#dfp #adsense

مسيحيو الشرق: معاناة واضطهاد وتهجير… ومقاومة

حجم الخط

كتب سيمون سمعان في “المسيرة” العدد – 1642:

… ويحلّ الميلاد بفيضه الدائم من الحب والنور، ومن البراءة والأمل. يحل الميلاد وآلاف العائلات المسيحية مشرّدة من غير مأوى، معذّبة من غير معين، وتائهة بائسة من غير نجم يسطع أمامها فيجنّبها وَعْر الطريق. مآسٍ على امتداد الشرق من الحدود إلى الحدود، وعلى امتداد الزمن من يوم عرفوا الإتحاد بالمسيح والولاء للكنيسة، عزاؤها فقط أن إلهها وُلِدَ في مذود، وإخوتها في الأرض لم يُعدَموا الإيمان ولم يستسلموا للقدر. عائلات لم تلقَ أحيانا حتى ماشية تنفخ عليها فتردَّ عنها بعض البرد… يحل الميلاد وجماعات مسيحية هُجِّرت من أرضها، ولم يحمل أفرادها على أكتافهم بعضَ أمتعةٍ من شظف العمر، ولكن حملوا في قلوبهم كبير الرجاء. يعبرون من اضطهاد الى اضطهاد ومن اعتداء إلى إبادة ولكنهم صمدوا، تتنازعهم دوما مسألة الخيار بين التمسّك بالحرية أو التمسّك بالأرض، ويقاومون للإحتفاظ بالإثنتين معا حقاً لهم لا تغيّره السنون. وحتى لو كانوا قلة المجوس والرعاة الذين يحملون بعض الهدايا لأطفال هؤلاء المشردين، ولو كانوا كثراً مَن لاحقوهم ليقتلوا فيهم ملك المجد، بقي ويبقى هؤلاء خميرة في الأرض وأيقونة في السماء…

من سهل الدامور إلى سهل نينوى، ومن جبال الصعيد إلى جبال أرارات، ومن وادي القديسين إلى وادي النصارى، من مغاور الجبال إلى كنائس المنيا، ومن وسمهم بالـ (ن) إلى مزج دمائهم في بحر ليبيا… مآسٍ وظلم ومجازر وتهجير، وأجيال بعد أجيال تواجه الطغاة أحيانا والسفاحين أحيانا أخرى، وفي ذهنها أبدا كلام السيد المسيح: «سوف تُقتلون وتُضطهدون باسمي لكن ثقوا أني غلبت العالم».

تختلف الوسائل وتبقى النتائج

انغرست المسيحية في الشرق منذ بشارة الرب يسوع واكتشافها ذاك السر المتجسّد بابن الله الحي. وعلى الرّغم من ذلك عاش المسيحيون في الشرق الأوسط مهد الديانة المسيحيّة جولات لا تنتهي من الإضطهاد والعداء، فتراجعت أعدادهم وهم لا يشكّلون الآن، أكثر من 3 إلى 4 في المئة من إجمالي عدد سكان المنطقة، من أصل 20 في المئة قبل قرنٍ من الزمن. وإن كان المسيحيّون الأقليّة غير الوحيدة التي يُمارس ضدها التمييز في هذه المنطقة، ولكن محنتهم أكثر وضوحاً في أماكن عديدة ممّا مرّ به الإيزيديّون مثلا أو الأكراد وغيرهم.

وعلى الرّغم من أنّ الصراعات الطائفيّة في المنطقة ليست بالشيء الجديد، فإنّ الحرب اللبنانية في العام 1975 والأحداث في الأراضي المحتلة في فلسطين وحرب العراق التي اشتعلت في العام 2003 وبعدها الربيع العربي وخصوصا حربي سوريا واليمن قد أطلقت العنان لتيّار جديد من العنف وجولات جديدة من الهجرة.

هذا الواقع بات في نظر المراقبين ومسؤولي الطوائف المسيحية كافة، يُنذر بنتائج خطيرة تفوق ما عرفه المسيحيون عبر تاريخهم من نكسات، لذلك فإن أصوات ناقوس الخطر كما أصوات المستغيثين باتت أعلى وتقض مضاجع الجميع. تجاه هذا الواقع يناشد رؤساء الكنائس المسيحية المختلفة والجمعيات التي تعنى بإعالة المشردين من مسيحيي مناطق التوتر، الجميع مضاعفة الجهد لتدارك ما هو أسوأ وما لا مجال مستقبلا لمحو آثاره أو لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء. وتناشد القادرين تقديم العون ماديا ومعنويا وأصحاب النفوذ التدخل لتخفيف الضغط عنهم. وكذلك من آخرين تقديم مساعدات ماليّة للبرامج الدينيّة بحيث يتمكّن مواطنو بلد معيّن من وضع وتطوير ممارسات قانونيّة وأدوات ثقافية تعرض عليهم التدريب والتوجيه في مجال التسامح الديني.

ولبنان هو المختبر الأساس لهذه التجربة المرّة. فهو أحيانا مساحة لاضطهاد المسيحيين واستهدافهم وتهجيرهم، وأحيانا مكان لاستقبال هؤلاء ممن تعرضوا للظلم أو القتل في بلدانهم فيأوون إليه طلبا للأمان والحرية ولقمة العيش، فيحتضنهم ويقدم لهم ما توفّر من مساعدات مؤكدا رسالة الإنفتاح والتضامن. عشية الميلاد هذا العام، كيف يمكن وصف واقع المسيحيين في لبنان والشرق؟ كيف يستقبلون العيد وكيف يستقبلهم؟ وما يقول رؤساء الطوائف المسيحية الأكثر تعرضا للعنف في الفترة الأخيرة؟

عبر التاريخ لم يقتصر اضطهاد الجماعات المسيحية على الطرق الوحشية التي عرفناها مع تنظيم «داعش» فحسب، فالمسيحيون طالما تعرضوا للإضطهاد من خلال الضغط في العمالة والتمييز والتعليم وتفجير الكنائس والقتل وتدمير المنازل والمحال التجارية والاختطاف، كما يعاملون في غالب الأحيان والعديد من البلدان كمواطنين من الدرجة الثانية. كما أن تلف الوثائق والمخطوطات التي يعود تاريخها إلى آلاف السنين هو وجه من وجوه محو تاريخهم وتشويه الذاكرة التاريخية. «فثمّة مسيحيون طُردوا من أرضهم وقد لا يعودون إليها أبداً. من هنا خطر تعرُّض الكنيسة المؤسِّسية للتدمير وتراثها للإندثار. وبنظر المراقبين فإن هذه التكتيكات تتبع في بلدان الشرق الأوسط كما في بلدان عديدة أخرى من الهند إلى بنغلاديش ومن السودان إلى كوريا الشمالية. وهي تحدث باستمرار طوال هذا القرن، كما لقرون قبل ذلك. ويعتبر هؤلاء أن الوقت حان لأن يبدأ الجميع بإدراك ذلك.

فالانتهاكات ضد المسيحيين في العالم تتزايد خصوصا في قارة آسيا التي باتت مشابهة لمنطقة الشرق الاوسط وافريقيا وفقا لمنظمة «اوبن دورز» البروتستانتية التي نشرت مؤخرا حصيلة بعمليات الاضطهاد التي يتعرض لها المسيحيون. وأفاد تقرير للمنظمة ان «اضطهاد المسيحيين يزداد عاما بعد عام لاسباب مرتبطة بايمانهم»، وفقا لمعلومات ميدانية تتقاطع مع معطيات أخرى خصوصا في الفترة الأخيرة. ويشير التقرير إلى أن عدد المسيحيين الذين قتلوا خلال السنوات الماضية إلى ارتفاع مع الإشارة إلى تراجع هذا العدد في العام 2017. ونشرت المنظمة تصنيفها الدولي، في 50 بلدا يعاني فيها المسيحيون الاضطهاد اكثر من سواها، واشارت الى تعرض 215 مليون شخص للاضطهاد «بشكل قوي وقوي جدا وعنيف»، اي ما يشكل ثلث المسيحيين في هذه الدول.

وكما في كل سنة منذ 16 عاما، تصدرت كوريا الشمالية «مؤشر الإضطهاد العالمي للمسيحيين للعام 2017»، تليها أربعة بلدان هي الصومال وافغانستان وباكستان والسودان. وكذلك نيجيريا تتصدر الدول التي يستهدف فيها المسيحيون مع 695 عملية قتل. وفي الهند هناك 39 مليونا من أصل 64 مليون مسيحي في البلاد «يعانون من الاضطهاد الشديد»، وفق المنظمة التي تتحدث عن «40 هجوما شهريا» (ضرب الكهنة وحرق الكنائس ومضايقة المعتنقين الجدد وغيرها) يضاف إليها فيتنام وبنغلاديش.

المسيحيون في الشرق

معلوم أن الشرق الأوسط هو مهد المسيحية، وهي كانت الديانة الرئيسية في المنطقة منذ القرن الرابع وحتى الفتوحات الإسلامية. أما اليوم وبعد تراجع أعدادهم بنتيجة ما تعرّضوا له من أزمات واعتداءات، فنسبة المسيحيين تقل عن 5 في المئة من مجموع سكان الإقليم مقارنة مع 20 في المئة في أوائل القرن العشرين. ويشكل لبنان التجمّع المسيحي الأعلى من حيث نسبة المسيحيين في الشرق الأوسط، بينما تشكل مصر أكبر تجمّع من حيث العدد. وهناك وجود ملحوظ للمسيحيين في سوريا والأردن وفلسطين والعراق. كما تضم بعض البلدان المجاورة مثل إسرائيل وتركيا وإيران تجمعات من المسيحيين، ويوجد أكثر من مليوني مسيحي في جنوب السودان.

عدديا تأتي الكنيسة المارونية في لبنان مباشرة بعد الأقباط في مصر حيث تراوح أعداد الموارنة في الشرق الأوسط بين مليون ومليون ونصف. أما الآشوريون والسريان والكلدان فتصل أعدادهم مجتمعين إلى ما يقارب المليونين. وقد عانى أبناء هذه المجموعات من تناقص أعدادهم إذ تقلصت إلى أقل من النصف بسبب المذابح الآشورية عشية الحرب العالمية الأولى، وفي السنوات الأخيرة هاجر عدد كبير منهم من العراق. وتنتشر أكبر جالية مسيحية سريانية في الشرق الأوسط، في سوريا إذ تراوح أعدادهم بين 877,000 و1,139,000 بينما انخفضت في العراق إلى 400 ألف مقارنة مع 800,000 إلى 1.2 مليون شخص عشية حروب العراق ابتداء من العام 2003.

كنيسة الأرمن الأرثوذكس وهي ضمن عائلة الكنائس الأرثوذكسية المشرقية تشكل أكبر تجمع مسيحي في إيران وتركيا. وتقيم المجتمعات الأرمنية أيضًا في كل من سوريا وفلسطين خصوصا في القدس وإلى درجة أقل في دول الشرق الأوسط الأخرى. أما اليونانيون الذين كانوا من أكبر التجمعات المسيحية في الشرق الأوسط، فانخفضت أعدادهم منذ الفتوحات الإسلامية، ومؤخرًا تراجعت بشدة في تركيا حيث يتمركز غالبية اليونانيين الأتراك في مدينة إسطنبول، وذلك نتيجة مجازر اليونان البنطيين التي أعقبت الحرب العالمية الأولى وأحداث إسطنبول سنة 1955. واليوم أكبر مجتمع يوناني في منطقة الشرق الأوسط يقيم في قبرص حيث يبلغ عددهم حوالى المليون شخص.

وتنتشر أيضًا في بعض دول الخليج العربي مثل الكويت والبحرين أقليات مسيحية من السكان المحليين كما وتقيم في دول الخليج كافة جاليات مسيحية كبيرة وفدت للعمل، بالاضافة إلى المسيحيين الذين وفدوا إلى إسرائيل من الدول الأوروبية.

أما في لبنان فقد شكل المسيحيون قبل الحرب الأهلية نسبة 65 في المئة من السكان وبسبب الهجرة والتهجير وصلت نسبة المسيحيين في لبنان إلى أقل من 40 في المئة وهي أعلى نسبة لهم في دول العالم العربي. ويسجَّل للمسيحيين في لبنان أنهم ساهموا خلال القرنين التاسع عشر والعشرين في إطلاق النهضة العربية، فلعبوا دوراً هاماً في الحركة الثقافية والسياسية العربية كافتتاح المدارس وإحياء اللغة العربية وإصدار الصحف وتأسيس الجمعيات، والأهم المساهمة في تأسيس الجمعيات السياسية العربية مع المسلمين والمطالبة باللامركزية وبجعل اللغة العربية رسمية في إدارة الدولة والمحاكم وغيرها.

تاريخ لا ينتهي

تُجمِع معظم الإحصاءات على أن نسبة المسيحيين في مصر تتجاوز الـ10 في المئة من إجمالي عدد سكان مصر، أي حوالى 8 ملايين نسمة لكن الكنيسة القبطية تشير إلى أن العدد يقارب الـ 12 مليون شخص. هذا بالإضافة الى 2 مليون خارج مصر ويتركز معظمهم في الولايات المتحدة حيث يقدر تعدادهم بـ900 الف نسمة في كل الولايات، وبذلك تحوي مصر أكبر تجمع مسيحي في العالم العربي. ويعاني المسيحيون فيها من التمييز في عدة مجالات مثل قضية بناء الكنائس؛ أو وجود نسبة قليلة جدًا من المسيحيين يشغلون مناصب هامة، ومع ذلك فقد برز عدد من الأقباط في المجالات الاقتصادية والثقافية، وهناك تقارير تقول إن الأقباط يسيطرون على 30 إلى 40 في المئة من الاقتصاد المصري، كما ويحتل ثلاثة من الأقباط رأس قائمة أغنى أغنياء مصر، وذلك حسب التصنيف السنوي الذي تصدره مجلة فوربس.

في سوريا يشكل المسيحيون نسبة 10 في المئة من مجموع السكان حسب التقديرات الأميركية، في حين تقول المصادر الرسمية إن نسبة المسيحيين فيها هي 8 في المئة، وتختلف الكثافة المسيحيّة حسب المناطق السوريّة. ينتمي مسيحيو سوريا إلى جميع الطوائف المسيحية، وأكثرهم من الطائفة الأرثوذكسية، ويقيم بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس في دمشق. ولكن هجرتهم ازدادت في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين بشكل خاص بحثاً عن أوضاع أفضل في أوروبا وأميركا، فضلاً عن تخوفهم من صعود التيار الإسلامي الأصولي. وبلغت الهجرة أوجها في العام 1980. وفاقمتها الأحداث التي اندلعت بين السلطة في سوريا والأخوان المسلمين وما بعدها، ثم تعاظمت الهجرة حتى بدت واضحة تماما بعد أن انحسرت نسبة المسيحيين لدرجة ملحوظة.

المسيحية هي ثاني ديانة في العراق من حيث عدد الأتباع بعد الإسلام وهي ديانة معترف بها حسب الدستور العراقي حيث أنه يعترف بـ 14 طائفة مسيحية في العراق مسموح التعبد بها. يتوزع أبناؤها على عدة طوائف ويتحدث غالبيتهم اللغة العربية كلغة أم في حين أن نسبة منهم تتحدث اللغة السريانية بلهجاتها العديدة واللغة الأرمنية والكردية. وكانت نسبة المسيحيين في العراق حسب إحصاء العام 1947، 3.1 في المئة، وقد قدر عددهم في الثمانينات بين المليون والمليونين نسمة من مجموع سكان البلاد. لكن هذه النسبة انخفضت بسبب الهجرة خلال فترة التسعينات وما أعقب حرب الخليج الثانية من أوضاع اقتصادية وسياسية متردية. وتسارعت وتيرة الهجرة بعد احتلال العراق عام 2003 وأعمال العنف الطائفي خصوصا ممارسات «داعش» الوحشية.

يشكّل المسيحيون العرب من فلسطينيي 48 حوالى 9 في المئة من السكان العرب في إسرائيل، حوالى 70 في المئة منهم يقيمون في الشمال. مدينة الناصرة فيها أكبر تجمع للسكان المسيحيين في إسرائيل. الفلسطينيون المسيحيون يشكلون ما بين 2.1 في المئة إلى 3.4 في المئة فقط من تعداد سكان الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، بينما يشكلون حوالى 30 في المئة من مجمل تعداد الفلسطينيين حول العالم، وذلك لأن معظم مسيحيي فلسطين قد تم تهجيرهم قسرياً وطردهم عام 1948، بالإضافة إلى هجرة البعض بعد ذلك بسبب الاحتلال الاسرائيلي وجدار الفصل وأيضا لأسباب اقتصادية.

حوالى 6 في المئة من سكان الأردن هم من المسيحيين الذين يعيش معظمهم في عمان. والمسيحيون في الأردن أثقل وزنًا من الناحية الإقتصادية والسياسية مقارنة مع حجمهم السكاني، وهم يديرون العديد من المدارس والمستشفيات. وعلى الصعيد الاقتصادي فحسب جريدة فاينانشيال تايمز يمتلك ويدير المسيحيون نحو ثلث اقتصاد الأردن.

أما في إيران فيعود تاريخ المسيحية إلى السنوات الأولى لانتشارها في المنطقة. وقد لعب المسيحيون في إيران جزءًا هامًا من تاريخ التبشير. واليوم هناك ما لا يقل عن 600 كنيسة في إيران، ويمثل المسيحيون فيها حوالى 300 الف نسمة. وقد تقلص عددهم كثيرا منذ قيام الثورة الإسلامية عام 1979. إضافةً إلى أن توجهات الثورة نحو أسلمة المجتمع الإيراني دفعت أكثر من ثلثي مسيحي إيران للرحيل إلى الخارج.

المسيحية في تركيا لديها تاريخ طويل في الأناضول، (وهي الآن جزء من جمهورية تركيا)، والتي هي مسقط رأس العديد من الرسل والقديسين المسيحيين، وهي مركز لبطريركية القسطنطينية المسكونية وبطريركية أنطاكية تاريخيًا.  خلال الحرب العالمية الأولى بدأ تهجير أعداد كبيرة من الأرمن إلى سوريا ولبنان والموصل، وكان التهجير يتم بطريقة بدائية مما أدى إلى موت حوالى 300 ألف من المهاجرين في الطريق من الجوع والبرد والمرض إضافة لتعرضهم لهجومات مستمرة من السكان المحليين. وقامت تركيا بعملية التبادل السكاني لليونانيين الأرثوذكس عام 1955 والتي ادت إلى هجرة أغلبية مسيحيي اسطنبول، بسبب نهب الكنائس وقتل السكان المحليين من المسيحيين.

على الرغم من كل ذلك، ومع فقدهم الكثير من الممتلكات والثروات، لم يفقد المسيحيون الرجاء، وما زال صوت الرب هادرًا في برية هذا الشرق: «أنا معكم لا تخافوا».

المطران جورج صليبا: علينا المقاومة والمحافظة على الأرض

إذا كان الله معنا فمن يقوى علينا؟

مطران السريان الأرثوذكس في لبنان جورج صليبا، اختصر مجمل هذا الوضع لـ«المسيرة» فقال: «لم يمر يوم في تاريخ المسيحيين من دون مواجهة المآسي والاضطهاد بدءا من اليهود والسلطة الرومانية ثم مع البيزنطيين ثم مع الفتوحات العربية ثم مع الحكام في مختلف الظروف. عانى المسيحييون مع المماليك ثم مع العثمانيين، وكلما مرت الايام كانت تزداد مآسي المسيحيين. ففي الحرب العالمية الاولى كانت قمة المآسي على المسيحيين في الشرق وتحديدا السريان والارمن والموارنة في جبل لبنان. ونحن السريان سنة 1895 اصبنا بمصيبة كبيرة في منطقة ديار بكر في تركيا اليوم، حيث استشهد لنا 118 الف شخص ونهبت اموالنا واعتدي على شرفنا. وفي سنة 1915 استفحلت مع السلطان عبد الحميد وغيره واساؤوا الى المسيحيين اكبر اساءة واستخدموا الاكراد ونفذوا كل مجازر العثمانيين بحق المسيحيين».

ويضيف المطران صليبا: «بعد الحرب العالمية الاولى جاء الاستعمار الانكليزي والفرنسي وقامت الدول العربية فارتحنا اكثر ولكن نظرتهم الينا كانت سيئة وخصوصا فرنسا، ومثال على ذلك معاهدة سايكس بيكو سنة 1916 بين الفرنسيين والانكليز اذ اخذوا بلاد السريان بلاد الارثوذوكس الارمن والسريان الارثوذوكس مثل ماردين التي كانت مدينة سريانية ارثوذوكسية وديار بكر وغيرها واخذوا أرض الروم وأعطوها للعثمانيين. هذه السياسة الاوروبية أدت الى تفكك العائلات بعد النزوح من تركيا الى سوريا. وهكذا عاما بعد عام كلما حدثت ازمة واشتد الوضع على المسيحيين يضطرون الى الهجرة في بلاد الله الواسعة. فنحن السريان بدأنا الهجرة منذ العام 1885 ثم حصلت هجرة كبيرة في الحرب العالمية الاولى وكان المسيحيون يذوبون في المجتمعات التي يهاجرون اليها في ما يعرف بـ»ابريق الذوبان». بعد ذلك وفي ظل الحكومات خلال القرن العشرين ارتاح المسيحيون نسبيا وشاركوا في الحكومات في العراق وسوريا وطبعا في لبنان، لكن هذه المشاركة لم تدم طويلا اذ تعرضت لقضم المراكز او الصلاحيات».

ويتابع: «وضعنا في لبنان كان مميزا والافضل بين محيطه. الاحداث المأساوية في لبنان والصراعات الدامية اضعفت المسيحيين عموما لا سيما الاقليات، بعدما كان حلمنا العيش في لبنان والتمتّع بما يؤمنه لنا من امتيازات. لكن بدءا من الحرب اللبنانية في العام 1975 تعرض المسيحيون لنكبات جديدة دفعت قسما كبيرا منهم الى الهجرة وافقدت من تبقى حلاوة ذلك العيش. فنحن السريان كان لدينا في بداية الحرب اكثر من 7000 عائلة في لبنان فقط من السريان الارثوذوكس عدا السريان الكاثوليك والكلدان والاشوريين وغيرهم. هذا العدد نرى اليوم انه تراجع في شكل كبير وهذا يشمل جميع الطوائف المسيحية. لكن على الرغم من ذلك يبقى لبنان ملجأ المسيحيين في الشرق فهم ما يزالون يتمتعون فيه بامتيازات لا توفرها لهم سائر دول المنطقة. ففي لبنان الحكم مناصفة وكذلك وظائف الفئة الاولى، لكن الشركاء في الوطن يمارسون اسلوب الهضم والقضم وكلما شغر موقع مسيحي يُملَأ من غير المسيحيين. على الرغم من ذلك يبقى الاتكال على لبنان فاذا كان المسيحيون فيه اقوياء يكونون اقوياء في بلدان المنطقة. لكن مع تأكيدنا اننا نحن المسيحيين نعيش الرجاء إنما لا نستطيع ان نتجاهل سؤال الى اين بعد كل هذه المآسي والاضطهاد والتهجير؟ ولذلك فنحن نقرع ناقوس الخطر منذ العام 1975. واليوم جاء قرار ترامب ليسلب المسيحيين مقدساتهم في اورشليم ولذلك نحن نقول ان مستقبل المسيحيين هو بأيدي المسيحيين اذا احسنوا ادارة شؤونهم وحماية انفسهم».

أما لناحية الهجرة فيشير المطران صليبا إلى أن «نسبة المسيحييين الذين تركوا العراق هي من 75 إلى 80 في المئة مع أن المرجعيات الدينية هناك لا تقر بهذا الرقم. وفي سوريا من 30 إلى 40 في المئة تركوا. ويا للأسف، أن معظم هؤلاء لن يعودوا إما لأسباب تتعلق بمكان إقامتهم في الدول التي لجأوا إليها وإما لأسباب تتعلق ببلدانهم الأصلية حيث قرى بكاملها تم هدمها وإزالة معالمها ونهب ثرواتها. فمن ليس له بيت إلى أين يعود؟ خصوصا أن الحكومات في تلك الدول ترفض مساعدة من تهدمت بيوتهم في عملية إعادة الإعمار بحجة عدم توفر المال. فمثلا في سهل نينوى في الموصل هناك أكثر من 45 قرية تم هدمها وجرف معظمها بالكامل وبقي منها عشر قرى مهدمة وتنتظر إعادة الإعمار».

ويختم: «هناك قول يردده الشباب دائما «رح منكمل باللي بقيوا» وهذا أمر عظيم، ولكن كيف ونحن على هذا الواقع المرير؟ يبقى أن علينا المقاومة والمحافظة على الأرض فالأرض لمن عليها يقول المثل. ونردد مع بولس الرسول «إذا كان الله معنا فمن يقوى علينا»؟

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل