
نحن هنا – كتب رئيس جهاز الإعلام والتواصل في “القوات اللبنانية” شارل جبور في “المسيرة” – العدد 1642
يتردد كثيرا في بعض الأروقة السياسية وحتى في الإعلام ان انتخابات العام 2018 ستكون نسخة طبق الأصل عن انتخابات 1992، والجهة او الجهات التي تروج لهذا الكلام هي أولا خارج الحكومة، وتعزو ثانيا السبب في ذلك إلى القانون الذي فصل، بالنسبة إليها، على قياس “حزب الله”، الأمر الذي يفتقد في الحقيقة إلى الدقة والصحة للأسباب الآتية:
أولا، شعر البعث السوري في العام 1992 ان الفرصة مؤاتية لتشريع احتلاله للبنان من دون اعتراض دولي، مستفيدا من التفويض الأميركي المعطى له ومن الحاجة لدوره في عملية السلام، فقرَّب موعد الانتخابات النيابية التي كانت مقررة في العام 1994، ودعا إلى تنظيم انتخابات في غضون أسابيع من أجل ان يضمن هيمنته على لبنان في ظل خشيته من حصول تطورات غير مرتقبة تؤدي إلى إخراجه من لبنان.
ثانيا، قرار إجراء انتخابات العام 1992 كان قرارا سوريا بامتياز وغير قابل للنقاش وخلافا للدستور وتم على عجل وعلى شكل تهريبة وفي ظل وصاية سورية على لبنان وتخل دولي وعربي عنه ومقاطعة غير مسبوقة لم تتمكن من تأجيل الانتخابات، الأمر الذي لا ينطبق على ظروف المرحلة الراهنة.
ثالثا، لا يمكن تشبيه النفوذ السوري في حقبة الوصاية على لبنان بالنفوذ الإيراني بعد الخروج السوري من لبنان، حيث ان البعث السوري كان الحاكم الفعلي للبنان، فيما الحرس الثوري الإيراني يملك، بفعل سلاحه، حق الفيتو، ومسار الأحداث منذ العام 2005 أثبت وجود توازن قوى لم يكن موجودا قبل ذاك التاريخ، وآخر دليل استقالة الرئيس سعد الحريري.
رابعا، قرار إجراء الانتخابات لم يتخذ في الضاحية الجنوبية وعلى عجل وعلى شكل تهريبة، إنما اتخذ من قبل كل المكوّنات السياسية التي كان البعض منها اعترض على التمديد المتمادي لمجلس النواب، وأصر على اتمام الانتخابات ووقف مهزلة التمديد.
خامسا، القانون الذي ستجرى على أساسه الانتخابات هو من أفضل القوانين التي تم إقرارها بعد اتفاق الطائف، وغير مفصل على قياس بعض القوى السياسية كما كان عليه الحال في القوانين السابقة، ويحقق أفضل تمثيل ممكن، ويمنع الاحتكار السياسي، ويسمح لأي أقلية بان تتمثل، ويجعل كل صوت في الانتخابات مهما.
سادسا، القول إن القانون الحالي هو قانون نسبي وإن النسبية مطلب “حزب الله” من أجل الاستنتاج ان القانون الحالي هو قانون الحزب، لا يعكس واقع الحال وحقيقة الأمور ويعبر عن تبسيط كلي، لأن النسبية التي كان يسعى إليها “حزب الله” هي لبنان دائرة واحدة، فيما النسبية الحالية تعكس مطلب معظم القوى السياسية.
سابعا، لا يجوز رفض النسبية بالمطلق لمجرد ان “حزب الله” يؤيدها أو شيطنة كل ما يؤيده الحزب، فالخلاف البنيوي والاستراتيجي مع الحزب في قضايا أساسية ومختلفة لا يعني ضرورة انسحابه على كل شيء، وكما حصل بعض التقاطع معه في ملفات معينة داخل مجلس الوزراء، فإن قانون الانتخاب الحالي أفضل بمسافات من القانون السابق، ولا يجوز رفضه لمجرد وجود انطباع انه قد يؤدي الى تحسين تمثيل الحزب، فيما سيؤدي إلى تحسين تمثيل أخصامه، وهل يفترض مثلا رفض قانون تمثيلي والإبقاء على قانون غير تمثيلي لانه يحرم افتراضيا تمثيلا أوسع للحزب؟
ثامنا، إخراج الجيش السوري من لبنان حصل على رغم إمساكه بكل مفاصل المؤسسات الدستورية، لأن وجوده كان غير قانوني وغير شرعي، و”حزب الله” سيسلم سلاحه للدولة عاجلا أم آجلا، لأن هذا السلاح غير قانوني وغير شرعي ولو حاول التلطي بتمثيل فعلي او وهمي، فالتمثيل لا يشرِّع الباطل والخطيئة والخطأ وشريعة الغاب والفوضى، ولبنان لا يمكن ان يشهد استقرارا فعليا في ظل وجود دولة في قلب الدولة تبقي البلد بحالة حرب مؤجلة كالجمر تحت الرماد.
تاسعا، البعث السوري قام بتزوير التمثيل من أجل ضمان طبقة سياسية تؤيد استمرار بقاء جيشه في لبنان، ولا يجوز تزوير التمثيل من أجل “ضمان” أكثرية ضد “حزب الله”، لأن مواجهة الحزب الفعلية يجب ان تكون بالتمثيل الصحيح لا المزور، وبتطبيق القوانين لا بتجاوزها، لأن الحزب هو فوق الدستور والقانون ويقيم دولة في قلب الدولة، ووضع “حزب الله” على ما هو عليه هو الاستثناء لا القاعدة، ولن يتحول يوما إلى قاعدة.
عاشرا، الأكثرية النيابية الناتجة عن استحقاقي 2005 و2009 لم تبدل شيئا في المشهد او التوازن الوطني، أولاً لأنها أكثرية لا تعكس صحة التمثيل، وثانيًا لأن التوازن ليس فقط نيابيًا إنما إقليمي وطائفي.
حادي عشر، التوازن داخل البيئة المسيحية سيبقى نفسه مع احتمال كبير بتقدم القوى السيادية، فيما لا تغيير داخل البيئة الدرزية، ولذلك التغيير الوحيد المحتمل داخل البيئة السنية لمصلحة “حزب الله”، فيما خطاب سياسي واضح المعالم والأبعاد الداخلية والخارجية قادر على قطع الطريق على الحزب، كما ان الساحة الشيعية لن تكون بمنأى عن تغييرات فعلية مع القانون الجديد الذي يقدم فرص متساوية لكل القوى السياسية.
ثاني عشر، الاحتلال السوري حكم بأكثرية شيعية وسنية ودرزية وأقلية مسيحية، وعندما تقاطعت الأكثرية السنية والدرزية والمسيحية على إخراج الجيش السوري في ظل ظروف خارجية مواتية نجحت بتحقيق أهدافها، فيما “حزب الله” لن يخرج من انتخابات 2018 سوى بأكثرية شيعية، فيما الأكثرية السنية ستبقى ضده، وكذلك الأمر الدرزية على رغم اتباعها سياسة وسطية، وتوازن مسيحي بالحد الأدنى.
فـ”حزب الله” لن يتمكن من الحصول على أكثرية نيابية، اي النصف زائد واحدا، وحتى لو تمكن من ذلك في أسوأ الأحوال، فإن الأكثرية داخل البيئات الطائفية الأخرى ستبقى ضده، وبالتالي ستبقى حدوده عند حدود الطوائف الأخرى التي يستحيل ان يتمكن من اختراقها.
وتأسيسا على ما تقدم، لا يمكن مقارنة انتخابات 1992 بانتخابات 2018، فلا تسليم على المستوى الدولي والإقليمي لوصاية “حزب الله” على لبنان على غرار ما كان عليه الوضع مع النظام البعثي، بل الحزب في أصعب وضع خارجي منذ تأسيسه، ولا “حزب الله” قادر محليا ان يكون سلطة وصاية على غرار الجيش السوري، ولا الانتخابات ستجري بقرار سوري كما جرت في العام 1992، ولا القانون الحالي فصِّل على قياس “حزب الله” كما فصل البعث السوري قوانين الانتخابات على قياس أزلامه…
وفي مطلق الأحوال ستتحول الانتخابات النيابية مع العام الجديد إلى أولوية الأولويات وتطغى على كل ما عداها، سيما ان شهر آذار يشكل المهلة الأخيرة للترشيحات وتسجيل اللوائح، وبالتالي كل الأمور ستحسم قبل هذا التاريخ، ولذلك فالعد العكسي يبدأ من 1/1/2018.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]
