
كتب نجم الهاشم، عماد موسى، سيمون سمعان في “المسيرة” – العدد 1642:
لا يستطيع الداخل الى الصرح البطريركي في بكركي إلا أن ينحني أمام عظمة التاريخ. لا تتعلق المسألة بمجرد حجارة شقعت فوق بعضها لتصير صرحًا، بل بمحطات تاريخية تكدست حتى صارت تاريخًا يمكن قراءته تحت عناوين كثيرة. ليس التاريخ تاريخ صرح فحسب، بل تاريخ طائفة وتاريخ منطقة بدأ منذ أكثر من ألف وستمئة سنة منذ لجأ تلامذة ذلك الراهب القديس مارون الى جبال لبنان، ومنذ تأسست فيه أول بطريركية مارونية ويوم لم يكن لبنان بعد إلا إسمًا في كتب الأديان السماوية وأرضًا زارها السيد المسيح وحضنت نضالات أجيال شهدت اضطهادات كثيرة وبقيت متجذرة في المكان والزمان على رغم العواصف الكثيرة التي هبّت عليها.
كلما كان لبنان في خطر، كلما شخصت الأنظار الى بكركي. هي التي لم تتخلَّ يومًا عن واجب الدفاع عن لبنان، وهي التي كان لها الدور الأبرز في رسم صورة هذا الكيان على الأرض قبل مئة عام، قبل أن ترسم إطاراته التاريخية. ولذلك تعتبر بكركي أنها حاملة لهذه المهمة المقدسة. حملتها منذ إعلان دولة لبنان الكبير مع البطريرك الياس الحويك، واستمرت في حملها في كل الأزمات التي تعرّض فيها الكيان اللبناني للخطر، ولم تتوانَ عن التصدي لعهد الوصاية السورية مع البطريرك مار نصرالله بطرس صفير، وهي تستمر في هذه المسؤولية مع البطريرك مار بشارة بطرس الراعي الذي تولى سدّة البطريركية منذ خمسة أعوام.
إذا كانت ولاية البطريرك صفير شهدت انتهاء الحروب العسكرية في لبنان وولادة اتفاق الطائف ومقاومة عهد الوصاية ومصالحة الجبل ورعاية لقاء قرنة شهوان والسعي لاستعادة لبنان حريته وسيادته واستقلاله، فإن ولاية البطريرك الراعي تشهد ومنذ العام 2011 إعادة صياغة الشرق الأوسط وما تخللها من حروب وصراعات انعكست حتمًا على الوجود المسيحي في الشرق وخصوصًا في سوريا والعراق. وإذا كانت هذه الحروب في مراحلها الأولى شهدت صعود التطرف الأصولي مع تنظيمات «داعش» وغيرها ثم انهيارها، فإن المرحلة المقبلة يُنتظر أن تشهد إعادة صياغة أنظمة جديدة في هذه الدول. فهل سيستعيد المسيحيون دورهم وحضورهم في هذه الدول التي كانوا في أساس نموها وتطورها كمواطنين متجذرين في تاريخها وأرضها وحضاراتها؟
لقد كانت زيارة البطريرك الراعي الى المملكة العربية السعودية سابقة تاريخية تؤسس لدور أكبر للكنيسة المارونية على مستوى منطقة الشرق الأوسط، باعتبار أنها تشكل نقطة الارتكاز لاستمرار الوجود المسيحي الفاعل والقوي في هذه المنطقة. ولذلك تعرضت هذه الزيارة لانتقادات كثيرة لأنها تزامنت مع الأزمة السياسية التي أثارتها قضية استقالة الرئيس سعد الحريري التي أعلنها من المملكة العربية السعودية.
في الصرح البطريركي التاريخي وفي زمن الميلاد، لا يتردد البطريرك الراعي في رسم صورة متفائلة لرجاء جديد لمسيحيي الشرق الذين هم أصيلون وأصليون في بلدانهم، معتبرًا أننا، وأنهم، لا نريد حماية من أحد. وهو إذ يدافع عن زيارته التاريخية للمملكة العربية السعودية، لا يتوانى عن الخوض في بعض التفاصيل السياسية المحلية، خصوصًا ما يتعلق منها بتداعيات أزمة استقالة الرئيس سعد الحريري وما تلاها، معلناً في هذا الحديث مع «النجوى ـ المسيرة» أن الرئيس الحريري أبلغه عندما التقاه في بيروت «ما بدي بق بحص عالإعلام، وإذا عندي شي بحكيه مع الأشخاص المعنيين مباشرة».
اليوم وبعد 2017 سنة على ميلاد السيد المسيح ما هي الأخطار التي تهدد الوجود المسيحي في الشرق؟
الحروب وعدم الاستقرار الأمني والأزمات الاقتصاديّة وتنامي الحركات الأصوليّة والتنظيمات الإرهابيّة.
هل لا تزال الكنائس الشرقية كنائس الرجاء وهل بهذا الرجاء وحده استطاعت أن تعبر الأزمات والأزمنة الصعبة؟
تبقى الكنائس علامات رجاء بعملها الروحي والراعوي، وبهيكليّاتها الكنسيّة: بطريركيات وأبرشيّات ورعايا، وبمؤسّساتها: مدارس وجامعات ومستشفيات ومؤسّسات اجتماعيّة. ولهذه الكنائس تأثير فاعل ومتفاوت في المجتمعات والدول.
هل الأزمنة الآتية ستكون أفضل أم اسوأ على المسيحيين في الشرق؟
لا أستطيع أن أتنبّأ عن الأزمنة الآتية، لكنّي أقول أن المسيحيّين مرّوا، عبر التاريخ، بأزمات كبيرة، ومحن ومصاعب واضطهادات. فصمدوا بإيمانهم وبحكم مواطنيّتهم، ونموا وتقوّوا. ليس المسيحيّون مجرّد أفراد، بل هم جسد المسيح السرّي الذي يقوى على المحن. لقد طمأنهم الربّ يسوع: «سيكونُ لكم في العالم ضيق، لكن تقوّوا، أنا غلبتُ العالم» (يو16: 33).
ما هي مسؤولية الكنائس الشرقية في شكل عام عن تأمين استمرار الوجود المسيحي الحر والفاعل وما هي مسؤولية الكنيسة المارونية تحديدا؟
مسؤوليّتها أن تعلن إنجيل المسيح، إنجيل الخلاص والمحبّة والأخوّة، إنجيل العدالة والحرية والسلام، وأن تحافظ على أبنائها بواسطة هيكليّاتها ومؤسّساتها، وأن تحمل قضاياهم وتدافع عنها لدى السلطات المدنيّة، وأن تعمل بكلّ السبل على حفظ كرامتهم ووجودهم الحرّ والفاعل في أوطانهم، وعلى إيجاد فرص عمل وإنتاج تضمن حياتهم الكريمة ومستقبل أولادهم، وأن تتعاون مع المنتشرين على حماية وجود المقيمين في الوطن الأمّ بشتّى الوسائل والمشاريع.
هل يعتبر غبطة البطريرك أن وجود المسيحيين القوي والفاعل في لبنان هو الضمانة لاستمرار الوجود المسيحي في الشرق؟
من دون شكّ، فإنّ مسيحيّي الشَّرق يتطلّعون إلى مسيحيِّي لبنان كضمانة لوجودهم، لسببَين رئيسيين: الأوّل، قدرات المسيحيّين في لبنان كنسيًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا وفنّيًّا وإنمائيًّا؛ والثاني، تمكّنهم من إنشاء نظام سياسي غير ديني، يشارك فيه المسيحيّون والمسلمون بالمساواة في الحكم والإدارة. وبالتالي أنشأوا نظامًا ديموقراطيًّا يقرّ بجميع الحريات العامّة، وفي مقدّمتها حرية الرأي والتعبير والضمير والمعتقد. كتب القدّيس البابا يوحنا بولس الثاني في أيلول 1989: «إنّ ازدهار المسيحيّة في لبنان هو الضمانة للجماعات المسيحيّة في بلدان الشَّرق الأوسط». ولهذا السبب خصّ لبنان بجمعيّة خاصّة لسينودس الأساقفة سنة 1995، وأتى إلى لبنان ووقّع الإرشاد الرسولي: «رجاء جديد للبنان»، في 10 ايار 1997.
هل لدى الكنيسة المارونية خطة للحد من الهجرة المسيحية؟
خطّة الكنيسة المارونيّة العمل الراعوي، وتنمية مؤسّساتها التربويّة والاستشفائيّة والاجتماعيّة بحيث تؤدّي المزيد من الخدمات، وتوفّر فرص عمل وإنتاج، وتساهم في تحريك العجلة الاقتصادية والتجارية. وخطّتها أيضًا بناء منازل للعائلات الجديدة، ووضع أراضيها في متناول أبنائها لاستثمارها زراعيًّا وصناعيًّا وسياحيًّا وحرفيًّا. وقد أسهبتُ بهذا الموضوع في رسالتي العامة: «خدمة المحبة الاجتماعيّة» التي أصدرتُها في 25 أذار 2017.
هل البطريرك الراعي راض عن النتائج التي حققتها المؤسسة المارونية للإنتشار على صعيد استعادة اللبنانيين في الإنتشار للجنسية اللبنانية؟
المؤسّسة فتحت مكاتب في عالم الانتشار وموّلتها وتتحمّل كلّ مصاريفها باذلة مبالغ ماليّة طائلة، وتتعاون مع البعثات الديبلوماسيّة والمطارنة وكهنة الرعايا. لكن المشكلة هي التقاعس من قبل المسيحيّين والموارنة عن تسجيل واقعات نفوسهم لدى البعثات الديبلوماسيّة التي ترسلها بدورها إلى لبنان. نأمل أن تأتي النتائج بمقدار التضحيات.
وهل يمكن أن تكون هناك مؤسسة مارونية لتجذير بقاء المسيحيين في أرضهم؟
المؤسّسات الكنسيّة على أنواعها، فضلًا عن المؤسّسات الاجتماعيّة، وبالطبع مؤسّسات الدولة تساهم كلّها في حفظ المسيحيّين في أرضهم.
أي شرق جديد يمكن أن يعيد طمأنة المسيحيين في وجودهم تأسيسا على ما حصل في سوريا والعراق؟
الشّرق بحاجة إلى اعتماد مبدأ المواطنة لا الدِّين، وهو مبدأ ينفي التمييز بين أكثرية وأقلّية، بل يستبدلها بكلمة «مواطنين».
هل قضية القدس قضية دينية أم سياسية أم قومية؟ وهل يمكن أن تكون عاصمة العالم المفتوحة للسلام بمباركة وسعي من الفاتكيان؟
القدس واسمها الأصلي «أورشليم» أي مدينة السلام، هي مدينة مميّزة تحتوي تراثات دينية أساسيّة للديانات التوحيديّة الثلاث: اليهوديّة والمسيحيّة والإسلام. فينبغي أن تُصان المدينة المقدّسة لجميع أتباع هذه الديانات. فمنذ سنة 1947 وبالقرار 181 لمنظّمة الأمم المتّحدة اعتبرتها الأسرة الدوليّة «جسمًا منفصلًا» يضمّ المدينة المصوّنة بالإضافة إلى مساحة من الكيلومترات المربّعة حولها. وراحت تتبلور الفكرة لتصبح «نظامًا دوليًّا خاصًّا» للمدينة المقدّسة ترعاه منظّمة الأمم المتّحدة. وهذا كان موقف الفاتيكان منذ سنة 1948 إلى اليوم.
كيف يقرأ غبطة البطريرك ردود الفعل على قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب الإعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إليها؟
رفض كامل لقرار الرئيس دونالد ترامب لأنّه مخالف لعدد من قرارات منظّمة الأمم المتّحدة ومجلس الأمن، ولأنّه تحدٍّ كبير للعالم وللبلدان العربيّة وللفلسطينيّين وللمسيحيين والمسلمين، ولأنّه يؤجّج نار الحرب ويبعد السلام. يجب العمل إمّا على التراجع عنه، وإما إبطاله من الشرعيّة الدوليّة.
وكيف يعلق البطريرك على التظاهرة التي حصلت في عوكر؟
كنت أتمنّى لو كانت حضارية، لا غوغائية وعدائية وفوضوية، كما رأينا بكلّ أسف. التظاهرات تستوجب المطالبة ضمن أطر أمنية تحترم الجيش والقوى الأمنية وممتلكات الأفراد والمؤسسات العامّة. عند ذلك تكون حضارية وفاعلة، وإلّا فقدت قيمتها ومبتغاها.
أي دور يمكن أن يلعبه الكرسي الرسولي في حماية الوجود المسيحي في الشرق؟
الكرسي الرسولي يعمل مع الدول بما له من قوّة معنوية، لحماية الوجود المسيحي، ويدعو إلى دعم المؤسّسات والرسالات الكنسية المحتاجة لكي تستمرّ في الخدمة والمحافظة على المسيحيّين في بلدانهم، لكونهم مواطنين فيها ومساهمين في إنمائها.
ما هو المطلوب من الكرسي الرسولي ومن أميركا وروسيا ودول الغرب لحماية الوجود المسيحي في الشرق؟
لا أظنّ أنّ أميركا ودول الغرب معنيّة بالمسيحيّين. إنّها دول «علمانيّة» وتتعامل مع الدول، لا مع الجماعات المسيحية أو الدينية. وهي تنظر إلى مصالحها الاقتصادية والسياسية، من دون أي اعتبار لأهميّة الدور المسيحي في بلدان الشّرق الأوسط. فالمسيحيّون يحملون قيم الديموقراطيّة والحداثة، ولهم دور مهمّ في التفاعل مع المسلمين والديانات الأخرى، وفي خلق الاعتدال الإسلامي والانفتاح على الآخر المختلف. أما روسيا فتختلف قليلًا عن هذه الدول، لكونها تولي انتباهًا ملحوظًا لأهميّة الوجود المسيحي.
نحن المسيحيين لا نريد «حماية» من أحد. فزمن «الحمايات» قد ولّى. وكانت سلبياته أكثر من إيجابياته. نحن نريد الاستقرار في بلداننا وعدم التدخّل الخارجي في شؤونها. فالمسيحيون مواطنون أصليّون وأصيلون، وهم في بلدانهم منذ ألفي سنة، وقبل ظهور الإسلام بستماية سنة.
هل حقق السينودس الخاص من أجل لبنان أهدافه بعد 23 عاما؟
على الصعيد الكنسي، نعم حقّق السينودس من أجل لبنان أهدافه على مختلف المستويات. أما على الصعيد السياسي، فلم يعطَ كلّ حقّه من قبل السياسيّين.
هل حقق سينودس الشرق بعد خمسة أعوام أهدافه؟ وهل المطلوب اليوم سينودس جديد خصوصا بعد المخاضات الصعبة التي حصلت وتحصل في المنطقة؟
كذلك السينودس من أجل الشرق الأوسط حقّق أهدافه على المستوى الكنسي. لسنا بحاجة إلى سينودس جديد، بل بحاجة إلى نهاية الحروب وإحلال السلام وعودة جميع النازحين واللاجئين والمخطوفين إلى بلدانهم، لكي يعيش الجميع فرح ما علّم السينودس في الإرشاد الرسولي الصادر عنه بتوقيع قداسة البابا بندكتوس السادس عشر.
هل يمكن أن يطبق مبدأ النأي بالنفس عن صراعات المنطقة والذي أكدت عليه الحكومة اللبنانية بعد أزمة استقالة الرئيس سعد الحريري؟
مبدأ النّأي بالنّفس، الذي اتّخذته الحكومة بكلّ مكوّناتها، قابل للتّطبيق بحكم هذا الإلتزام. ولذلك قبوله من الجميع يستوجب تطبيقه. وأعتقد أنّه يصبح قابلاً للتطبيق بشكل أسهل، إذا اكتمل بالإتفاق على الإستراتيجية الدفاعية الوطنيّة المشتركة. ومعلوم أنّ النّأي بالنفس ينتج طبيعيًّا من الحياد الذي يحتاج إليه لبنان، بمفهومه الدّولي. فإذا أقرّ حياد لبنان من منظّمة الأمم المتحدة، وكان دولة قادرة وقويّة، يصبح النّأي بالنّفس من ضمن هذا الحياد، ويذوب فيه.
مجموعة الدعم الدولية التي اجتمعت في باريس ذكرت بتطبيق القرار 1559 والقرار 1701 لاستعادة لبنان سيادته. هل يرى غبطة البطريرك أن تطبيق القرارين لا يزال ممكنا أم أن التطورات تخطتهما؟
القرار يبقى قرارًا ولو لم يُنفَّذ بجملته. ويبقى بالتالي واجب التّنفيذ من قِبل المعنيِّين، وموضوع مطالبة مستمرّة. لذلك أرى أنّ تطبيق القرارَين 1701 و1559 ممكن ويطبّقان جزئيًّا وتباعًا حتّى اكتمالهما. ولا يمكن القول إنّ التطورات تخطّتهما.
كيف ينظر غبطة البطريرك إلى جولات قيادات ميليشيات مسلحة غير لبنانية في الجنوب وهل لديك تخوف من إعادة فتح جبهة الجنوب لتحرير فلسطين؟
الروايات في الصّحف مختلفة. لذلك أترك إلى السلطات المدنيّة والعسكريّة المختصّة تقدير ذلك وتقييمه. أمّا إعادة فتح جبهة الجنوب لتحرير فلسطين، فنحن لا نقبلها، وليس لبنان وحده مسؤولاً لتنطلق من أرضه مثل هذه الجبهة. وفي كلّ حال، لقد دفع لبنان، وما زال، ما فيه الكفاية بل أكثر من أجل فلسطين وتحريرها.
ما هي النصيحة التي تعطيها للحكومة والعهد ولـ«حزب الله» في هذا المجال؟
أقول إنّ البلدان العربيّة كلّها مسؤولة عن حلّ قضيّة فلسطين. فلا يجوز تحميلها للبنان وحده. فأيّة عمليّة عسكرية تنطلق من الأراضي اللبنانيّة إنّما لبنان بشعبه وإمكاناته ومرافقه سيدفع الثّمن، كما اختبرنا في الماضي. لذلك يجب إيجاد وسيلة أخرى غير العمليات العسكريّة.
كيف يقوّم غبطة البطريرك نتائج زيارته إلى المملكة العربية السعودية؟ وهل هي خطوة أولى في مسار طويل وما هي الخطوة التالية في هذا المسار؟
هذه الزيارة، بدعوة رسميّة من جلالة الملك سلمان بن عبد العزيز جاءت تجسّد علاقات الصداقة بين المملكة والبطريركية المارونية، التي قامت على مراسلات ودّيّة بين المؤسّسين والبطاركة منذ عهد المثلّث الرحمة البطريرك أنطون بطرس عريضة. لقد متّنت الزيارة هذه العلاقات بفضل الحفاوة الكبيرة التي خصّني بها والوفد المرافق الملك سلمان وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وأمير الرياض فيصل بن بندر. وكان للزيارة دور في تمتين الثّقة بالجالية اللبنانية في المملكة، وفي التوافق المشترك على عودة دولة الرئيس سعدالحريري إلى لبنان، من أجل حلّ الأزمة الدستورية والسياسيّة والوطنيّة. وقد فتحت الزيارة الباب للتعاون في سبيل العيش المشترك، والحوار بين الأديان والثقافات والحضارات، وسواها من علاقات الصداقة والتّعارف على المستوى الإجتماعي والإنساني، فضلًا عن العلاقات بين الدولة اللبنانية والمملكة. الزيارة كانت ناجحة بكل المقاييس على رغم الأصوات المنتقدة والمعترضة، وشكلت خطوة تاريخية كانت لها أصداء جيدة في حاضرة الفاتيكان.
حكي قبل الزيارة وخلالها عن كنيسة قديمة ستقدمها المملكة هل كان هذا الأمر مجرد إشاعة؟
لم نتكلّم في لقاءاتنا عن أيّة كنيسة. إنّها مجرّد إشاعة صحافيّة.
هل يعتبر غبطة البطريرك أن الإنتخابات النيابية ستحصل في موعدها في أيار المقبل؟
أظنّ انّها ستحصل، ويجب أن تحصل، ومن المعيب جدًّا تأجيلها مهما كان السّبب. فلا يحقّ للمجلس النيابي أن يخالف الدستور مرّة رابعة من أجل كرامته وكرامة لبنان واللبنانيّين، ومن أجل ضمان إحترام الدولة من قِبل الأسرة الدوليّة.
هل من جديد حول موضوع اللبنانيين اللاجئين في إسرائيل؟
جواب السلطة السياسيّة هو أنّ الشّخص الذي يعتبر نفسه غير متعامل، يمكنه الحضور إلى لبنان ويتمّ التحقيق معه خلال 24 ساعة للسماح بدخوله. في كلّ حال، نتمنّى أن يتمّ إعلام البطريركيّة بالأسماء، لكي نبحث بشأنهم قبل وصولهم إلى لبنان، تجنّبًا للمفاجآت غير المحمودة.
أعلنتم سنة 2017 سنة الشهادة والشهداء هل لا تزال الكنيسة المارونية كنيسة الشهادة والشهداء وإلى متى؟
الشهادة والإستشهاد رافقا كنيسة المسيح منذ عهد الربّ، وسيبقيان هنا وهناك وهنالك. كذلك الشهادة والإستشهاد رافقا كنيستنا المارونيّة منذ سنة 517 وما زالا. فالشهادة للمسيح هي دعوة الكنيسة ورسالتها، والشهادة تؤدِّي في بعض الأمكنة والظروف إلى استشهاد الدم. ولكن يوجد دائمًا الإستشهاد المعنوي عندما تلقى الشهادة رفضًا أوعراقيل أو مصاعب أو تضحيات.
العام 1918 انتهى الإحتلال العثماني للبنان وولد لبنان الكبير. بعد مئة عام هل لا يزال لبنان الكبير الوطن الحلم للمسيحيين في لبنان؟ وهل هو مهدد بخطر الإنحلال؟
ليس لبنان في الأساس «الوطن الحلم للمسيحيين». بل هو الوطن الذي ضحّوا في سبيله وعملوا على مدى القرون في سبيل إنشائه دولة مميّزة عن سائر دول المنطقة لكونها تفصل بين الدين والدولة، وتنظّم بالميثاق الوطني والدستور العيش المشترك بين المسيحيِّين والمسلمين، ومشاركتهم بالتساوي في الحكم والإدارة، وتعتمد النظام الديمقراطي وجميع الحريّات العامّة. لن يكون لبنان مهدّدًا بخطر الإنحلال طالما المسيحيّون والمسلمون محافظون على ولائهم له، وعلى الثقة المتبادلة في ما بينهم، وعلى التعاون والتضامن في بناء مؤسّساته والحفاظ على شعبه وأجياله الطالعة بالنموّ الإقتصادي والبحبوحة والعيش الكريم المكتفي.
الكنيسة المارونية كنيسة القداسة والشهادة والقديسين كيف يقوم البطريرك الدعوات الكنسية اليوم والحياة الرهبانية؟ هل هي في تجدد دائم؟ وهل هناك تجديد في دور كهنة الرعايا وعلاقاتهم مع الرعايا؟
نشكر الله على تزايد الدعوات الكهنوتيّة والرهبانيّة. وكلّنا يسهر على إحياء التجدّد في الحياة الروحية لدى الكهنة والرهبان والراهبات، وتجديد سبل رسالتهم وإدائهم وشهادة حياتهم.
وأي دور تلعبه الكنيسة في العودة إلى الحياة الرهبانية الأصيلة وفي ترسيخ العلاقة بين الراعي والرعايا وفي العودة إلى الروح الدينية والإجتماعية الصحيحة التي تطغى عليها اليوم الماديات؟
إنّ العودة إلى الأصالة في الحياة الكهنوتية والرهبانية والمسيحية سعي يومي بالصّلاة والتّأمل والرياضات الروحية، والتزام بالأمانة للحالة والواجب المرتبط بها. بهذه الطريقة ننتصر كلّنا على روح الماديّة والإستهلاكيّة.
كيف تصف لقاءك مع الرئيس سعد الحريري في بيروت؟
كتير منيح. كانت غاية الزيارة تهنئته بالرجوع وعودته عن الاستقالة، والبيان الذي صدر عن مجلس الوزراء في القصر الجمهوري حول النأي بالنفس على أساس أن يُستكمل هذا النأي بالاستراتيجية الدفاعية المشتركة ويكتمل عندما يصير عندنا إقرار عالمي بحياد لبنان. عندما يتأمن حياد لبنان تذوب فيه كل القضايا الأخرى ويصبح لدينا دولة قوية وقادرة، وهذا الهدف يجب أن نعمل عليه جميعًا. هنأته أيضًا بلقاء مجموعة دعم لبنان في باريس وبما سينتج عنه، وتحدثت معه في موضوع كيفية بناء الوحدة الداخلية التي تشمل الجميع لأن لبنان لا يتحمل أي زعزعة وأي خلافات. وطبعًا هذا كان موقفه لأنه قال نحن مستعدون للتفاهم والسير الى الأمام، وإذا كانت هناك اتهامات تطلق في الصحف فلا يجب أن تستمر، وإذا كان هناك أي شيء من هذا النوع فتتم معالجته بين الأطراف المعنية وفي لقاءات شخصية وليس في لقاءات إعلامية. وهو كان قال لي «إن خبرية بقّ البحصة مش واردة عندي وكانت نكتة مع الشباب… أنا ما بدّي بقّ بحص عالإعلام. أنا إذا عندي شي بحكيه مع الأشخاص المعنيين مباشرة بيني وبينهم. ومش وقتها نكبِّر الأمور وتطلع بالإعلام متل ما عم تطلع». وطبعًا شجعته على ذلك.
بعد عودتك من روما التقيت أيضًا الرئيس ميشال عون. هل كان المطلوب توضيحات لما رافق زيارتك الى المملكة العربية السعودية؟
لم تكن الزيارة بهدف التوضيح. لقد قدمت للرئيس تقريرًا عما حصل معنا وشو سمعنا من الملك ومن ولي العهد ومن الرئيس الحريري، وكله كان يصب في خانة واحدة هي عودة الرئيس الحريري الى لبنان واستئناف الحياة السياسية. وفي اليوم التالي اتصلت به وطمأنته عن كل هذه القضايا، وبعد عودتي وضعته في أجواء اللقاءات في روما حيث كان المسؤولون هناك مهتمين لمعرفة ما حصل في لبنان. وكنت أنا راجع من روما الى لبنان وكان هو يستعد للسفر الى روما من لبنان في اليوم التالي.
هل لمست تغييرًا لدى الرئيس الحريري بين لقائك به في السعودية ولقائك به في بيروت؟
طبيعي. عندما كان في الرياض والتقيت به سألته ما إذا كان يريد العودة، فقال لي إنه يريد ذلك. سألته ما إذا كان سيصر على الاستقالة، فقال إنه سيحكي في هذا الموضوع مع رئيس الجمهورية ومع رئيس مجلس النواب ليقرر ماذا سيفعله. وإذا كانوا مستعدين للدخول في تسوية جديدة، فإنه مستعد لسحب الاستقالة، أما إذا كانت الأبواب مقفلة أمام هذه التسوية، فـ»أنا مضطر لتقديم استقالتي بحسب الأصول والدستور». سألته في حال كلفوك من جديد على ضوء الاستشارات النيابية هل تقبل؟ قال لي: «طبعًا أقبل لأنه في النتيجة هذا وطننا. ومنشوف كيف بدنا نقلّع بهالموضوع»، والحمدلله الأمور تغيّرت.
يعني الأمور سارت طبيعيًا بعد عودته ولم يكن هناك انقلاب في المواقف؟
في حديثي معه لم ندخل في التفاصيل الداخلية. ونشكر الله أن ما سمعته منه ومن الملك وولي العهد تُرجم على الأرض وهذا المهم. وكما يقول مار بولس «أنسى ما ورائي وأنبسط الى ما أمامي»، بدنا نضل نمشي لقدام والبلد ما بيحمل نظرة الى الوراء وأزمات.
ماذا عن طلب وزير الخارجية جبران باسيل فتح سفارة للبنان في القدس الشرقية؟
أستبعد أن يحصل مثل هذا الأمر في المدى المنظور لأن إسرائيل يسرها فتح سفارات في القدس. ولكن أريد أن أذكر هنا أن المجتمع الدولي منذ العام 1947 أراد أن تكون زيارة القدس مفتوحة أمام جميع الديانات.
هل يمكن أن يقوم البابا فرنسيس بزيارة لبنان قريبًا؟
أستبعد أن تتم هذه الزيارة في المدى المنظور. نحن قمنا بما علينا ويبقى القرار لدى الكرسي الرسولي. لقد وجهت الدعوة رسميًا عبر رئاسة الجمهورية ثم عبر الكنيسة كما تقتضي الأصول والبروتوكول. صحيح ومن المؤكد أن لبنان يحظى باهتمام الفاتيكان خصوصًا لما يمثله على مستوى الحضور المسيحي في الشرق، وقداسة البابا لا يترك مناسبة إلا ويتطرق فيها الى وضع لبنان وأهميته، ولكن هناك من يعتبر أن لبنان حظي بزيارة ثلاثة باباوات خلال أعوام قليلة بينما هناك دول ومناطق في العالم لم تشملها هذه الزيارات بعد ويمكن أن تُعطى الأولوية.
قبل القمة الروحية الأخيرة في بكركي بشأن القدس طرحت فكرة عقد قمة روحية ثم صرف النظر عنها. هل لأن الاتفاق على مسألة القدس أسهل من الاتفاق على شأن داخلي؟
عادة لا تتم الدعوة الى قمة قبل استمزاج آراء كل رؤساء الطوائف من خلال لجنة الحوار المسيحي ـ الإسلامي ويتم الاتفاق مسبقاً على مسودة البيان. صحيح طُرحت فكرة قمة قبل أشهر، وشاءت الظروف وطبيعة المرحلة أن تنعقد في الأمس حيث طرح كل فريق وجهة نظره وطلعنا ببيان حظي بالإجماع.
هل من لجنة متابعة يمكن أن تتصل بالجانب الأميركي حول موضوع القدس؟
نحن في البيان ناشدنا أميركا وطالبناها بالرجوع عن هذا القرار، ودعونا المجتمع الدولي للتحرك حفاظاً على هوية المدينة.
أسبغ المفتي الجعفري الممتاز عبد الأمير قبلان صفة الإمامة على الرئيس عون، هل ترون في الأمر محاولة لإضفاء طابع إسلامي على مسألة القدس؟
(ضاحكاً)، أبدًا. جاء كلامه في معرض المزاح ومن قبيل الإشادة بموقف الرئيس ميشال عون (في قمة الدول الإسلامية)، وأيضًا بموقف الوزير جبران باسيل (في اجتماع وزراء الخارجية العرب). كما أنه أشاد في خلال اللقاء بدور بكركي والمسيحيين بما خص موقفهم الأساسي من قضية القدس.
ماذا عن الحملات التي استهدفت «القوات اللبنانية» بهدف عزلها؟
أستبعد حصول هذا الأمر ونحن ضده. وقد سمعت من الرئيس الحريري كلامًا يؤكد فيه أن لا نية لعزل أي مكوّن سياسي. وما تم تداوله لا يعدو كونه محاولة لإثارة بلبلة من خلال بعض الأقلام.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]