



كتب سيمون سمعان في “المسيرة” – العدد 1641:
في مثل هذا الوقت من العام الماضي وكانت الحكومة قد تشكلت للتّو ومنّى الناسُ النفسَ بانطلاق المؤسسات وبغدٍ رغيد، أبدى الإقتصاديون والتجار الأسف على أنهم لن يتمكنوا من استلحاق الأعياد وتعويض ما فات من خسائر. لكنهم في المقابل أملوا في أن تعوِّض الأشهر الآتية في العام 2017 سنيناً عجافاً كانت فيها المؤسسات غائبة والأسواق سائبة. وعند اقتراب إقرار سلسلة الرتب والرواتب عارضتها الهيئات الإقتصادية باستثناء إيجابية واحدة، وهي الأمل في أن تؤدي المبالغ المدفوعة إلى زيادة الإنفاق وبالتالي إلى تحريك السوق ورفع المبيعات الإستهلاكية والعقارية وخفض القروض الهالكة… فهل تحقق ذلك؟ وماذا عن الحركة بعد عام على تشكيل الحكومة، وقرابة أربعة أشهر على دفع السلسلة وقبل حلول الأعياد؟
ما كاد إقرار موازنة العام 2017 والتحضير لموازنة العام 2018 وإصدار بعض المراسيم المهمة في التشكيلات والتعيينات، أن يشيع جواً من الأمل بغدٍ مشرق ومستقبلٍ واعد على الصعيد الإقتصادي، حتى فاجأت الجميع أزمة استقالة الرئيس الحريري وما تلاها من تداعيات. وقد أدى استمرار الأزمة طوال شهر كامل، ومصادفتها في التوقيت الحرج مباشرة قبيل انطلاق فترة المبيعات المنتظرة لتحريك الأسواق، إلى فرملة الإندفاعة التي كانت قائمة. فيما لم تؤدِّ العودة عن الإستقالة إلى إعادة الثقة إلى النفوس وبالتالي اتخاذ قرارات إنفاق كبيرة، كون مثل هذه القرارات أكثر ما تتأثر بعامل الثقة والإستقرار المستدام، وأكثر ما تتطلب أماناً وركوناً إلى المستقبل.
طبعا لا يعني ذلك، بحسب الإقتصاديين، أن الوضع في غاية السوء وأن القطاعات في أزمة. ويذكّرون بأن مثل هذه النتائج يلزمها تضافر عوامل عدة كي تتحقق، وهو ما لم يتوفّر للوضع اللبناني، حيث عرفت الهيئات الإقتصادية بنتيجة خبراتها من التجارب السابقة كيف تتجنّب مخاطر الظروف غير المؤاتية. وهذا الواقع جعل الأزمة أقل وقعا مما بدا عند انطلاقها، وساهم مع عوامل أخرى في جعل الحركة في فترة الأعياد مقبولة نسبيا. ولفتوا إلى أن استمرار جمود بعض القطاعات لا يعود في كلّيته إلى الأزمة الأخيرة، ولا يعني أن الأموال التي ضخها تنفيذ قانون السلسلة في السوق، لم تُحدِث التغيير المرتقب، وذلك كون طبيعة بعض القطاعات تجعلها بطيئة التأثّر. وهذا يعني برأيهم، أنه لو بقي الوضع العام على ما هو عليه اليوم، فإن الأشهر الأولى من العام الطالع لا بد إلا أن تحمل بعض الإيجابيات.
القروض المصرفية
كان العديد من الإقتصاديين توقع أن يساهم دفع مستحقات السلسلة في تراجع نسبة القروض المتأخرة لدى المصارف، نظرا إلى أنّ رفع مداخيل نسبة كبيرة من اللبنانيين متمثلة بموظفي القطاع العام، سيحوّل قسما من المبالغ المضافة، إلى ردم الفجوة التي كانت حاصلة في القدرة على السداد منذ تردّي الوضع الإقتصادي خلال الأعوام القليلة الماضية. ففي العام 2015 عرفت القروض الاستهلاكية ذروة رواج حققته على مدى سنوات، ما دفع بالمنافسة المصرفية الى أعلى مستوياتها، وأدى بالتالي الى تجاوز حجم الإقراض المصرفي الـ 125 في المئة من الناتج القومي، بحسب تقارير مصرف لبنان. ويرى المصرفيون أن هذه النسبة تُعتبر خطرة عالمياً لأنها تؤدّي أحيانا الى أزمة مالية قاسية.
جاء ذلك وسط تردٍّ إقتصادي وتراجع في المداخيل تسببت به أزمة الفراغ الرئاسي وتردي علاقات لبنان مع محيطه الرافد الأساسي للدخل الوطني، ما أدى إلى ارتفاع المخاوف من عدم القدرة على السداد، بل زيادة نسبة القروض المتأخرة لدى المصارف. بناء عليه أصدر مصرف لبنان قراراً فرض بموجبه على المصارف قيوداً متشدّدة بالنسبة إلى قروض التجزئة او القروض الإستهلاكية، وخصوصا قروض الإسكان والسيارات، وذلك بعد ملاحظة ارتفاع كبير في مديونية الأسر تخطّى الـ 50 في المئة من مجمل مدخولها، وكذلك ارتفاع مديونية القطاع الخاص من شركات وأفراد.
يقول مصرفيون في ثلاثة مصارف بين الأكثر إقراضاً ضمن «مجموعة ألفا» لـ«المسيرة» إن هذا الواقع كان يُفترض أن يشق طريقه للتصحيح مع بداية العهد الحالي وعودة الحركة إلى المؤسسات، لكن ارتفاع تشنج الوضع إلى مستوياته القصوى في المنطقة وانعكاس ذلك إرباكاً سياسياً واقتصادياً في الداخل اللبناني، حال دون تحسّن المؤشرات الإقتصادية وبالتالي زيادة فرص العمل والقدرة الشرائية للمواطنين. إزاء ذلك كان التعويل على المبالغ التي ستضخّها سلسلة الرتب والرواتب في السوق، لزيادة قدرة المواطنين على الإقتراض والسداد.
وبسؤالهم عن مدى تحقّق ذلك بعد مرور حوالى 4 أشهر على دفع السلسلة، يجيب المصرفيون بأن ثمّة نقلات نوعية تحققت على هذا المستوى لكنها بقيت خجولة جدا، لافتين إلى أن هناك عاملين أثرا إيجاباً في تحسين وتيرة سداد القروض، كما أن هناك عاملين أثرا سلباً في ذلك. العاملان الإيجابيان هما، أولا أثر زيادة الرواتب لدى شريحة كبيرة من المواطنين خصوصا أنهم ينتمون إلى القطاع العام أي الأكثر موثوقية بالنسبة إلى المصارف وبالتالي الأكثر إقراضا من قبلها. وثانيا أن المصارف تُلح قبل نهاية العام على تسديد القروض لإجراء حساباتها وإعداد موازناتها وهو ما يرفع دائما نسبة السداد مقارنة مع باقي أشهر العام حتى في الظروف والعوامل نفسها. أما العاملان السلبيان فهما، من جهة، دخول البلد خلال الفترة الماضية أزمة سياسية حادة بعد إعلان الرئيس الحريري استقالته ثم البلبلة التي عقبت ذلك، ما دفع المواطنين إلى الإحجام عن المضي في أي إنفاق حتى لو كان استحقاقاً. ومن جهة ثانية أن سلسلة الرتب والرواتب شملت شريحة من المقترضين ولم تشمل الجميع، حتى أن موظفي القطاع العام لم تسرِ عليهم جميعا بعد ومثال ذلك مستخدمو المؤسسات العامة الذين رفعوا الصوت الأسبوع الماضي مطالبين بدفع السلسلة مساواةً مع زملائهم في الملاك العام.
ويلفت المصرفيون في المقابل إلى أن الإقبال على الإقتراض ما زال يسجّل وتيرة عالية، لكن لذلك أسباباً مختلفة تشكل زيادات سلسلة الرتب والرواتب للقطاع العام جزءاً منها.
القطاع العقاري
السوق العقاري هو أيضا من بين القطاعات التي توقّع المحللون أن تكون محظية بالحركة بنتيجة الإنفاق الذي سيوفره دفع سلسلة الرتب والرواتب. لكن هو الآخر دخل أيضا مخاضا ومتاهات كما القطاعات الأخرى، بين الأسباب الدافعة والأسباب المانعة للنمو. فكيف تأثر بالإنفاق المستجد وإلى أي مدى؟ وماذا يقول الخبراء؟
عضو نقابة الوسطاء والإستشاريين العقاريين في لبنان مدير عام شركة Pyramid Real Estate الخبير العقاري روبير البيطار قال لـ«المسيرة» «إن حجم تأثر السوق العقاري بالسلسلة لا يمكن تحديده بدقة اليوم، وذلك لأن التأثير لا يظهر سريعا. فقرار شراء منزل يتطلب تأنياً وتخطيطاً من الشاري ولا يتم بين ليلة وأخرى، وكذلك الإجراءات والموافقات كوننا نتحدث عن شريحة الموظفين أي ممن يُصنّفون في خانة محدودي الدخل. وبالتالي يمكن القول إنه إلى الآن حجم التأثر بسيط جدا، وهنا لا بد من الإشارة إلى العامل الأساسي المساعد في شراء شقة هو توفُّر الدفعة الأولى، وإذا كانت زيادة الرواتب قد زادت إمكانية التقسيط أو توفّر الدفعة الشهرية، إلا أنها لم تؤمّن بالطبع إمكانية تأمين الدفعة الأولى في هذه الفترة الزمنية القصيرة».
أمر آخر لفت إليه البيطار وهو أن «مؤشرات العامين 2018 و2019 ستُظهر زيادة في مبيعات الشقق المتوسطة والصغيرة، وقد يعتبر البعض أن ذلك من نتائج السلسلة، ولكن في الواقع وبغض النظر عن تأثير زيادة الرواتب، فإن الزيادة التي ستسجّل في العام المقبل هي لشقق مشتراة خلال العام الحالي «على العظم» وستُدرج في خانة الزيادة عند تسجيلها في العام المقبل». مضيفاً «أن هذه الآلية تراجعت في السنوات الأخيرة لأن ملاءة المطوّرين تراجعت من جهة وثقة المشترين المفترضين تراجعت هي الأخرى، فباتوا يعمدون الى التدقيق في ملاءة المطوّر والوضع القانوني للأرض قبل المخاطرة بدفع أموالهم مقابل شقة في بناء غير مكتمل أو لم يبدأ بناؤه بعد».
ويعتقد البيطار أن تأثير السلسلة لن يكون في قرار شراء شقة أم لا، بل في الإنتقال من خيار شقة صغيرة إلى أخرى متوسطة أو من شقة في منطقة عادية إلى أخرى في منطقة أفضل، كون الشاري بات قادرا على رفع قيمة الدفعة الشهرية. وبالنظر إلى الأرقام يتبيّن أن قرابة 90 في المئة من مشتري الشقق اللبنانيين ينفّذون ذلك من خلال المؤسسة العامة للإسكان. وهذا يعني أنهم من محدودي الدخل أي ممن تتأثر رواتبهم بمثل هذه الزيادات وما يؤثر تاليا على قرارات الشراء أو عدمه لديهم.
وفي حين حذّر من الركون لمطورين عقاريين غير مليئين مما يؤدي إلى عدم قدرتهم على استكمال البناء، لفت البيطار إلى أنه في المحصّلة لا بد لضخ كميات كبيرة من الأموال في السوق من أن يحرك قطاعاته، والقطاع العقاري واحد منها.
الأسواق التجارية
عند البحث في مؤشرات الحركة الإقتصادية خصوصا في مثل هذه الفترة من العام، تفرض مناسبة الأعياد نفسَها أولوية في أي بحث، نظرا لتأثّرها المباشر والسريع بأي متغيّر. في العام الماضي شكا التجار من تراجع الحركة وسط ركود لم يكن قد بدّده الإنطلاق المتأخر لعهد وحكومة جديدين بعد شغور دام قرابة السنتين. في العام الحالي كان التجار وكممثَلين في الهيئات الإقتصادية، من بين المعارضين بشدة لإقرار سلسلة الرتب والرواتب لما تُلقي عليهم من أعباء لناحية المدفوعات. إلا أنهم أملوا في قشّة إنقاذ واحدة وهي أن يؤدي دفع السلسلة إلى تحريك الأسواق وزيادة المبيعات.
مصادر جمعيات تجار في مناطق مختلفة من لبنان تؤكد، أن الحركة خلال العام الحالي أفضل مما كانت عليه في الأعوام الأخيرة السابقة، من دون أن تحدد ما إذا كان ذلك بسبب إقرار السلسلة أم لا. ويقول هؤلاء أن الحركة قبل أسبوعين من عيد الميلاد تعتبر مقبولة ولا يمكن وصفها بالعالية، ولكن تعوّدنا أن المواطنين يُقبلون على الشراء بنسبة أكبر وكثافة أعلى قبيل الأعياد بأيام، وهو ما نعوّل عليه لتعويض فترات الركود السابقة. البعض من هؤلاء التجار يعتبر أن السبب الأساسي في زيادة الإقبال لفترة الأعياد الحالية مقارنة مع ما كانت عليه العام الماضي، هو التنزيلات الكبيرة التي يلجأ إليها التجار، وإذا كان هناك من تأثير للسلسلة فهو بسيط لأن موظفي القطاع العام ليسوا كل المستهلكين وهناك مِن المواطنين مَن ينوء تحت ثقل الضرائب وزيادة المصاريف.
في المقابل يشدد التجار على أنهم كانوا يستندون إلى تسوّق السياح وينتظرون قدومهم في فترات العطل والأعياد لتعديل ميزان المبيعات، لكن هذا العام حذفنا هذا المعطى من حساباتنا، نظرا للأزمات المتتالية والمزدادة حدّة بين لبنان ودول الخليج الرافدة الأساسية لناحية عدد السياح الوافدين إلى لبنان وكذلك لناحية النسبة العالية للإنفاق. ويبدي رئيس جمعية تجار بيروت نقولا شماس إيجابية في هذا المجال، معتبراً أن عودة الحياة إلى الحكومة أعطت مؤشراً إيجابياً قد يؤدي إلى تحقيق أرقام إيجابية مع نهاية السنة الحالية. ولفت الى اضطرار التجار إلى إجراءات لتحريك السوق مثل «البلاك فرايداي» لكن ذلك يبقى موضعيا ومحدودا. ورأى أن الأمل كبير بإنقاذ هذا الشهر باعتباره الأهم في مجمل الروزنامة التجارية.
بالتوازي إن جولة بسيطة على الأسواق التجارية الرئيسية في لبنان وعلى المولات الكبرى، يمكنها أن تميّز تحسّن الحركة في الفترة الحالية مقارنة مع الفترة المقابلة من العام الماضي. ولا يُخفي أصحاب المحال كما المتسوقون سرورهم وارتياحهم لتخطي الأزمة وعودة الحياة إلى طبيعتها على المستوى السياسي ما أشاع جوّاً من الطمأنينة دفع المواطنين إلى استكمال تحضيراتهم للأعياد، والتجار إلى استعادة الأمل بإمكان أخذ نَفَس عميق بعدما حبس الجميع أنفاسهم لفترة غير قصيرة.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]