#dfp #adsense

ارتباط لبنان بأزمات المنطقة: طلسمان الحتمية القدرية او خيار استراتيجي للبنانيين

حجم الخط

 

 

منذ صيغة 1943 التي أسست لكيان لبناني – مسيحي – اسلامي واحد موحد على قاعدة لا للشرق ولا للغرب، وتعويذات مناقضة تتوالى فصولاً في الحياة السياسية والوطنية اللبنانية. فلا نبالغ ان قلنا إن في صلب النقاش الفكري السياسي العام حالياً في لبنان المعضلة الكبرى المتمثلة في الرد على السؤال: “اي لبنان نريد كلبنانيين”؟

ففي استعراض سريع لبعض المحطات التاريخية والسياسية والوطنية، نجد ان لبنان وانطلاقاً من الخمسينيات، تخلى عن مبدأ الصيغة اعلاه، بانحياز فريق من ابنائه كل مرة الى الالتحاق بازمات المنطقة ولعب ادوار اساسية وفاعلة فيها.

ففي الخمسينيات وفي سياق الموجة الناصرية والقومية العربية، تدهورت الصيغة اللبنانية وانقسمت البلاد بفعل تأثر فريق من اللبنانيين بالأطروحات القومية العربية والناصرية الجارفة انذاك، ولولا انتهاء أزمة 1958 بمعادلة لا غالب ولا مغلوب، لكان وجه لبنان منذ ذلك التاريخ تغير جذرياً.

وفي الستينيات ومع تداعيات اتفاقية القاهرة التي شرعنت العمل الفلسطيني الفدائي انطلاقاً من لبنان، انقسم اللبنانيون بين مؤيد ومعارض، حيث ذهب كل فريق في موقفه الى اقصى حدود التفكير الشمولي: فمن اصطف الى جانب العمل الفدائي آذناك فضل انتحال هوية القضية الفسلطينية على هويته اللبنانية واصبح الجيش التحريري الفلسطيني جيش الاسلام والمسلمين (لا جيش العرب مسيحيين ومسلمين)، ومن عارض العمل الفدائي آنذاك ذهب الى حد معاداة القضية الفلسطينية على اساس انها اخذت منحى اغتصاب الارض والسيادة اللبنانيتن.

وفي السبعينيات وعلى اثر اتفاقيات كامب دايفيد، انقلب المشهد اللبناني رأسا على عقب، وعزل المسيحيون بقرار سوري – عربي وبلامبالاة غربية واميركية آنذاك، لان المطلوب كان اسكات واسقاط السيادة اللبنانية والاستقلال ورسالة لبنان الفريدة وصيغة 1943، فتأسست براعم اندلاع الحرب اللبنانية عام 1975.

وبين الثمانينيات والتسعينيات، سقطت الورقة اللبنانية بيد النظام في دمشق، في مقابل مقاتلة نظام الرئيس صدام حسين بداية في مقابل مكاسب اقليمية دولية استراتيجية اخرى لدمشق. وبات نظام الاسد، منسقها ومديرها والمشرف العام عليها والوصي الحصري على اللبنانيين، الى ان انقسم لبنان بين اصطفاف الاحرار والمقاومين للوصاية والاحتلال السوريين وبين المؤيدين ولو على مضض، فاعتقل من اعتقل وعلى رأسهم الدكتور سمير جعجع، واستمر الاحتلال والنظام الامني الجائر والمتسلط وكاد يطيح بالصيغة وبلبنان والنسيج اللبناني، ولا تحرك دولي ضاغط باتجاه انهاء الاستيلاء السوري على كافة مفاصيل حياة اللبنانيين، على اثر انتفاضة وطنية شاملة مسيحية – اسلامية – تسبب بها اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، حيث دعم آنذاك كلاً من الرئيسين الفرنسي جاك شيراك والاميركي جورج دبليو بوش، ارادة الحرية والاستقلال والوحدة بين اللبنانيين، فكان القرار 1559 وما تلاه من تطورات وجلاء قوات الاحتلال السوري عن الارض اللبنانية.

يومها ظن اللبنانيون أن صفحة جديدة من الحياة الوطنية الحرة والسيدة والمستقلة قد فتحت وانتهت الاحتلالات، الا ان الحقيقة المرة ما لبثت ان كشفت عن وجهها الآخر بانقسام لبناني جديد بين من سميوا فيما بعد بخط الممانعة والمقاومة وعلى رأسهم “حزب الله” وحلفائه ومن سميوا بالاستقلاليين والسياديين وعلى راأسهم “القوات اللبنانية” و”تيار المستقبل” وحلفائهم، فظهرت معادلة اقليمية جديدة – سورية – ايرانية ضاغطة قلبت مجدداً موازين ومصير التركيبة اللبنانية.

فعاد ربط لبنان بأزمة المنطقة ولا نزال الى يومنا هذا…

وفي قراءة مختصرة،  سجلت محاولات عدة لفصل أزمة لبنان عن ازمات المنطقة نذكر منها: اتفاقية الطائف عام 1990 وانتفاضة 2005 السيادية، الا أن العقد الاجتماعي في الطائف تعرض لنكسات خطيرة بفعل احدى اسبابها تجزئة تطبيقاته والابقاء على ميلشيات مسلحة بحجة المقاومة والممانعة، فيما انتفاضة 2005 بلغت مرحلة من الترهل الهيكلي بفعل ولوج مكوناتها الاساسية استراتيجية السياسة الواقعية.

ويبقى السؤال انطلاقاً من العرض اعلاه: هل نستطيع كلبنانيين الاختيار الحر لما يناسب مستقبلنا المشترك؟ ام اننا محكومون بالتفاعل والتأثر والتأثير بالمحيط وتقلباته الى ما شاء الله؟

اليوم يتكلم الجميع عن النأي بالنفس، الا أن الرئيس سعد الحريري نفسه في حديث تلفزيوني أخير اقر بان “حزب الله” معادلة اقليمية لا قدرة للبنان على معالجتها… وبالتالي فلماذا الحديث عن نأي بالنفس؟ وكيف نستطيع حماية النأي بالنفس من ذاته؟

وللبنانيين خياران:

اما الاستمرار في ربط مصيرهم بمصير المنطقة وحروبها وارهاصاتها وبالتالي لا نأي بالنفس يشفي ولا تسويات موقتة ترضي خصوصاً في ظل احتدام الصراع بين العرب وايران وبين السنة والشيعة وبين مصالح روسيا والولايات المتحدة الاميركية واسرائيل وتركيا.

واما  التوصل الى عقد وطني جديد قوامه فصل لبنان نهائياً عن ازمات المنطقة وتأثيراتها وتداعياتها، باستثناء القضية الفلسطينية على قاعدة المبادرة العربية بالارض مقابل السلام وتدويل القدس عاصمة للدولتين، وفي اطار استراتيجية عربية مشتركة للمواجهة يلزم الحكومات والدول لا الميليلشيات والتنظيمات المسلحة غير الشرعية الرديفة في الدول العربية بالمواجهة، وبشرط عدم تكرار الخطأ المدمر بأن يندفع لبنان وحده، منفرداً في مواجهته اسرائيل عن العرب وباسم العرب ليدفع وحده الاثمان ككل مرة.

اما فيما عدا ذلك، فإن طلسمان الصراعات الاقليمية سيبقى مستحكماً بمفاصل حياتنا الوطنية وبتحديد مصير الشعب اللبناني، كالتعويزة غير القابلة للازالة عن كاهل هذا الكيان اللبناني المتعب.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل