لو تمهَّل أبو نواس

الحقيقة التي لا توارى، ولا يمكن ان تُغلّف، هي ان العرب ليسوا الأمة العاجزة الوحيدة. فـ”ليس الاعاريب (وحدهم) عند الله من أحد” كما قال ابو نواس، فلو تمهَّل في عنصريته لأضاف اليهم أهل أمه الفرس. فما فعله ترامب كشف عجز الجميع وعنتريات محور “المقاومة والممانعة”، وتواطؤ اهل “الارض مقابل السلام”.

يكفي السؤال: ما قد يكون اكثر تجويفاً للقضية الفلسطينية من تكريس القدس عاصمة لاسرائيل، بما يعنيه ذلك من تحدٍ للأمم المتحدة وقراراتها، ومشروع السلام القائم على دولتين؟ انها الجريمة الاكبر والأفجّ في حياة الفلسطينيين وآلامهم منذ النكبة. والوهم الذي تسلل الى الاذهان حين رفع ترامب يده حاملا وثيقة الاعتراف، كان ان “اتاك الموت يا تاركا الصلاة”، وان فرصة بطولات الممانعة وتهديدات خامنئي ونصرالله وكل احزاب الله حان اوانها.

لكن المفاجأة كانت ان موقف ترامب حوّل نصرالله الى ناشط اجتماعي يحسن القصف بالتغريدات واللايك واخواتها، فيما كشف المستشار الاعلى للولي الفقيه أمير حسين عبد اللهيان عن المبرّج فيه وتوقع للمنطقة “ابوكاليبس”. وبعدما ثقب أهل الثورة الاسلامية آذاننا بأنهم يترقبون غلطة من اسرائيل ليدمروها، سمعنا خطيب الجمعة في طهران آية الله احمد خاتمي يقول “إن ايران تطور قدراتها الصاروخية لردع اعدائها، وانها ستحرق تل أبيب وحيفا اذا ما حاول الكيان الصهيوني المجنون يوما ارتكاب اية حماقة”. اي ان طهران تنتظر عند الكوع لتدافع عن نفسها، لا لتحرر فلسطين التي تتباكى عليها وتتهم الآخرين بالعجز عن تحريرها. اما السيد نصرالله، الذي فاخر بالأمس القريب بأن لديه آلاف المقاتلين المستعدين لدخول سوريا، فانه نسي ان ذلك ممكن لتحرير الاقصى، وتحول الى مقاوم “ديجيتال” ينصح بضرب صهاينة القدس بتغريدات ورسائل الكترونية.

تبين ردود فعل الممانعة أن لا سليماني ولا الجعفري ولا عبد اللهيان، ولا الامام الخامنئي نفسه، يملكون للمواجهة، غير العويل والصراخ “الموت لأمريكا”، فيما ربيبهم في لبنان اطلق لسانه بالنصائح للجميع، والدعوات الى الحرب بانتفاضة فلسطينية جديدة، لا تحتاج، أصلا، الى اذن منه لتنطلق، أما خطبه منذ 2006 عن المواجهة والجهوزية، فختم ملفها.

أول ما يلفت في ردود الفعل على اعتراف ترامب بالقدس عاصمة لاسرائيل، ان اتهام طهران الآخرين بالتهاون، وبالتردد والانهزام والاستسلام كان الفعل “المقاوم الأوحد” لما يسمى “محور الممانعة”، من الضاحية الى طهران، واتاح العودة الى “الموت لأمريكا” الذي اشتهر لدى الجماهير العربية، وتبنته الثورة الاسلامية يوم احتل طلابها سفارة واشنطن،”الشيطان الأكبر” عام 1981.

ربما لترميم صورة “الممانعة والمقاومة” جاء الخزعلي، الأمين العام لـ”عصائب أهل الحق” إلى جنوب لبنان، لافتعال ضجيج يغطي صمت من أوفدوه، أو أن في النية “فتح لاند” جديدة.

المصدر:
النهار

خبر عاجل