#adsense

اغناطيوس الرابع هزيم… بطريرك العرب: نحن هنا في الشرق في بيتنا

حجم الخط

كتب عماد موسى في “المسيرة” العدد – 1642:

“إن لبنان اليوم يناجي القدس في فرادته وأصالته، والقدس اليوم تستدعي لبنان في فرادتها وأصالتها. والقدس ولبنان في دنيا العرب قطبان وركنان وضرورتان لكل سلام… في القدس نلتمس وجه الله وفي لبنان نلتمسه كذلك”، هذا بعض ما جاء في كلمة البطريرك إغناطيوس الرابع هزيم، بطريرك العرب، مطلع العام 1981 أمام الملوك والرؤساء العرب في مؤتمر القمة العربية في الطائف والذي خُصص يومها للقدس. وفي زمن «زهرة المدائن» يُستذكر البطريرك الساكن في وجدان لبنان، منذ انتقال إبن المعلم أسعد “حبيب هزيم” من قرية محردة إلى بيروت كمبتدئ في مطرانية بيروت (في حي السراسقة) في العام 1935 حتى وفاته في مستشفى القديس جاورجيوس في الأشرفية.

خمسة أعوام مضت على وفاة بطريرك إنطاكية وسائر المشرق للروم الأورثوذكس (5 كانون الأول 2012)، وقد طبع بشخصيته وعصاميته مرحلة النهوض والوحدة في تاريخ كنيسته ولعب أدواراً مؤثرة في سورية ولبنان والعالم المسيحي والمشرقي، على الرغم من التضييق السياسي عليه في بلده الأم. وفي ما يأتي نتف من سيرة عظيم في تواضعه، عصامي، مكافح، مربٍّ، وباني مؤسسات، ومفتتح آفاق وأحلام.

يروي هزيم للدكتور إيلي سالم، في كتاب “من محردة إلى عرش إنطاكية”، أنه وصل إلى بيروت في شاحنة محملة بالأثاث، وأمضى أول ليلتين في فندق متواضع. “لكنه كان سعيداً بالمغادرة والبحث عن مطرانية بيروت، ومطرانها المعروف، المتروبوليت إيليا صليبي.

من أجل لقائه مع المطران، إرتدى حبيب أفضل ما عنده من ملابس، ثوباً خاطته له أمّه، نظر المطران إلى الشاب وقال “أنت تأتي لمقابلتي لابساً ثوباً للنوم!” فأجاب الشاب حبيب: “كلا، سيدنا، هذا ثوب أنيق، خاطته لي أمي، وهو أفضل ما نلبسه في محردة”، لكن مطران بيروت  رد عليه بالقول: “إخلعه بالحال. فمن الآن وصاعداً سوف ترتدي الغمباز”. بعد وقت قصير وجد حبيب هزيم أنه الوحيد في مدرسة “الثلاثة أقمار” (الأشرفية) بين الطلاب من يرتدي الغمباز والوحيد الذي لا يتكلم الفرنسية. وفي سنوات قليلة أتقن الفرنسية والإنكليزية  وتفوّق، إلى جانب إلمامه باليونانية والروسية.

وفي الجامعة الأميركية كان الوحيد الذي يرتدي ثياب الرهبان. منذ الثلاثينات حتى يوم وفاته لم يُرَ هزيم بغير الثياب الكهنوتية، ولم يقبل أن يشذ عن ذلك طلابه في المعهد اللاهوتي في البلمند، وكاد يطرد أحدهم لمخالفته الأمر… وهو من أصبح مطراناً على إحدى أبرشيات الإغتراب.

المتفوّق في “الثلاثة أقمار” والـ”IC” تفوّق أيضاً في الجامعة الأميركية بين العامين 1943 و1945، وكان سيم شماساً العام 1941 على اسم القديس اغناطيوس الإنطاكي، ومنذ ذلك الحين بدأ يعمل بقوة في الحقل الرعائي وبرز كمرشد للشبيبة. في الجامعة الأميركية بدأت صداقته مع غسّان تويني وامتدت طوال ستة عقود، وتوفي غسان تويني بعد البطريك بـ6 أشهر. وكان من أساتذته في تلك المرحلة محمد البعلبكي والدكتورشارل مالك.

حافظ الشماس هزيم على لهجته المحلية وكان يلفظ القاف مضخمة. ويُروى أن إحدى طالباته قالت لوالدتها في بداية العام الدراسي (مرحلة الأربعينات) “ماما عم يعلمنا الرياضيات خوري درزي”!

بعد الجامعة الأميركية التي تخرّج منها ببكالوريوس في الفلسفة والأدب، أُرسل إلى معهد القديس سرجيوس اللاهوتي الذي أسسه الروس البيض الفارون من النظام الماركسي اللينيني، وخصّه المطران الصليبي بمنحة شهرية زهيدة قدرها 100 ليرة لم تكن كافية للقيام بأبسط الأعباء المعيشية، فأعطى هزيم دروسًا في اللغة العربية في السوربون. وعن تلك الفترة قال هزيم في حديث إذاعي “كان نظام حياتي أني آكل مرة وحدة كل 24 ساعة… والحمد لله الصحة كتير منيحة”.

في معهد القديس سرجيوس تأثر الشماس هزيم بمفكرين كثر وفي طليعتهم الأب ألكسندر شميمان (من أستونيا) والأب جون مايندروف.

العام 1953 عاد هزيم إلى بيروت على متن طائرة شحن، رُسم كاهنا، ومنح رتبة أرشمندريت، عُيّن مدرساً في كلية البشارة، ثم أصبح مديراً لها وبقي فيها ثمانية أعوام.

في العام 1961 عُيِّن وكيلا بطريركيا على عهد البطريرك ثيودوسيوس السادس (أبو رجيلي) فلم يرتح في مهامه الإدارية   فانتدبه البطريرك لتولي رئاسة دير سيدة البلمند (بني العام 1157). وسأله «كيف ستعيش هناك؟» فأجاب المطران “«لا تقلقوا صاحب الغبطة، فحيث أكون أنا، لا يكون خراب”. في صيف 1962 كانوا ثلاثة: مطران وكاهن وعامل. والبلمند اليوم دير ومعهد إكليركي وصرحٌ جامعي (أسسه هزيم في العام 1988) كبير مدين لمطران عصامي ورؤيوي عرف كيف يبني مؤسسات.

إنتخبه المجمع الإنطاكي المقدس في العام 1965 مطرانا على أبرشية اللاذقية، ومنع من تولي منصبه  لسببين: الأول حصول انشقاق في الكنيسة الأورثوذكسية حيث تأسسست “الكنيسة الأرورثوذكسية المستقلة” ولوجود أقلية في اللاذقية معارضة لتعيينه ومدعومة من  الحكومة السورية. فأدار هزيم شؤون الرعية من البلمند. وبعد إنتخاب الياس الرابع (معوّض) بطريركاً (27 أيلول 1970)، أقنع حافظ الأسد الواصل حديثاً إلى السلطة بوجوب تغيير سياسة الحكومة تجاه مطران اللاذقية وتسلم هزيم منصبه في ذاك العام.

وإلى عمله الرعوي، رأس هزيم مجلس الكنائس العالمي، وهو أحد مؤسسي مجلس كنائس الشرق الأوسط (1968) والرابطة العالمية للشباب الأرثوذكسي SYNDESMOS.

في 2 تموز 1979 انتخب بطريركاً على إنطاكية وسائر المشرق ونُصِّب في الكاتدرائية المريمية بإسم اغناطيوس الرابع، وذلك بعد اجتماع صباحي دام 4 ساعات مع رئيس النظام السوري حافظ الأسد، ذلِّلت فيه التحفظات. ومن أبرز الأسماء التي طُرحت وقتئذ إسم متروبوليت وجبل لبنان المطران جورج خضر والمطران الياس قربان. وهزيم كان البطريرك الـ157 على إنطاكية وهي واحدة من الكنائس الأربع عشرة التي تؤلف المجمع الإنطاكي الأورثوذكسي وسابع بطريرك عربي على عرش إنطاكية. وفي كلمته الأولى قال “أعلم بأنني سوف أحاسب إذا لم أحمل الكنيسة وكل واحد منكم في قلبي. كما أنه لا يمكنني أن أخاطبكم إذا كنت مختلفاً عنكم، لا فرق يفصل بيننا، أنا جزء لا يتجزأ منكم، أنا فيكم وأطلب منكم أن تكونوا فيّ”.

لم تمنعه مشرقيته من الإنفتاح (المبكر)على الغرب، وواصل نهجه مع انتخابه بطريركا. وكان في طليعة مستقبلي البابا يوحنا بولس الثاني  في زيارته التاريخية  لسورية في العام 2001.

أولى اهتماماً خاصاً بجمع النخب الأورثوذكسية وإدماجها بالعمل الإجتماعي والتربوي.

طوّر المؤسسات التعليمية.

بنى ورمم أديرة.

إستحصل على مرسوم في حزيران 1988 لجامعة البلمند.

رفع من شأن الحضور الأورثوذكسي.

دافع عن قضايا لبنان، كبلد أم، لا كامتداد للرعية  الأورثوذكسية. وأوجعته حربنا وحرب سورية التي شهد بداياتها.

أولى قضايا الشباب اهتماماً خاصاً.

وعلى رُغم إئتمانه على مقدرات كبرى ومؤسسات فإنه حافظ على نمط حياة متقشف. كان لديه غرفة صغيرة في بيت شقيقه طبيب الأسنان المقيم في حي الرميل (ولم يزل) وغرفة في منزل شقيقته “ندوة” (شارع أديب اسحق، كان يتردد إليها في النصف الثاني من الستينيات). وصودف أننا سكنّا في البناية نفسها، وهناك رأيت طفلاً “المطران الوقور” للمرة الأولى ومن حديقة منزلنا كنت أنادي الـ”تانت ندوة ” فتطل من شرفة الطابق الأول وترمي إليّ بحبات اللوز لأكسرها في حديقتنا الصغيرة. وبعد أعوام طويلة قرأت في كتابات هزيم وعظاته ما أشعرني أن الشرق بيتي. «نحن هنا في الشرق في بيتنا (…) نحن المسيحيون الأصليون. الآخرون أتوا كضيوف لنا. نحن نرحب بهم. نعمل معهم، ولكننا لا ننسى أصالتنا، وفرديتنا”.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل