


خاص “المسيرة” – واشنطن ـ العدد 1641
شكل قرار الرئيس دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل محطة بارزة في سياق السياسة الخارجية التي اعتمدتها الإدارة الحالية، بشكل مغاير تماماً عمّا كان سائداً طوال عهدي الرئيس السابق باراك أوباما.
القرار المؤجل منذ العام 1995 لم يتجرأ أي من الرؤساء الأميركيين السابقين على تطبيقه إلى أن جاء الرئيس ترامب وهو الذي يتميّز بشخصية مثيرة للجدل وهجومية إلى حدّ بعيد، فهو الرئيس الذي يرفض الاكتفاء بمبدأ الدفاع وصدّ الهجمات أو التهجمات أكان على الصعيد الداخلي أم الخارجي، لا بل أنه الشخصية الصدامية التي تعمل وفق خطة تثبيت قوة وعظمة الولايات المتحدة.
وبسبب هذه الخطة تحديداً استطاع المرشح ترامب تخطي معركة ترشيحه للرئاسة بنجاح متقدماً على جميع منافسيه، وبفعل خطابه التعبوي الشعبوي في آن وصل إلى البيت الأبيض، متحدياً حزبه وتوقعات العالم أجمع.
وفي ضوء قراره المثير للجدل والواقعي في آن، فإن منطقة الشرق الأوسط وعملية السلام تحديداً، ستشهد تغييراً واضحاً لجهة انتظار ما سيحمله القرار الأميركي من متغيرات ومستجدات قد تذهب في خيارين لا ثالث لهما، فإما تحقيق السلام بعد طول انتظار بحيث يؤدي إلى تثبيت واقع الدولتين الإسرائيلية والفلسطينية مع عاصمتيهما وحدودهما، وإما تصعيد ضمن بقاء الستاتيكو الحالي مع ما ينتج عن ذلك من أحداث ومستجدات.
وفق مصادر أميركية رسمية تولت شرح قرار الرئيس ترامب بعد صدوره في السادس من كانون الأول، فهي وضعت الإعلان في مرتكزين رئيسيين:
الأول: الرئاسة الأميركية بإعترافها بالقدس عاصمة لإسرائيل فهي لا تبتعد عن الحقائق التاريخية المتعارف عليها والتي تفضي إلى حقيقة اعتراف الولايات المتحدة بالقدس عاصمة لإسرائيل، وأوضحت المصادر أنه إذا كان صحيحاً أن ترامب نفذ وعداً انتخابياً كان أطلقه في خلال حملته الرئاسية، فإنه من غير الصحيح أن إعلان هذا الاعتراف هو لأسباب داخلية ومن أجل دعم الرئيس في ظل ما يواجهه من بعض الأزمات، وبالتالي فإن وقائع السياسة الأميركية تؤشر بوضوح إلى أن قضية الإعتراف كانت عالقة منذ العام 1995 حيث قام معظم الرؤساء الأميركيين باللجوء إلى البند الذي ضغطت إدارة الرئيس الأسبق بيل كلينتون لوضعه ويتضمن السماح للرئيس كونه السلطة التنفيذية بتأجيل تنفيذ قرار الإعتراف لستة أشهر تحت ذريعة أو مبرر الأمن القومي، وتشير المصادر إلى أن بند التأجيل بالشكل الذي تم وضعه فيه واستخدامه مرات عدة كل ستة أشهر وطوال هذه المدة من الزمن، كان يخفي بوضوح أجندات سياسية لدى كل من الحزبين الجمهوري أو الديمقراطي، وبالتالي فإن ما قام به الرئيس ترامب في المبدأ هو تنفيذ قانون صادر عن الكونغرس بمعزل عما قد يخلفه من تداعيات.
الثاني: تعتبر المصادر أن الطريقة التي عرضها الرئيس في ملاحظاته في إعلان الإعتراف ستقود حكماً في نهاية المطاف إلى نتائج إيجابية على عكس ما يعتقده البعض، أي أن الإعتراف بالواقع، وهو أمر عملي، من حيث أن القدس هي حاليا عاصمة إسرائيل تاريخياً، وعليه يكون الرئيس قد وضع المدماك أو المحرك الرئيسي لأية مفاوضات مباشرة بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني لجهة فتح الباب بشكل صريح وواسع للوصول إلى معالجة حاسمة لقضايا الوضع النهائي ومنها ما يتعلق بحدود السيادة، وطبيعة الحدود، والجغرافيا، وهو ما سيؤدي في نهاية المطاف إلى قيام وتحقيق مبدأ الدولتين الذي طال إنتظاره.
ويتوقف مراقبون في واشنطن عند هذه الخطوة بالكشف إنها جاءت نتيجة مشاورات مكثفة ليس فقط بين الولايات المتحدة وعدد من دول المنطقة أو الأطراف المعنية، بل داخل الإدارة نفسها من منطلق رسم خطة جديدة شاملة للحلول المستقبلية للمنطقة، وبالتالي يعتقد هؤلاء أن الاعتراف جاء لواقعٍ على الأرض يتقبّله المجتمع الدولي بغالبيته حتى لو رفضه علناً، ألا وهو أن قسماً من المدينة على الأقل سيبقى دائماً عاصمةً لإسرائيل، مهما تتضح حدود هذه المدينة ووضعها النهائيين. حيث أن الولايات المتحدة ومعظم دول العالم تجري حقيقة إتصالاتها ولقاءاتها مع الحكومات الإسرائيلية في القدس منذ أن تمت تسمية المدينة العاصمة الجديدة للبلاد بعد فترة وجيزة من حرب عام 1948 وحصول التقسيم الذي شملها، حيث ألقى معظم الرؤساء الأميركيين من الحزبين خطاباتهم في مبنى الكنيست الواقع في القدس، وأجرى وزراء الخارجية الأميركيون لقاءاتهم مع المسؤولين الإسرائيليين في مكاتبهم الموجودة في القدس أيضاً، شأنهم شأن نظرائهم الدوليين.
يذكر أنه في حرب عام 1967، استحوذت إسرائيل على النصف الشرقي من المدينة ووسعت بشكل كبير حدودها البلدية. وبدءاً من اتفاقية «كامب ديفيد» في أيلول 1978، وافقت الحكومة الإسرائيلية على التفاوض في شأن وضعية مدينة القدس في إطار المفاوضات حول الوضع النهائي.
وحين أصدر الكونغرس الأميركي في عام 1995 قانوناً يقضي بنقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، فاوضت إدارة كليتنون على إدراج بندٍ في القانون يخوّل الإعفاء من تطبيقه لدواعٍ خاصة بالأمن القومي الأميركي. ولم تهدف الإدارة الأميركية من خلال هذه الخطوة الى الحفاظ على سياسة قديمة وطويلة الأمد لدى السلطة التنفيذية فحسب، بل إلى السماح للرئيس الأميركي أيضاً بتحديد ما إذا كان من شأن مثل هذه الخطوة أن تخدم مصلحة الولايات المتحدة المتمثلة بتعزيز السلام والاستقرار في المنطقة. وقد طلب الكونغرس من كافة الإدارات الأميركية المتعاقبة الالتزام بهذا البند كل ستة أشهر، وأصبحت هذه المدة تجدَّد في كل مرة حيث كان كل رئيس يقرر أن إسقاط هذا الإعفاء سيفتح المجال أمام أعداء السلام باستغلال اعتراف الولايات المتحدة الرسمي بالقدس، والتحريض على العنف بسبب هذه المسألة المثيرة للعواطف، وتعطيل جهود السلام الأميركية.
إلا أن هؤلاء المراقبين يعتقدون هذه المرة أنه مهما علت الأصوات المعارضة لقرار الإعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، فإن الوقائع المستجدة في كل منطقة الشرق الأوسط، وليس بين إسرائيل وفلسطين فقط، ستسمح بفرض حلول جذرية في المستقبل لكل أزمات المنطقة وهذا ما تراهن عليه الإدارة الحالية، حيث أن الحرب على الإرهاب وتعزيز التحالف بين الولايات المتحدة وشركائها العرب سيؤدي في النتيجة إلى رسم خريطة حلول متفق عليها داخل هذا التحالف.
ويعتبر المراقبون أن الولايات المتحدة غير قلقة على مصير السلام لا بل أنه لم تجر أية محادثات جدية للسلام منذ عامَي 2013-2014 وبالتالي فإن الفريق الخاص بعملية السلام سيواصل جهوده حتى الوصول إلى نتائج ملموسة حيث فشلت كل الإدارات المتعاقبة في الدفع بها قدماً إلى الأمام.
ويقول هؤلاء المراقبون إن الحل الواقعي والمنطقي هو الإعتراف بحق الديانات الثلاث التاريخي في مدينة القدس بمعزل عن تسييس هذه القضية، حيث أنه مما لا شك فيه أن الحرم الشريف الذي يضم المسجد الأقصى، هو مكانٌ مقدس لدى المسلمين الذين يؤمنون بأن النبي محمد صعد منه إلى الجنة، لكن هذا المكان يحتضن أيضاً أحد أكثر الأماكن قدسيةً في الديانة اليهودية، وهو جبل الهيكل،كما أن القدس تعني كثيراً للمسيحيين حيث كنيسة القيامة في أورشليم ومن هذه المدينة انطلقت المسيحية.
وتشير المعلومات إلى أن الرئيس ترامب كان سبق إعلانه بسلسلة اتصالات شخصية مع القادة والملوك العرب، وطلب منهم ألا يسيئوا تفسير الخطوة المتعلقة بالسفارة وان الإعلان لا يهدف أبداً إلى تقويض جهود السلام الحالية التي تقوم بها إدارته وأنه قام بهذه الخطوة من أجل الحفاظ على آمال التوصل إلى اتفاقية سلام.
وهو حرص على التوضيح أيضاً بأن إعلانه لا يتعلق بتحديد الوضع النهائي للقدس أو حدودها، وأن هذه القرارات يجب أن تتم عن طريق المفاوضات المباشرة بين الإسرائيليين والفلسطينيين والعرب بما في ذلك الأردن، الذي تم الاعتراف بدوره في الأماكن المقدسة كجزء من معاهدة السلام مع إسرائيل. ويشير المراقبون إلى أن خطوة الرئيس الأميركي تنطلق من وقائع التاريخ وهي أن القدس ستظل دائماً عاصمة إسرائيل، حتى وإن كانت محادثات السلام هي السبيل الوحيد لمعالجة المطالب بشأن حدود هذه المدينة المقدسة ومدى تقسيمها بين دولتي إسرائيل وفلسطين في المستقبل.
في ضوء كل ما تقدم تدرك واشنطن أن ليس هناك أية مسألة تثير عدائية القادة العرب بقدر قضية القدس. وبما أن الإدارة الأميركية بحاجة إلى أن يؤدي هؤلاء القادة دوراً في أي مساعٍ متجددة لتحقيق السلام، فهي تتهيأ في المستقبل القريب لطرح مبادرة جدية من أجل وضع مسار السلام على السكة الصحيحة بعد طول انتظار، لكن يبدو أن توقيت طرح هذه المبادرة يرتبط أولاً بزوال حجم الاحتجاجات على خطوة الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وثانياً بتوفر الظروف المتكاملة التي ستقود حتماً إلى رسم جديد لخريطة المنطقة الجيوسياسية والاقتصادية أيضاً مما قد يقود فعلياً إلى ولادة شرق أوسط جديد، ربما تعمل الإدارة الأميركية الحالية على تحقيقه بعدما عجزت عنه الإدارات السابقة.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]