(1).jpg)
.jpg)

كتبت أوغيت سلامه في “المسيرة” – العدد 1642:
مذ اقترب عيد الميلاد وبدأت ترنيمة «ليلة الميلاد» تتردّد في بيوتنا اللبنانية منذرة بما سيحدث في هذه الليلة، والكل يرنّم « ليلة الميلاد يُمحَّى البغض.. تزهر الأرض.. تدفن الحرب.. ينبت الحب…».
روح الميلاد تنزل سلامًا على الأرض، عجبًا، كيف يدفئ طفل المغارة قلوب البشرية ويطمئن الملوك والرعيان على السواء.
«ليلة الميلاد»و»قلبي مهيّا مغارة» و»تعال بيننا» ترانيم عظيمة بلاهوتها وعمقها، مصابيح رجاء أضاءها كاهن أمضى 50 عامًا ينشد ممجدًا طفل المغارة وأمه لكنه ومنذ 5 «ميلادات» قابع في صومعته في دير راهبات الصليب في برمانا. ومع كل الألم يفيض كتابة وألحانًا ويؤلف لحبيبه المصلوب الذي يولد في هذه الليلة بفرح عظيم، فتبدأ مسيرة خلاص البشرية على الصليب.
يسوع المغارة في تراتيله يلازم ميلادنا وفصحنا وقداسنا وقربانات أولادنا الأولى وابتهالاتنا.
صوته ولاهوته جزء من ذاكرتنا، تراتيله جزء من المغارة التي حضنت يسوع.
إنه المونسينيور منصور لبكي. هل تذكرون؟!
في ذاكرة كنيستنا المارونية قصة عن كاهن للمسيح، لحّن أول ترتيلة قبل أن يرتسم كاهنًا وكان في سن الخامسة والعشرين، كانت من كلمات الراحل الأب ميشال حايك وهو ايضًا كان في سن العشرين، من كلماتها «سكب الملوك أمام مهدك كل مال مستعار»، ووصل معها صوت الأب لبكي الى إذاعة القاهرة وطبعت في اسطوانة مع مجموعة أخرى من التراتيل. ثم غنتها لاحقًا السيدة ماجدة الرومي من شدّة حبها لها.
وعندما عين كاهنا على رعية الدامور كان يجمع الشباب حول سهرات إنجيلية تنتهي بجلسة تراتيل وموسيقى، وكان من بين الشباب عازف غيتار فقد إيمانه. في إحدى السهرات كان نص الإنجيل حول «مَثَل الزارع»، والأب منصور لبكي بطل القصة، له مع هذا النص تجربة شخصية رواها على الحضور تحكي عن والدته التي عندما قال لها وهو في سن السابعة أنه ينوي تكريس ذاته للرب يسوع أجابته « يا شي يَصْلح، يا تركو أصلح. رح ساعدك بإماتاتي». فراحت كلما عالجت مشكلة او غفرت لمن أساء إليها او صالحت من تخاصموا، تضع حبّة قمح في مرطبان خاص وتقول «على نية ابني». وعندما ارتسم ابنها طحنت قجّة القمح وصنعت من طحينه قربانًا لقداس رسامته وقالت له «هيدي هديتي إلك»!
عندما سمع الشاب القصّة بكى، وتبعه بعد منتصف الليل الى بيته واعترف له «أبونا قصة امك ردّتلي إيماني. ممكن تعملنا ترتيلة باللبناني على لحن جاز تنرتلها بالقداس؟» وكان رد بونا منصور إيجابًا شرط أن يشارك الشاب في قداس الشبيبة، وهكذا كان وكانت ولادة ترتيلة «انشالله القمحة اللي انزرعت بقلوبنا» بعد منتصف ليلة الخميس تلك.
زرع أبونا لبكي لبنان صلاة بلاهوت تلك الترتيلة البسيطة بكلماتها العميقة وبعد معانيها، واستحق عليها جائزة سعيد عقل كأول ترتيلة في ريبيرتوار تراتيل الكنيسة المارونية باللغة اللبنانية.
لكل ترتيلة قصّة تروي عشق الأب لبكي ليسوعه. ويروي هو في إحدى مقابلاته القديمة أنه كان متوجهًا الى طرابلس ليلبي دعوة راهبات اللعازارية في دير سيدة النور ويلقي محاضرة عن الميلاد، وكان برفقة الشابين ابراهيم متني ورئيف نصر. عندما وصل الثلاثة الى نفق شكا قال له رئيف «طيب إذا سألوك إذا كنت عامل شي ترتيلة للميلاد منك محضر شي جديد»، فرد الأب لبكي «معكن ورقة؟»، ولم يكن معهم إلا علبة سجائر «بافرا»، فأخذها وكتب عليها ترنيمة «ليلة الميلاد» في السيارة. ترتيلة تجمع البعدين الاجتماعي والروحي. ترتيلة تقول للغني إذا أعطيت المال للفقير وفي قلبك حقد وغش «مش ظابطة!» من كلماتها:
ليلة الميلاد يُمّحى البغض
ليلة الميلاد تزهر الأرض،
ليلة الميلاد تدفن الحرب،
ليلة الميلاد ينبت الحب
عندما نسقي عطشانا كأس ماء نكون في الميلاد
عندما نكسي عريانا ثوب حب نكون في الميلاد
عندما نكفكف الدموع في العيون نكون في الميلاد
عندما نملأ القلوب بالرجاء نكون في الميلاد
عندما أقبِّل رفيقي دون غش نكون في الميلاد
عندما تموت فيَّ روح الانتقام نكون في الميلاد
عندما يزول من قلبي الجفاء نكون في الميلاد
عندما تذوب نفسي في كيان الله نكون في الميلاد
روح الميلاد تلازم معظم تراتيل هذا الكاهن، فعندما صدح صوته مناديًا «تعال بيننا أقم عندنا وخذ من قلوبنا لك مسكنا، نحن جياع أنت خبزنا، نحن عطاش أنت ماؤنا فمنك يطيب الغذاء الا استجب منا الدعاء…» كان يعرف أن كل نداء للمناولة على مائدة القداس هي ميلاد جديد للمؤمنين المرتلين «أمحُ الضغينة من صدورنا وأزرع كلامك في ضميرنا فنحصد حب العطاء…».
وفي مسرحية للميلاد كتب «بهالليلة عنا بشارة الله جايي لعنا زيارة»، ويُحكى أنه طلب من الصغار معه في المسرحية أن يسألوا العذراء مريم ماذا نهدي يسوع؟ وكان جواب مريم بسيطًا «زهرة بسمة ونظرة». بالنسبة للأبونا أحلى هدية بسمة الأولاد وزهرة الحقلة، كل الهدايا الثمينة هي في القلب النقي، لهذا كانت ترتيلة:
قلبي مهيّا مغارة ربّي عملي زيارة،
ومن شمسك نورني وملِّيني حراراة،
ضلّك طلّ عليي ولا تكون عني بعيد،
فرح وجودك فيي متل ليالي العيد،
مقياس المحبة نحب بلا مقياس
خليني يا ربي متلك حب الناس..».
«نحب بلا مقياس» هي وصيّة الأب لبكي الدائمة، ويُحكى أن أحد الأولاد في رعيته وفي احتفال عيد الميلاد كان حزينا، سأله «بدك هدية للميلاد ولا بدك الماما والبابا؟» فأجاب الولد «الماما والبابا» فهما منفصلان. بعد اتصال مدبّر للولد بالأم والأب قال لهما الأبونا «هالولد مريض واصفلو الله دوا إنو تبوسوه إنتو سوا» فعادت العائلة واجتمعت وكان من أجمل أعياد الميلاد في حياة المونسينيور.
كل تراتيل الأب لبكي مجموعة في كتاب «رنمّوا للرب». فيه نحو 250 ترتيلة، بعضها تلحين للمزامير، وللعذراء مريم بينها إنجيل البشارة «تعظم نفسي الرب وتبتهج روحي بالله مخلّصي لأنه نظر الى تواضع أمته…». وللقديس فرنسيس الأسيزي «يا رب إستعملني لسلامك فأضع الحب حيث البغض والمغفرة حيث الإساءة…» و»علّمني حبك يا الله علمني» من كلمات طاغور. ومنها للقداس «توكلنا على الله وهو ملجانا..» وزمن الميلاد «رنّموا للرب ترنيمًا جديدًا..»، وبينها أيضًا ترتيلة كتبها وهو ساجد أمام المغارة تقول:
هواك في الطفولة / رضعت يا الله / ولم تزل بليلة / من فيضه الشفاه
مرفأي يداك / إن جفا الخضم / فاهدني سناك / يا أبا النعم
يا مسكرًا بالحب / حنايا أضلعي / أمام مقلتيك / جعلت مركعي
والروح بانخطاف تكاد لا تعي
في لاهوت الأب لبكي «ينعصر» المسيحي في حب الله، والميلاد هو أن نذوب في قلب الله، لذا كتب له «ربّي صرت منا وفينا» وصارت المغارة مزارًا وملجأ للعالم. وبعدها كتب ولحّن «إن لم تعودوا كالأطفال لن تدخلوا ملكوت السماء…» ورتلها الصغار معه في ريسيتال ميلادي حضره الرئيس كميل شمعون في العام 1982.
له مع مرشد الشباب الأحبّ الأب داوود كوكباني قصة وترتيلة أيضًا كتب كلماتها كوكباني تقول «بقدومك علينا / نزلت سما عالأرض / مرّ الشقا غيمة / والله نصب خيمة / عنا وسكن فينا…».
ومن تراتيله «طوبى لفاعلي السلام فإنهم أبناء الله يدعون» و»سلام أتانا وكان اسمه يسوع سلام أتانا فطلقت عيوننا الدموع، سلام المسيح يبدأ بدرب الصليب سلام المسيح ينتهى بلقيا الحبيب».
من بدايات رسالته كان المونسينيور يفضّل أن يلحّن ما يكتبه ويعيشه مع يسوعه، إلا أنه لحّن كلامًا للميلاد من نظم الشاعر هنري زغيب فكانت ترتيلة «نجمة السلام» رتلتها السيدة ماجدة الرومي ومع كل ميلاد ترنّم «بليلة برداني / ما فيها نواطير / في نجمة سهرانة / سرّبت بكير… كرمال الطفولة تعا / كرمال البراءة تعا. تعا على قلوبنا / بتتبارك البيوت».
ومن كلمات الشاعر سعيد عقل لحّن
«أعطنا ربي قبل كل عطاء
أن نحط التفاتة في سناك،
كل ما دون وجهك الجمّ وهمٌ،
أعطنا ربي أعطنا أن نراك».
وأيضًا رنّمتها ماجدة وما زالت الأحلى في كل ريسيتال ديني منذ سنوات.
يكتب الأب لبكي ويلحّن إنطلاقًا من حاجة روحية، لذا وفي أوج ألمه كتب نحو 60 ترتيلة يبتهل فيها لآلام يسوع ولحنان العذراء مريم ولمار يوسف ومار شربل وأبونا يعقوب، لكن لن ترى مؤلفاته هذه النور إلا عندما تنتهي درب جلجلته.
دعوته تركزت على إيمانه برسالة الطفولة، وفي كل كتاباته وعظاته كان يردّد «ازرعوا في قلب الطفل محبة الله واتركوه»، وربما لذلك ينقل عنه محبوه قوله «الشيطان يجرّبني بتهمة ضد الطفل الذي أمضيت عمري أدافع عنه وأحميه..» وعندما يسألونه كيف يمكنك أن تغفر يرد «أنا مجبول بالمسيح من عمر السابعة، ومن عملي معه 50 عامًا لم آخذ إجازة ليوم واحد…»! له 1700 محاضرة لفّ فيها العالم من أميركا الى أوروبا والعالم العربي، وعدة كتب بينها «الإنجيل في صلاة» كتبه في ألف صفحة على مدى 15 عامًا، وكل ما يملكه وورثه من أهله منحه وقفًا للأيتام والفقراء والعجزة.
أمام قدمي المصلوب سأل لبكي قبل خمس سنوات «ربي عم يحكوا عني أنا؟». رد عليه المصلوب كما روى لمقربين منه مرّة «صحيح عنك عم يحكوا ليش إنت أحسن مني؟ إنت مجّدتني بالألحان وبالكتب وبأعمال الخير، اليوم قعود حدي بالبستان ومجّدني بالصليب»!. طوبى له أهداه يسوع صليبًا، وبدل أن يتركه للتجربة معه في بستان الزيتون رفعه معه الى الصليب!
هذا الكاهن الذي شكّل زوبعة فرح ورجاء في الكنيسة وقلوب مؤمنينها، يردّد بإيمان ثابت «الغفران هو السبيل الوحيد لأغسل قلبي من أوجاعه، أنعم الله عليّ وميّزني بصليب ثقيل، نظر الى كتفيّ وعرف أنني قادر على الحمل».
لذا وفي شدّته يسجد الأبونا أمام الصليب ساعات يصلّي ويؤكد لرفيق عمره «نعم كلّي لك يا يسوع».
المؤكد الوحيد اليوم في قضيته أن كثرًا من أبناء الكنيسة الذين أحبوه وربيوا على لاهوته وعظاته وأعماله الخيّرة وبينهم 8 آلاف طفل يتيم يصلّون له ومعه وينتظرون في هذه الليلة معجزة من معجزات «ليلة الميلاد»!
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]