#adsense

النّأي بالتّسوية وصفقات العصر

حجم الخط

يعتقد المراقب السياسي أنّ الحال في لبنان قد أُصلِح وبات كلّ شيء مستقرًّا. هذه المسألة صحيحة مئة بالمئة إذا فصلنا لبنان عن محيطه وجعلنا منه دولة حياديّة بالمطلق، سياستها الحياد الإيجابي. لكن للأسف هذه المسألة ليست بصحيحة لأنّ بلد الـ  10452 كلم2 هو بلد التجاذبات الجيوبوليتيكيّة بامتياز. فهل يستطيع لبنان أن يكون على حياد في ملفّ القضيّة العربيّة. وهل يستطيع أن ينأى بنفسه فعلًا وقولًا عن كلّ محيطه؟ وهل بوّابة النّأي بالنّفس ستتحوّل إلى مخرجٍ لصفقات العصر؟

من المؤسف في بلد بحجم لبنان ألّا ننعم بازدهار وسلام. لكن من المؤسف أكثر أن اللبنانيّين أنفسهم سبب هذا التّراجع. إلا أنّ إرادة الحياة تغلب عند الذين يحملون منطق الدّولة ويسعون إلى تكريس مبدأ الشفافيّة والنّزاهة في التّعاطي بالشّأن العام. يخطئ من يظنّ أنّ “القوّات اللبنانيّة” ستغيّر ولو قيد أنملةٍ بمبادئها لتجلس على طاولة المحاصصات والصّفقات. فـ”القوّات” هي سليلة نسّاك وادي قاديشا. هؤلاء الذين زهدوا في كلّ ملذّات الدّنيا، وأوّلها المادّيّات، لتسلم لهم حريّة معتقدهم في هذه الأرض. ولذلك الهمّ الوحيد كان وما زال الحفاظ على هذه الأرض وعلى الحريّة الكيانيّة الشّخصيّة فيها، مصانة  من كلّ ذميّة وخنوع واستسلام وتزلّم.

صحيح أنّ هذا البلد صغير بجغرافيّته لكنّه كبير جدًّا بإرثه التّاريخي. من هذا المنطلق، سعينا كلبنانيّين يجب أن يكون بالحفاظ على هذا الإرث. من هنا، ضرورة الحفاظ على دور لبنان مع محيطه لكن من دون الدّخول في أزمات هذا المحيط. فالحياد في ملفّ القضيّة العربيّة غير وارد بالمطلق، لكنّه يجب أن يكون محكومًا تحت سقف القانون الدّولي والمؤسّسات الشّرعيّة للدّولة والكيان. والنّأي بالنّفس عن الحروب العربيّة يجب أن يترجم فعلا، لا أن يبقى محصورًا فقط بالقول. وذلك حتّى الوصول إلى حالة تأثير جيوبوليتيكي وليس تأثّرًا. موقع لبنان الجغرافي حتّم عليه الدّخول في أزمات الإقليم. لكن يجب ألّا يتعدّى هذا الدّخول إلى حدّ زعزعة كيان الدّولة اللبنانيّة.

بناء عليه، التّسوية الجديدة هي تحت المجهر، وقد تعرّضت لانتكاسة أولى، وعلى أمل ألّا تتّبعها انتكاسات من غير بوّابة الجنوب، لا سيّما أنّ عمليّة إطلاق الصّواريخ المستمرّة على المملكة العربيّة السّعوديّة تزيد من دافعيّة محور الدّويلة للإنقضاض أكثر على هذه التّسوية. ولا بدّ من الإشارة هنا إلى أنّ التّحالف العربي المعني بالرّدّ قد يتجاوز الحدود إذا ما سلّمناه ذريعة مجّانيّة لذلك، لا سيّما وأنّ الحال الدّيبلوماسي مع دول الخليج قد تزعزع جدًّا على خلفيّة الاستقالة الحريريّة الأخيرة.

ومّما لا شكّ فيه، أنّ الموافقة على تسوية نأي بالنّفس جديدة قد تزامنت مع ملف النّفط. وهي تسوية مشروطة حتمًا اقتصاديًّا، لذلك، بقدر ما يتمّ المحافظة على الستّاتيكو التّسوويّ بقدر ما يتمّ تمرير صفقات، بحجّة أنّ الإجماع اللبناني يؤدّي إلى تيسير المشاريع ويدفع إلى الإزدهار. لذلك، من مصلحة أطراف التّسوية الحفاظ على التّوازن بينهما. ولن يخرق هذا التّوازن إلا جيوبوليتيكيًّا. أعني هنا، لن تهتزّ هذه التّسوية حتّى لو خُرِق نأيها ملايين المرّات لأنّها مشروطة صفقاتيًّا. الإهتزاز الوحيد سيكون بحدوث خرق إقليميّ ما سيدفع إلى “لو كنت أعلم” جديدة. وحينها لن ينفع النّدم.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل