المسيحية كما المسيح لا تموت… ونحن شهود على ذلك

كتبت جومانا نصر في “المسيرة” العدد – 1642:

«وين العيد يا يسوع»؟ ثمة بيوت كثيرة لن تعيش فرح العيد، عيد ميلاد الطفل يسوع، ثمة عيون دامعة، ووجوه مؤطرة بالخوف والإضطهاد. ثمة مسيحيون كثر في هذا الشرق سيستقبلون ميلاد المخلص ويسألون ويلحّون: «وينك يا يسوع؟»

العيد في قلوبنا التي هيأناها لاستقبال طفل بيت لحم، العيد في عيون أطفال تكحلت عيونهم بصور أطفال مشردين من أصقاع هذا الشرق فقط لأنهم يرسمون شارة الصليب على صدورهم. العيد في سجدة كل أم وفي صلاة المسبحة على نية كل موجوع وكل مريض وكل روح يعصرها الألم. العيد في فرح الرجاء الذي يتجدد في ميلاد يسوع، وفي إيماننا المتجذر بأن مسيحيي هذا الشرق ليسوا مجرد أرقام ولن يكونوا يوما على هامش هذا الشرق.

ومن كنائسنا التي ستقرع أجراسها فرحا ليلة الميلاد مهما حاول الفريسيون إسكاتها، من بيوتنا التي تنتمي إلى ذاك الطفل المولود من أحشاء مريم سنهتف مرنمين بفرح كبير «ولد المسيح هللويا».

يرتكز الفرح الذي يميز انتظار المسيح على الصّلاة المستمرّة. فبواسطتها يمكننا أن ندخل بعلاقة ثابتة مع الله، مصدر الفرح الحقيقي. وبقدر ما نتجذّر في المسيح، بقدر ما نجد السلام الداخلي، حتى في خضمّ التناقضات اليوميّة. لكن هل تحول فرح الميلاد إلى مجرد تاريخ مكتوب على أوراق الروزنامة أو ربما مجرد تقليد ليتورجي؟ كيف يتهيأ مسيحيو لبنان والشرق لزمن الميلاد في ظل كل الحروب  والإضطهادات التي لا تبشر بالفرح العظيم؟ الأب هاني طوق إبن وادي قنوبين يختصر المشهد والتفسيرات:

«ثمة بيوتات كثيرة لا تزال تنتمي إلى المسيح الذي ولد من أحشاء مريم وليس إلى المسيحية ولا إلى مظاهر الحضارة التي تحاول أن تطمس معالم الفرح في زمن الميلاد. وهنا أعود إلى نص إيليا في سفر الملوك الذي قال للرب: «يا رب أنا وحدي لم أسجد للبعل». ويجيب: «لا تخف يا إيليا هناك 7000 ركبة لم تسجد للبعل» في دلالة على أن الكثيرين لم يسجدوا لإله هذا الزمن وما زالوا يؤمنون ويتمسكون بالشعلة ويعيشون بعمق إيمانهم الذي يعتمد على حضور الله في أدق تفاصيل حياتهم.

لكن من تكون هذه البقية الباقية في زمن ما عاد للفرح الحقيقي هامش حتى على هامش حياتنا؟ ويجيب الخوري طوق: «البقية الباقية حاضرة في مدننا وقرانا ومغاورنا التي عاش فيها المسيحيون هربا من الإضطهاد. البقية الباقية هي تلك الخميرة التي تعتمد بشكل كلي على عمل الله في حياتها ولا ترتبط ضماناتها بالحياة المادية ولا بالتفاعلات السياسية ولا حتى في توازنات الرعب القائمة في هذا العالم».

كما تجسد المسيح واتخذ شكلا إنسانيا كذلك تتجسد المسيحية في الزمان والمكان وتأخذ طابع الحداثة. ثمة من ينتقد هذا المشهد ويفترض أن علامات البهرجة والزينة والأنوار المتلألئة على أشجار الميلاد التي بدأت تتخذ طابعا حضاريا وهندسيا مميزا منذ نحو العامين تغلبت على رمزية عيد ميلاد الطفل يسوع الذي ولد في مغارة بيت لحم. والجدل قائم في هذا المجال. لكن في الليتورجيا التفسير واضح. فالميلاد يرمز إلى ولادة حياة جديدة وهبنا إياها الله من خلال طفل المغارة، أما شجرة العيد فتدل على الحياة التي منحنا إياها الله من خلال سر التجسد وأنوارها انعكاس للنور الإلهي الذي ظهر للبشرية على الأرض. أما الهدايا فترمز إلى هدية السماء مخلص العالم يسوع المسيح.

ومقاربة لهذا التفسير يوضح الخوري هاني طوق أن مظاهر الزينة والأنوار والبهرجة في زمن الميلاد تعكس مفهوم الفرح بميلاد مخلص العالم «لكن أخشى من أن يغلب الشكل على المضمون وتصبح الشجرة أو المغارة هدفا للتسويق الإعلاني أكثر من كونها رمزا يساعدنا على أن ندخل في أجواء فرح الميلاد مع العائلة والأصدقاء ونهلل بولادة المخلص. لكن هل يمكن لأكسسوار العيد أن يدفن ذكريات الخوف والألم وحقد الإضطهاد؟ وماذا عن مسيحيي الشرق الذين وضعوا على مشرحة التعذيب والتهجير والإضطهاد؟ ماذا عن أراضيهم، عن بيوتهم عن واحات أحلامهم التي تحولت إلى مقابر تضم رفات أحباء استشهدوا بإسم المخلص الآتي يسوع المسيح؟

يصمت الخوري طوق ويردد: «حينئذ يسلمونكم إلى ضيق ويقتلونكم وتكونون مبغضين من جميع الأمم لأجل اسمي وحينئذ يعثر كثيرون ويسلمون بعضهم بعضا ويبغضون بعضهم بعضا ويقوم أنبياء كذبة كثيرون ويُضلون كثيرين لكن الذي يصبر إلى المنتهى يخلص (متى 24 آية 9 و10)». ويتابع: «وأنا أردد هذا الكلام أستذكر مسيحيي الشرق في العراق وسوريا وفلسطين ومصر. فهؤلاء يُهجَّرون ويُقتلون وتغتصب نساؤهم فقط لأنهم مسيحيون وهذا ليس بجديد في تاريخ المسيحية. في كل حين هناك موت وقيامة وخير لنا أن نكون من فئة الشهداء والمظلومين والمعتقلين في أرضهم بدل أن نكون من الجلادين ونَقتل بإسم الله».

رب قائل أين يسوع من كل ما يجري اليوم في حق المسيحيين؟ أين يسوع من موجات الإضطهاد والتنكيل والتعذيب بمسيحيي هذا الشرق ولماذا لا يتدخل ويقطع اليد التي تمتد لقطع رؤوسهم وسبي نسائهم؟».

«أين يسوع»؟ يكرر الخوري طوق السؤال أكثر من مرة ويجيب: «نحن نؤمن بإله لا ظلام فيه كنور الشمس التي تشرق على الأخيار والأشرار لكن طوبى لمن يفتح نوافذه لهذا النور. كثيرون يعيشون في الظلام ويقترفون الويلات بإسم الله. في كلام الرب ما يوضح ذلك:» إمشوا في النور ما دام النور لكم». إذن النور موجود لكن هناك الإرادة البشرية التي عليها أن تختار ما بين النور والظلام، بين الحياة والموت وبين الولادة والقتل». ويضيف الأب طوق: «تشبه المسيحية المسيح ومراحل حياته. فمنذ ولادته تعرض للإضطهاد وهرب إلى مصر مع أمه مريم ويوسف وهكذا أبناء المسيح  لكنهم يعودون من جديد ليشهدوا للحق والحقيقة ولكرامة الإنسان».

وسط هذه المشهدية كيف يمكن أن نعيش فرح الميلاد؟ أبمواسم الزينة وغطرسة البهرجة والهدايا أم بالصلاة والصلاة والصلاة؟ «الفرح الحقيقي عندما أشهد للحق فلا أساوم ولا أعيش الذمية من أجل مركز أو سلطة أو حفنة من المال. الفرح الحقيقي يضيف الأب طوق، أن أشهد وأؤمن بأن لا خلاص ولا فرح ولا طمأنينة إلا في العيش مع يسوع المسيح. وكل مساومة أو تزلف أو تدليس هو نوع من شهادة مزيفة وكلام معسول يقودنا إلى إنكار حقيقة وجودنا المرتكزة على شخص المسيح».

يسوع ليس بالطقوس ولا بالبخور ولا بالشموع على رغم أهميتها لكنها تبقى طقوسا إن لم تمتزج بعرق الإنسان ووجعه وألمه. من هنا يصر الأب طوق على اعتبار المسيحية طريقة عيش والتصاق بهذا المسيح الحي ويقول: «نحن لسنا بنصارى ولا نؤمن بيسوع الناصري النبي ولا نتبع كتاب تعاليم محدد الأطر. نحن في العمق ننتمي إلى شخص المسيح  لذلك نحن مسيحيون ونعمل يوميا للإلتصاق بهذا المسيح للعيش معه وبه ومنه».

لكن هل تبدل مشهد رمزية العيد مع تحولات العصر؟ وهل يبقى الفرح بميلاد المخلص مصوبا نحو ذاك المذود وهدايا المجوس والحيوانات القابعة في ذاك المزود الحقير؟ الفرح الحقيقي يكون في قبول الرب في حياتي واختبار وجوده في حياتي وليس في الطقوس والواجبات والوصايا… فهذه كلها تساهم في تنظيم الجماعة لكنها في العمق لا تجعل من الإنسان مسيحيا. فالمسيحية كما المسيح لا تموت… ونحن شهود على ذلك. وشهداؤها بذار الدعوات ودماؤهم تغسل آثامنا كدم الحمل الذي أُغدق على الصليب فغسل آثامنا وأعطانا حياة جديدة. لذلك نقول هذه أرضنا، هذه هويتنا، هذا تاريخنا هنا جُبلنا وهنا سنبقى لنحمل راية المسيح وراية الإنسان والمظلومين والمقهورين. وسيكتب التاريخ أننا استشهدنا من أجل الحق وأنكم قتَلتم ودمّرتم حضارات من أجل حقٍ اعتبرتموه حقاُ لكنه كان ظلاماً.

25  كانون الأول ولد المسيح… لماذا هذا التاريخ؟

ليست ولادة السنة الليتورجيّة الكنسيّة من تاريخ ميلاد المسيح، بل من الإيمان بِقيامته. لِهذا تشكل قيامة المسيح عمق الإيمان المسيحي وتكمُن في أساس بشارة الإنجيل و نشأة الكنيسة.

كان هيبوليتوس الروماني أول من أكَّد بوضوح أنّ يسوع وُلد في 25 كانون الأوّل، وذلك في معرض تعليقه على كتاب النبي دانيال، الذي كتبه حوالى العام 204 قبل الميلاد. وكان يُحتفل في ذاك اليوم بِعيد تجديد هيكل أورشليم، الذي أقامه يهوذا المكابي عام 164 قبل الميلاد.

اتخذ عيد الميلاد في المسيحية شكله المُحدَّد في القرن الرابع، عندما حلّ مكان الشمس الرّوماني (Sol invictus)، للدلالة على أنَ النور الحقيقيّ قد انتصر بِولادة المسيح على ظلمات الشرّ والخطيئة.  لكنّ الجو الروحي المميّز والعميق الذي يحيط بالميلاد تطوّر في العصور الوسطى،مع القديس فرنسيس الأسيزي الذي كان يردد «الله معنا». ويروي توما الكاتب الأول لسيرة حياته، في كتاب «الحياة الثانية» أنَ القديس فرنسيس «كان يحتفل بعناية لا توصف بميلاد الطفل يسوع، وكان يُسميه عيد الأعياد».

إنطلاقا من هذا التعبد الخاص لسر التجسد بدأت الإحتفالات بعيد ميلاد يسوع في بلدة غريتشو الذي استوحاه القديس فرنسيس على الأرجح من رحلات الحج إلى الأراضي المقدّسة ومن مغارة كاتدرائية مريم الكبرى في روما حيث اختبر هذا الفقير الآسيزي بِشكل واقعي وحي وآني، العظمة المتواضعة لحدث ولادة الطفل يسوع ونشر بهجة هذه الولادة على الجميع.

يتكلم توما من شيلانو في سيرة الحياة الأولى بشكل حي ومؤثِّر عن ليلة مغارة غريتشو، فساهم بشكل حاسم في نشر التقليد الميلادي الأجمل، تقليد المغارة. ومنحت ليلة غريتشو من جديد للمسيحة عمق وجمال عيد الميلاد، وساعدت شعب الله على اقتطاف رسالته الأكثر أصالة، وحرارته المميّزة، ومحبّة إنسانيّة المسيح والتعبّد لها. وقدمت هذه المقاربة الخاصة لِلميلاد بعدًا جديدًا لِلإيمان المسيحي. ويروي توما من شيلانو أنَ فرنسيس قد أُعطِيَ، في ليلة الميلاد تلك، نعمة رؤيا رائعة، حيث رأى طفلاً صغيرًا في مذودٍ دون حِراك، واستيقظ من النوم عند اقتراب فرنسيس. ويضيف: «لم تكن هذه الرؤيا مغايرة للوقائع إذ قام الطفل يسوع في قلوب كثيرين كانوا قد نَسوه، بِفَضل   نعمته التي تعمل من خلال خادمه القدّيس فرنسيس، وانطبع بعمق في ذاكرتهم المُحِبّة.»

ويصف هذا الإطار بدقّة كبيرة مدى ما نقله إيمان فرنسيس الحيّ ومحبّته لإنسانيّة المسيح: فقد استطاع الشعب المسيحي، بفضل القديس فرنسيس، أنه في الميلاد أصبح الله فعلاً «عمّانوئيل»، أي الله معنا، ولا يفصلنا عنه أي حاجز وأي بعد. في ذاك الطفل، أصبح الله قريبا من كل واحد منا، قريبا إلى درجة أننا نستطيع مُخاطبته ببساطة. فالله المحبّة يظهر في ذاك الطفل ليظفَر بنا بالمحبّة ويقودنا إلى هويّتنا الحقيقيّة.

في تلك الليلة المقدّسة كان الإختبار الأبرز والأهم في حياة الرعاة  «وعاد كل واحد منهم إلى بيته مُمتلئا بفرح لا يوصَف».

أيًا يكن التاريخ تاريخ ميلاد يسوع… ولد المسيح… العمر كلو.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل