة داخل المجتمعات الضيقة وكان يدرك أن مرجعية «القوات» خلال فترة اعتقال الدكتور جعجع واحدة وهي ممثلة بزوجته النائب ستريدا جعجع التي كانت الشريان الحيوي الوحيد الذي يربط بين معتقل الدكتور جعجع والشارع القواتي. والطبيب الجراح الذي يتقن كيفية ضبط مشاعره أمام مرضاه قرر أن يشرح تلك الحالة، لا بل اللحظة التي عاشها بعد خروج الدكتور سمير جعجع من الإعتقال بالتالي: «بس طلع الحكيم من الحبس حسيت إنو الشيخ بشير الجميل ما مات. المفاجأة كانت أكبر من توقعاتي لهاللحظة اللي كنت ناطرا».

عندما صعد الدكتور فادي سعد إلى الأرز لتهنئة الدكتور جعجع بخروجه إلى الحرية استعاد ذكرى اللقاء الأول معه ويروي: «أول مرة التقيت بالحكيم كان في العام 1988. كنا مجموعة طلاب جامعيين من كليات الطب والهندسة والمحاماة والعلوم السياسية وكان الدكتور جعجع عم بيحضر لخلق نواة حزب سياسي بيضم مجموعات من اتحاد الشباب المسيحي على أن يكون رديفا للحزب العسكري. وكنا نعقد اجتماعات وجلسات دورية لهذه الغاية مع الدكتور جعجع وكنت من ضمن الفريق الضيق والمقرب منه».

في العام 2006 تلقى الدكتور فادي سعد اتصالا: «الدكتور جعجع بدو يشوفك بالأرز». وكانت المرة الثانية التي يلتقيه بعد خروجه من الإعتقال لكن المشهد هذه المرة كان مختلفا. «كان بلش الحكيم إعادة تنظيم العمل الحزبي داخل المناطق. كان لقاء خاص. حكينا بأمور كتيرة بتتعلق بالتاريخ المسيحي والوضع القواتي واسترجعنا ذكريات كتيرة. بعد 3 ايام بيدقولي، بطلع ع الأرز وتركز اللقاء مع الحكيم على منطقة البترون. بس خلصت الجلسة بيقللي بدي اياك تستلم منطقة البترون وكنت أول منسق بيتعين بعد خروج سمير جعجع من الإعتقال».

خلال فترة تسلمه مهام منسقية منطقة البترون عمل الدكتور سعد على إعادة تنظيم الهيكلية القواتية بهدف خلق نموذج تنظيمي ليصار إلى تعميمه على باقي المناطق «وهون ما فيني إلا إنو إعترف بإنو نجحنا بقسم وفشلنا بقسم آخر». أما النقطة الإيجابية التي سجلت خلال تلك الفترة فتمثلت في التحضير للإنتخابات النيابية عام 2009 حيث خاضت «القوات اللبنانية» المعركة بمرشحها النائب أنطوان زهرا وحققت فوزا بفارق كبير في عدد الأصوات.

عام 2012 انتقل الدكتور فادي سعد من إطار النضال المهني والحزبي إلى النضال الإداري من خلال تعيينه أمينا عاما لحزب «القوات اللبنانية» بعد استقالة عماد واكيم الذي كان يتحضر لخوض معركة الإنتخابات النيابية عن المقعد الأرثوذكسي في بيروت. وعلى رغم التزاماته الحزبية وتسلمه مهام الأمانة العامة في الحزب استطاع أن يؤمن التوازن بين مسيرته المهنية كطبيب جراح وحياته العائلية (تزوج عام 1991 من الدكتورة غادة شبابي وله ولدان جو 24 عاما ويارا 21 عاما). «الصورة عندي كانت واضحة ضمن مثلث العيلة والمهنة والحزب. وكنت إعتبر إنو أي خلل بيصيب ضلع من هالمثلث راح يأدي لخلل بكل أضلعه».

عام 2016 قدم الدكتور سعد استقالته من الأمانة العامة لحزب «القوات اللبنانية» يقينا منه بضرورة إدخال عصب جديد ومضاعفة الإنتاجية إلى المركز الذي شغله مدة 4 أعوام. وقبل تسلم الأمينة العامة الدكتورة شانتال سركيس منصب الأمانة العامة استمر الدكتور سعد في تصريف الأعمال وكان يُكلّف من قبل الدكتور جعجع بمهمات تتعلق في الشان السياسي. وبعد إعلان النائب أنطوان زهرا عزوفه عن الترشح في الإنتخابات النيابية وبعد اتباع آلية المشاورات على مستوى الهيئة التنفيذية ورؤساء المراكز والمسؤولين الحزبيين أعلن الدكتور سمير جعجع ترشيح الدكتور فادي سعد عن المقعد الماروني في منطقة البترون.

من النضال الحزبي والمهني والإداري إلى السياسي هل سيصيب الخلل أضلع المثلث الذي رسمه الدكتور سعد؟ يجيب: «المثلث ما راح يكون متوازن بعد ترشحي لإنتخابات النيابية لأنو الأولوية راح تكون للعيلة والحياة السياسية على حساب مهنتي كطبيب. السياسة بدا تفرغ». ماذا لو لم يحالفك الحظ في الإنتخابات النيابية؟» نسأل «مجرد إنو قبلت إترشح فهيدا بيعني إنو قبلت بأصول لعبة الإنتخابات الديمقراطية يللي هوي خيار الناس. وإذا بدن إني مثِّلن راح كون خير ممثل لإلن بمجلس النواب وإذا لأ… هيدا خيارن وما بعتبرو فشل. لأنو الفشل الحقيقي إذا ما قدرت كون ممثل حقيقي للناس في حال فزت بالإنتخابات النيابية». يجيب بكل ثقة.

ثمة طريق طويلة وشاقة أمام الطبيب المناضل. لكن الثابت أن مبضع الجراح سيرافق سعادة النائب إلى قبة برلمان الشعب لاستئصال كل الأورام وبتر الأعضاء التي تفسد المجتمع.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل