Site icon Lebanese Forces Official Website

حين يجتاح الميلاد لبنان.. حين يجلس لبنان في المغارة

كتبت فيرا بو منصف في “المسيرة” – العدد 1641:

ماذا يفعل الميلاد بالناس؟ كيف تنزلق المدينة والضيعة هكذا وباستسلام مطلق ومن دون أي عناد أو مقاومة لهذا السحر المنهمر أضواء وزينة؟! وأهم الأهم، كيف يحوّلنا الميلاد الى أطفاله، لا نريد أن نكبر، نتناسى أن ثمة سنين حفرت فينا عميقا وأنستنا أننا ما لم نعد كالأطفال لن ندخل ملكوت السماء، كما يقول ذاك الطفل الإلهي القادم على جناح الحب، وبالحب وحده حكم العالم، وكلما حان زمن ميلاده يتحوّل لبنان الى كرة أضواء متنقلة ملتهبة بالحلا. هو الميلاد حين يحتل بيوت لبنان وطرقاته، اما القلوب فشأن آخر…

أنا إبنة الضيعة، لكن سحر المدينة حين تخلع عنها يومياتها البائسة لتلبس ولو موقتا، فرحا من فرح الميلاد، فأنحاز إليها وبعنف أيضا، لا أحد يهرب من الفرح إلا من كان بائس المشاعر متحجّر القلب، ونحن، نحن في لبنان من حزب الفرح والرجاء، من هؤلاء الناس الذين لوهلة يظنون أنهم يسكنون مغارة يسوع، معه قرب الحمار والغنمة والبقرة والرعاة والمجوس الذين يلفحون وجهه بلهاث الحنان، ليتأكدوا أن الأعجوبة حصلت، فيقرفصون الى جانب المزود الدافئ بالتبن، عرش ملك الكون، يستأذنون العذراء مريم ومار يوسف بمساحة الحلم تلك، ولا يخرجون إلا متى دخل المسيح الى الهيكل، فنرفع المغارة الى حلم جديد آتٍ لا محال في سنة جديدة وكل أعوام الدهور المتعاقبة.

إبن المدينة كما إبنة الضيعة، حين ترتفع الأشجار العملاقة البراقة بكل تلك الزينة المدهشة، حين تجتاح الأضواء الساحرة شوارع الأيام في كل لبنان، نصبح جميعا دويك، ذاك القروي الطيب الساذج حين تاه ذات عمر في شوارع بيروت وسكنته الدهشة، تلك الدهشة التي تحوّلنا الى أطفال بالمطلق، زينة لبنان، قرى ومدنا، تجتاحنا كضوء قمر بدر لا حول ولا قوة فيه ومعه إلا الجلوس تحت الليل ليغمرنا ذاك الحلا بوشاح الحلم.

يا الله كم أنتِ جميلة يا جبيل، مستحيل أن تتحول مدينة هي بالأساس مربّع للجمال، الى ضيعة حلم كما في أفلام الرسوم المتحركة عن زمن الميلاد، والت ديزني تحديدا، أو كمن يفتح فصلا من كتاب القراءة عن حكايات الميلاد، أو أجمل الإحساس ذاك وكأنك تجلس القرفصاء أمام مغارة البيت المتواضعة في الضيعة الصغيرة، في ليلة برد وثلج وريح، وستي على صوت هدير الموقد والحطب الذي يمزمز ناره على مهل، تروي لنا حكاية من حكايات الميلاد، طفلة عود الكبريت مثلا، لا لا هذه قصة حزينة جدا، بلكي قصة المرأة الفقيرة التي تاهت ليلة العيد وما عندها لباس ولا طعام فاستقبلتها عائلة في الضيعة وقدّمت لها الحمام الساخن والطعام، وسهرت معهم ليلة الميلاد وبفرح عظيم… الله كم هو عظيم هذا العيد، الله يا بيروت، يا أشرفية يا وسط المدينة، أي حلا هذا حوّلك الى ساحرة، متغاوية، فاقعة الجمال على عيون العالم وأبناء البلد وكل البلد الحلو الحلو مهما فعلوا وقالوا وانتهكوا، فيأتي الميلاد، زينة يسوع، ليقلب الطاولة على القلوب السود ويجتاحهم بالبراءة…

لم ينتهِ الحلم، أنظروا الى سيدة زحلة كيف يلفها الضوء المتعدد الألوان والأبعاد، تحتها مباشرة تفلش مدينة مدن البقاع كل عالمها، هنا شجرة الميلاد تحت عناقيد الدوالي التي تتدلى بالسحر، هناك مدخل المدينة كم يدخل في عالم آخر منفصل  تماما عن يومياتنا الرمادية التفاصيل، لا، تحكوا عما يصيبنا ونعيشه، فلنبقى تحت الألوان في دنيا الحلم، جميلة جميلة بنشعي حين يرقص الناس في ساحاتها، يلاعبون بابا نويل، يتصوّرون تحت شجرة الميلاد الغريبة بألوانها وتضاريسها، كأنها ضيعة صغيرة نسيها الحلم وفلّ كي لا يناديه الواقع حين يستيقظ من وهلة الفرح. جميل ذاك الشمال حين يجتاز حدود الأزمات، أنظروا الى بشري وما فيها وليس فيها سوى ساحات الأرز والعز والفرح حين يرقص على أغصان الزينة والساحات المشعّة بفرح ال’تي باسم الرب…

غريبة هذه البلاد، غريبة كيف تصنع فرحها من المستحيل، والله من المستحيل، أدخلوا المتاجر الكبرى تلك، لا يمكن، مستحيل أن نختار أيها الأجمل في الميلاد، أي زينة هي الأرقى والأحلا، هنا لبنان، هنا العالم يا عالم، ألوان زينة أشجار تقارع السماء بارتفاعها، مغارة الميلاد، تفاصيلها الرائعة، الرعيان، المجوس، البيوت، القرى المترامية حول بيت لحم، بيت لحم يا حلم الإنسان، يا مزود البشرية حين تركع للإله الآتي على جناح الأعجوبة، بيت لحم يا قرية تناثرت في بيوت العالم، في الضيعة والمدينة، في إنسانية الحب اللامتناهي، في وجدان الحلم، في حلم الإنسانية بالحب. هنا بيت لحم في مغارة توزعتها المحال التجارية كما البيوت والساحات، هنا ثقب الحلم الى ما وراء هذا العالم الظالم المظلم المترنّح بالموت والتفاصيل البشعة والخطيئة، وحين يأتي هذا الطفل المشع بالحنان، يركع، يركع العالم ويستسلم لطفله المشاغب المختبئ خلف العيون، في قلوب الدنيا تلك…

في ليلة من كانون باردة دافئة، تعبر سيارة شوارع البلاد، تتمايل أضواء الميلاد في كل الاتجاهات، بالعامية نقول «يخرب بيتك شو هالبلد لـ بيحبّ الحياة والفرح وما بيلبقلو إلا إنو يفرح»، هذه بلادنا، وهنا يأتي يسوع ليلقي النظرة على التشريفات التي نعدّها لاستقباله، قولكن سيحب ما فعلنا لأجله؟! فعلنا «لأجله»؟!!! يا مساكين يا نحن، ترى ماذا فعلنا لأجله؟ نحن نفعل كل هذا لأجلنا، لأجل الحلم الذي نريد أن نعيشه كلما أطل علينا الميلاد، نفعل هذا لأجل فرح نرجوه، نتوسّله كلما حان زمن الميلاد، نفعل هذا لترمقنا عيون السواح، ليهرعوا الى متاجرنا ويختاروا أفضل ما عندها لتنتعش الحياة الاقتصادية في وطن يريدون له دائما أن ينهار ويموت على مهل، وكلما طلّ الميلاد هيك وفجأة يعيش انتعاشه ولو لشهر واحد، ويسوع لن يزعل أبدا حين يعرف أن النشاط الاقتصادي أنقذ آلاف المواطنين من الضائقة المالية، لكن هل يريد منا يسوع أن ننسى فقيرا جائعا معوزا مريضا تائها من دون لمسة حنان من زمن ميلاده؟!…

هي أيام ويصل الحمار الى بيت لحم، ذاك الحمار الشهير الذي حمل العذراء مريم على ظهره يقوده مار يوسف في الوديان والوعر والسهل هربا من ظلم هيرودس، وحين يصل يتحوّل ذاك الإسطبل وذاك المزود الحقير الى عرش الحب والإنسانية، نحب أن نقلّد هذه الصورة، ما زلنا ندخلها الى بيوتنا في كل تلك الزينة، وفي الضيعة قبل المدينة بطبيعة الحال، حلو الميلاد في بلادنا ليس لأنه مجرّد تقليد عابر في زمن الأعياد، الميلاد فينا هو تلك النغوشة اللذيذة، هو ذاك الحب المؤجّل دائما حين يتفجّر في لحظات اللقاء مع العيلة والأصدقاء والأحباء، هو اللقاء بطفلنا التائه في تفاصيل الكبار، حلو الميلاد في لبنان لأن لبنان حلو دائما في ميلاده…

والدنيا زينة وأضواء ساحرة في وطن السحر على رغم كل شيء، أجلس الى ضوء مغارة متواضعة في ضيعتي الصغيرة، ثلج كانون قناديل الليل، مغارة صغيرة صغيرة لكن فيها ما فيها من عالم لامتناهي، غريب هذا الزمن، غريبة مغارة يسوع، كلنا هنا أطفال لا نريد ان نكبر، نستأذن الحمار والخروف والبقرة ليفسحوا لنا مكانا لنجلس قربهم بقلب المغارة، لا شيء في الدنيا يجعلنا نحسد تلك الحيوانات الأليفة إلا مغارة يسوع، سنخجل ان نسأل العذراء ومار يوسف ما إذا كان بالإمكان الاقتراب من ذاك الضوء، نعرف ان مجرد النظر إليه هو كل النعم الممكنة المنهالة علينا، نجالس تفاصيل المغارة، قرب الشجرة المضاءة بالزينة، نعلّق طفولتنا على أغصان الحب، نسرح بعيون الطفل الإلهي كمن يسبح على غيمة قش وخروف وديع قربه يدفئ بلهاثه جسمه الطري، في عيوننا أضواء المدينة وسحرها، أضواء الضيعة ودفؤها، نسأله يا طفل المغارة نرجوك نريد البقاء هنا تحت هذا الضوء الخافت، وننسى حالنا في عيون المزود الحقير المشع ذهبا، ولا تدعوا الزمن يقترب، أبعدوه، أريد البقاء هنا في المغارة ومعي كل لبنان الحلو حين يلبس شعاع الميلاد.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com

Exit mobile version