#adsense

سمير جعجع أعايدك…

حجم الخط

 

يطلّ طفل المغارة وبيده الهدايا. وأوّل هديّة وجوده بيننا. لكن المفارقة الكبرى تكمن في هذا العيد بالذّات، أنّنا لم نألُ جهدًا في طرده من بيننا. أمّا أنت يا “حكيم” فقد علّمتنا أنّه لا عيد عندنا من دون صاحب هذا العيد طفل المغارة، يسوع المسيح. وكنت لنا المثال عندما أدليت بشهادة حياتك عن الميلاد، وثبّتّ لنا كيف أنّك استطعت أن تبقي طفل المغارة معك خلف قضبان الإعتقال السياسي، يوم سجنك العالم وحرّرك المخلّص بميلاده من خلال ترنيمة “عيّد الليل”. فهل سنستطيع أن نبقي المخلّص في قلوبنا ونحن أحرار، كما حملته في قلبك طوال احد عشر عيداً وأنت في المعتقل؟

يا “حكيم”، نحن أبناء مار يوحنّا مارون، هكذا علّمتنا، فنحن ميلاديّون، كلّ يوم يولد المسيح في قلوبنا. في قلوب الأطفال الذين نحتفل معهم بحفلات ميلاديّة نقيمها كمحازبين لهم في المناطق اللبنانيّة كافّة، لا بل قل في أصقاع هذا العالم الحرّ كلّه. هؤلاء الأطفال الذين يفرحون بهديّة متواضعة نقدّمها لهم من ثمرة أتعابنا، وبيدهم الأخرى يحملون بطاقة المعايدة الممهورة بتوقيعك الخاص، يغادرون قاعات الإحتفال مردّدين بعضهم  لبعض: “شوف شو عيّدني الحكيم هالسّنة”. والأكثر  من ذلك، عندما سمعت أحدهم يقول لرفيقه الذي لا يكاد  يبلغ العاشرة من عمره: “هيدي الهديّة ودّالي ياها عمّي الشّهيد مع دكتور جعجع متل كلّ سنة”. عندما أسمعهم يتناقلون هذه الأحاديث، لا أستطيع أن أكفكف دموعي.

أمّا ما يدخل فرح العيد أكثر في قلبي فهو عندما أسمع الرّفاق الكبار الذين سطّروا ملاحم البطولات على خطوط النّار، يوم ناداهم واجب الدّفاع عن الوطن يقولون بعضهم لبعض: “والله يا رفيق منيح اللي في الحكيم بعدو بيشدّ إيماننا بولادة الطّفل يسوع وما بيخلّينا نغرق ببحور اليأس”. صحيح أنّنا نحتفل بالميلاد كلّ عام مرّة، لكن ما يميّزنا يا حكيم عن غيرنا أنّك علّمتنا أن نحتفل بالميلاد كلّ يوم.

نحن نشعر بميلاد الطّفل يسوع عندما نرى رفاقنا المصابين الذين أقعدهم شرف الدّفاع عن الوطن على كرسيّ مدولب. هؤلاء الذين ينبضون بالحياة والإبتسامة لا تفارق وجوههم. فخرهم أنّهم طبعوا تاريخ لبنان بأجسادهم. فهذا ما يشعرنا بولادة يسوع كلّما التقيناهم.

نشعر بالميلاد يا حكيم عندما نحتفل بقدّاس شهداء المقاومة اللبنانيّة كلّ عام. ولا أخفي سرًّا عليك كم شعرت به هذا العام عندما جالستني والدة شهيد، فلم أستطع أن أذرف الدّموع أمامها. وكم أشعرتني بصغري عندما قالت لي: ” رجائي با ابني إنو رفيقك ولد مع يسوع بالسّما يوم اللي استشهد.”

نشعر بالميلاد يا حكيم عندما نزور عائلة شهيد من منطقتنا لنعايدها، فتحضننا أمّ الشّهيد. وقد خبرتها شخصيًّا عندما قالت لي والدة الشّهيد بسّام خ.: “قرّب ت أغمرك يا ابني ت شمّ ريحة إبني فيك.” عندها أحسست بالطّفل يسوع يولد في قلبي من جديد. أشعر بالميلاد عندما أقبّل جبين العم رياض، والد الشّهيد نعمان ك.، ويحمّلني وصيّة إليك: “قول للحكيم إنّو نحن مش أغلى  من اللي راح…” هذا الجبل الذي يحمل تواضع الميلاد في قلبه تخرّ أمامه كلماتي عاجزة.

ويوم قصدت والرّفاق رفيقنا “جورج ط.” وهو مصاب من منطقتي للمعايدة، فقال لنا: “ميلاد يسوع بيكون بزيارتكن إلي كلّ مرّة، ما تنسوني يا رفاق”. كيف ننساك يا جورج وأنت تحمل يسوع إلينا في كلّ مرّة نزورك. أو حتّى عندما نقصد عائلة من منطقتنا من دون أن نلتفت لأيّ انتماء لها، وقد أنهكها الزّمن، فصارت تشتهي الخبز. نحمل إليها ما تكرّم به الرّفاق من عطاءات بإسم الحزب. فتتجمّد الدّموع في عيوننا تحت سقف أسود من غبار قساوة هذا الزّمن، وتقف الكلمات في حلوقنا عندما يقولون: “كتّر خيركن يا شباب، إنتو وحدكن عم بتحسّسونا بهالعيد”. لكن الحقيقة أنّ المسألة معكوسة، فهؤلاء هم الذين يشعروننا بولادة يسوع.

يا “حكيم” أشكرك كلّ لحظة مئات ومئات المرّات لأنّك علّمتني أن أشعر بولادة يسوع مع هؤلاء كلّهم. هذه هي الثّقافة التي تربّينا عليها. وهذا لبنان الذي علّمتنا أن نحبّه ونريده. أشكرك لأنّك علّمتني أن الطّفل يسوع يولد كلّ لحظة عندما نقوم بمثل هذه الأعمال. هذه هي حقيقة ميلاد الطّفل يسوع. فمن يجهلها بعد اليوم، سيخسر الكثير. بفضلك نحن قادرون على إبقاء الميلاد في قلوبنا كلّ يوم حتّى لو عُدمنا كلّ شيء. أخيرًا، أقول لك: “ميلاد مجيد، وليكن الطّفل يسوع في قلبك اليوم وأبدًا إلى دهر الدّاهرين”.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل