#adsense

“القوات” تَبُقّ البحصة…

حجم الخط

 

كتب نجم الهاشم في إفتتاحية “المسيرة” – العدد 1641:

تعرف «القوات» متى تتكلم وتعرف متى تسكت. في صمتها موقف وفي كلامها موقف. وإذا كان الكلام المسؤول يحتاج إلى جرأة، فإن الصمت المسؤول يحتاج أيضا إلى جرأة. وإن كان البعض يفتقد إلى هذه الجرأة، فإن «القوات» هي دائمًا حيث لا يجرؤ الآخرون. من موقعها ودورها تعرف «القوات» أن المطلوب منها كثير وتدرك أن المواقف التي تصدر عنها في المراحل الخطيرة تبقى أهم من آراء البعض وتحليلاتهم التي تتناولها لأنها في النهاية هي التي تتحمل مسؤولية القرارات المصيرية بينما يكتفي البعض بالتعليق عليها وانتظار نتائجها.

تنطلق «القوات» في تحديد مواقفها استنادًا إلى تاريخها النضالي الطويل الذي رافق المحطات الأساسية في تاريخ لبنان الحديث منذ العام 1975. وهي تدرك تماما أن هذا النضال يجب أن يستمر طالما أن لبنان لم يستقر بعد، وطالما أن البعض لا يزال يعمل على تغيير هويته وصورته. ومن هنا يمكن فهم الحروب التي يشنها كثيرون على «القوات».

لا فرق بالنسبة إلى «القوات» إذا كانت داخل السلطة أو خارجها لأنها دائمًا كانت في قلب الدولة ودائمًا كان قلبها على الدولة، بينما كثيرون كانت سيوفهم عليها. ولو كانت «القوات» ضعيفة أو هامشية إلى الحد الذي يتصوره البعض لما كان هذا التركيز عليها في الحرب، ثم في السلم وقبل الطائف وبعده، وقبل العام 2005 وبعده، لأن الهدف من هذه الحملات ليس «القوات اللبنانية» إنما الدولة والكيان إنطلاقا من المسلّمة التي تقول إن السيطرة على الدولة لا يمكن أن تمر إلا بعد القضاء على «القوات».

ليست المشكلة في المواقف التي يتخذها البعض من «القوات». فهذه مسألة طبيعية ولازمة في العمل السياسي ولا ترفضها «القوات» بل تطلبها لأنها على أساسها يمكن أن تعرف مدى فعالية مواقفها وتأثيرها. ولكن المشكلة هي أن البعض يستسهل التهجم على «القوات» ليس لشيء إلا لأنها «القوات».

مجرد توجيه الإتهامات جزافاً إلى «القوات» مرفوض. من يتهم عليه أن يبني اتهاماته على أسس ثابتة وأن يكون في الموقع الذي يسمح له بالإتهام. ثمة انتقادات مقبولة ولكن لا يجوز أن تتحول المسألة إلى التشكيك الدائم بكل ما تقوم به «القوات». لأن ما تقوم به ليس مخفيًا ولا سرًا، ولأن ما تعلنه وتعمل له يكون عن إيمان بأنه حق وواجب. وهي لذلك لا يمكن أن تسمح بأن يتطاول البعض عليها وأن يطلب منها في كل يوم تقديم شهادة في حسن السلوك السياسي وفي الوطنية. فهي التي توزع الشهادات في هذا المجال وتاريخها يدل عليها.

قبل أن يزور الدكتور سمير جعجع المملكة العربية السعودية ويلتقي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان كانت مواقف «القوات» واضحة وظاهرة ومكشوفة. لم يكن لـ«القوات» موقف من طريقة عمل الحكومة أو من سلاح «حزب الله» أو من قضايا ملفات الفساد قبل اللقاء وصار لها موقف آخر من بعده.

عندما عارضت «القوات» مسار ترشيح النائب سليمان فرنجية على رغم أن المملكة العربية السعودية كانت ماشية فيه لم تسأل عن رد فعل المملكة ولم تقطع العلاقة مع فرنجية إنما أبقت باب الحوار مفتوحًا على قاعدة أن العمل السياسي يجب أن يبقى مشرّعًا على التطورات التي تحصل وأن موقفها لا يمكن أن يكون نهاية طريق. وهي عندما قررت السير بتبني ترشيح العماد ميشال عون لرئاسة الجمهورية لم تكن تريد إلا اعتماد مسار سياسي جديد وتكريسه في انتخاب الرئيس ليصبح لاحقاً قاعدة تحكم الوصول إلى قصر بعبدا. وعندما حصل تفاهم معراب في 18 كانون الثاني 2016 لم تكن المملكة العربية السعودية مؤيدة لهذا الخيار. ومع ذلك تمسك به الدكتور جعجع بانتظار ترجمته لاحقاً، وقد حصل ذلك بالفعل مع الخيار الذي اعتمده الرئيس سعد الحريري مما أفسح المجال أمام الدخول في التسوية التي أوصلت العماد عون إلى بعبدا وأعادت الرئيس سعد الحريري إلى السراي، ولكن ما حصل لاحقا هو أن هذه التسوية لم تحترم. وعندما كان يتم انتهاكها لم تكن «القوات» ساكتة. بقيت حرة وبقيت ملتزمة بشعاراتها وعارضت حيث يجب ودعمت حيث يجب.

لدى «القوات» الكثير لتقوله عما حصل في المملكة العربية السعودية. ولدى الدكتور سمير جعجع الكثير ليقوله ولكن «القوات» تحتفظ لنفسها بالتوقيت المناسب للكلام. لا تهدِّد ولا تقبل أن تهدَّد. صمتها مسؤولية لأنها تعرف أن الكلام مسؤولية أيضًا. وهي عندما تعرض وجهة نظرها فإنما تفعل ذلك من منطلق الخبرة بالأحداث ومحاولة قراءتها بموضوعية وعلمية وبعين العقل لا بعين العاطفة والهواية. وبالتالي لا يمكن أن تتحمَّل «القوات» أن يحمِّلها البعض مسؤولية أخطائه ومواقفه على قاعدة أن الهجوم على «القوات» يبقى أسهل الطرق للتهرب من هذه المسؤولية.

كثيرون اتهموا «القوات» بأنها استسلمت وتنازلت وسلمت كل الأوراق لـ«حزب الله» عندما اختارت أن تدعم انتخاب العماد عون رئيسًا للجمهورية وأن تكون في قلب هذه الحكومة وأن تدعم التوصل إلى قانون الإنتخاب الجديد. وبعد عام أدرك هؤلاء أن «القوات» كانت على حق وأنهم كانوا مخطئين في التهجم عليها واتهامها. فالفرق كبير بين الموقف الذي تبنى السياسة والتحولات عليه وبين الرأي في هذا الموقف لأن من يعطي رأيه يكون بعيدًا عن التأثير المباشر في مجرى الأحداث ولا يتحمل إلا مسؤولية هذا الرأي فيصيب أو يخطئ من دون أن يعدِّل في مسارات السياسة واتجاهاتها. «القوات» صاحبة رأي وصاحبة موقف وصاحبة خبرة وصاحبة تاريخ وتجربة طويلة وليست «بنت مبارح» في العمل السياسي والوطني. لقد قاتلت بالسلاح وخاضت المعارك وعرفت قيمة الشهادة والشهداء عندما كان كثيرون يتفرّجون أو يهربون أو يجرِّحون فيها وفي مقاومتها، وهي تستمر في قتالها بالموقف السياسي في هذه المرحلة التي يمكن أن تكون أخطر على لبنان من مرحلة الحرب لأنها تأتي ضمن مرحلة تغيير الدول والأنظمة في الشرق الأوسط. وإذا كانت «القوات» قاتلت من أجل حماية النظام اللبناني قبل العام 1990، فإنها لن تتهرب من النضال من أجل حمايته في هذه المرحلة وإن كان البعض أيضا يقف متفرّجاً أو محاولاً التجريح بها وبدورها.

وفوق كل ذلك يأتي البعض ليتحدث عن خطة لعزل «القوات» ولإخراجها من الحكومة ومحاصرتها في الإنتخابات النيابية على أساس أن كل الأخطار التي يتعرض لها لبنان لم تعد موجودة وعلى أساس أن سلاح «حزب الله» لم يعد يشكل هذا الخطر، وأن ما يسمى محور المقاومة هو الذي انتصر وأن مقاومته ضرب من ضروب الإنتحار. ولكن ليس لدى «القوات» إلا رد واحد: عندما انحنى الجميع أمام قدر الإتفاق الثلاثي أيام رئيس النظام السوري حافظ الأسد أسقطته «القوات». وعندما سار الكثيرون في ظلال عهد الوصاية السورية قاومته «القوات». وعندما حان موعد الثورة على هذا العهد كانت «القوات» في الطليعة وفي هذه الطليعة تبقى «القوات» وإن غادر كثيرون هذه المسيرة أو غدروا بها.

ليس هذا كل الكلام. فثمة كلام لم يأتِ موعده بعد. و«القوات» دائمًا هي التي تختار هذا الموعد. ولذلك تبقى للكلام تتمة.

 

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل