
آخر مشهد ــ كتب عماد موسى في “المسيرة” العدد – 1640
وُجدت اللغة العربية لتأمين الحلول لكل أزمات لبنان المستعصية، ولفض النزاعات ولتقريب القلوب والمسافات وإبتكار وصفات سحرية تصبح مع الوقت تعويذات. وليس من المبالغة القول إن أفضل ما تمخضت به اللغة ثلاثية الشعب والجيش والمقاومة. وأل التعريف هنا وجدت لمنع التلاعب في الوصفة السحرية. الشعب تعني كل الشعب، والمقاومة تعني حصراً المقاومة الإسلامية والجيش غير الدرك والأمن العام. تصوروا المعادلة درك + شعب + مقاومة. ما بتظبط موسيقياً. وقع “الدرك” ثقيل على الأذن. وعلى الرغم من قدسية الثلاثية فقد جرى التلاعب لتقطيع بيان وزاري، فصدرت فتوى لغوية اعتبرت أن المقاومة حق لكل لبنانيين، وبهذا المعنى إن أرسل العميد كارلوس إده وحدة من قوات النخبة التابعة لحزب “الكتلة الوطنية” إلى مزارع شبعا لتنفيذ عملية جهادية تقضي بأسر جنود صهاينة على عيد الغطاس وتسببت مغامرته بحرب عالمية ثالثة، فهو مغطىً من إثنين: البيان الوزاري واللغة العربية.
إختلفوا على هوية لبنان، بين لبنان عربي، وبين لبنان فينيقي على غربي على عربي الهوى وصودف أنه وجد على خارطة الشرق. الحل لبنان ذو وجه عربي. شوفوا شو عملت ال “ذو”! خدمت ال “ذو” عسكريتها قبل أن تحتل سورية ـ الأسد لبنان وتقاتل المسيحيين والسنّة والعلمانيين واليمينيين واليساريين والفلسطينيين وترعى الخطف والنسف دفاعاً عن عروبة لبنان. واليوم، بسبب ومن دون سبب يتم تذكير اللبنانيين بعروبة لبنان. لربما حنّ أحد الأفرقاء ل “ذو” أحد الأسماء الخمسة التي كلفت لبنان نحو 300 ألف شهيد.
ذّكر مجلس الوزراء اللبنانيين في جلسته الأخيرة بأن لبنان “عربي الهوية والإنتماء”. وأقترح، كي لا ننسى، أن تُدرج وزارة التربية في مناهج السنوات الإبتدائية قصيدة “عربيّ أنا” لشاعر العروبة الفذ يوري مرقدي. كما جدد مجلس الوزراء تمسّكه بمواثيق الأمم المتحدة واستحضر إنتماء لبنان إلى منظمة دول عدم الإنحياز. ولم يكن ينقص أصحاب المعالي سوى الوقوف دقيقة صمت حداداً على المغفور له المارشال جوزف تيتو وتطلع مجلس الوزراء “الى بناء أفضل العلاقات مع الاشقاء العرب وأمتنها، بروح الروابط التاريخية التي تجمع بين دولنا وشعوبنا”. ماذا تعني أفضل العلاقات؟ هل يمتّن حزبُ الله اليوم روابط المحبة وعلاقة الألفة مع أهالي حمص والغوطة ودير الزور وحماة وحلب؟ وهل أبلغَ الحزبُ مجلس الوزراء كيف سيُترجم هذا البيان على الأرض؟ ولمَ لمْ يأتِ بيان مجلس الوزراء على ذكر إيران بالإسم. أحياء؟ أم خوف؟ أو لبنان مش قاري إيران؟ لا إيران . لا السُعودية. لا اليمن. لا سورية. ولا حتى فلسطين الحبيبة.
لكن مهما قيل وسيُقال. فالبيان الآتي بعد عاصفة الإستقالة، تدوير مبدع للزوايا وتربيع للدوائر وتنعيم للمعاني وحفّها بورق قزاز. بيان يضمر ولا يبوح. يلمّح ولا يصرّح. يناور ولا يجاهر..
إنه بيان جميل جميل. خفيف نظيف. رشيق كغزال. زئبقي كسمكة المواسطة. لا يُلزم أحداً. ولا يستفز أحداً. بيان مقتضب وحمّال أوجه. كأن تتكلم على صدر وعجز في ميمية المتنبي “على قدر أهل العزم تأتي العزائمُ ” وعينك على صدر عشيقتك وفكرك على مستوى عجيزتها، أي أليتها. من جهتي، فقدت دهشتي أمام اللغة العربية ومفرداتها، أنا من أشبع ذائقته الأدبية قبل نحو عقدين بخطاب قاهر البحار الرئيس الأسطوري إميل لحود، واكتفى.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]