ثورة الفقر والجوع تهدد عرش الشاه المعمم

حين قامت ثورة الخميني في العام 1979 كانت نسبة الشباب في إيران نحو 55 في المئة، ويومذاك اعتمدت “ثورة الكاسيت” وهي التسمية التي أطلقت على حركة الشاه المعمم الجديد.

كان هؤلاء القوة التي أطاحت الشاه محمد رضا بهلوي، حين تصدوا بصدورهم العارية للجيش والشرطة والـ”سافاك”، واليوم تبلغ نسبة الشباب نحو 63٪ من الشعب الذي صبر 39 عاما على حكم طبقة لا تزال تعيش في كهوف القرون الوسطى منفصلة عن الواقع العالمي، والتغييرات الهائلة التي شهدتها الشعوب طوال العقود الأربعة الماضية.

ما يجري في إيران اليوم ليس فورة، أو انتفاضة يمكن أن تهدأ بوعود، لأن الأسباب الدافعة اليها أعمق من تلك التي أدت للثورة الخضراء في العام 2009 احتجاجا على انتخابات رئاسية زورت للتمديد للمتطرف محمود أحمدي نجاد، إنما هي ثورة جوع… صرخة 40 في المئة من الإيرانيين العاطلين عن العمل، والمحتجين على الغلاء وتفرد طبقة قليلة العدد بثروات البلاد، إضافة إلى مليارات تهدر في الخارج على مشروع تصدير الثورة الذي لم يؤد إلى غير زيادة عزلة إيران في العالم.

في النصف الثاني من سبعينات القرن الماضي، أجريت حوارا لـ”السياسة” مع شاه إيران، وأهم ما قاله يومها: “إن النفط سلعة ستراتيجية للثروة التي منها يمكن بناء تنمية صناعية كبيرة في إيران تجعلها محورا اقتصاديا إقليميا وعالميا مهماً، ويزيد من نفوذها السياسي في الإقليم، ولذلك نرى أن السعر العادل لبرميل النفط نحو 80 دولارا”، في حين كان سعر النفط يومها يتراوح بين 12 و13 دولارا أميركيا، وكان كلام الشاه هذا مفتاحا سحريا لأبواب جهنم الغربية عليه، فبدأت الولايات المتحدة الاميركية وبضغط من شركات النفط الكبرى فيها العمل على التخلص من محمد رضا بهلوي.

في تلك المرحلة كان الخميني منفيا إلى العراق، ويعمل مع القوى الدينية في بلاده على زعزعة نظام الحكم، فوجدت فيه الاستخبارات الغربية والأميركية ضالتها، لا سيما أن تجربتها مع ثورة محمد مصدق في العام 1953 أدت إلى زيادة نفوذ اليسار الشيوعي في إيران، ودوران هذه الدولة المهمة في فلك الاتحاد السوفياتي يعني فقدان بوابة على الإمبراطورية الشيوعية، وقتذاك.

في العام 1978 خضع العراق للضغوط الإيرانية ونفى الخميني إلى فرنسا، بعدما رفضت الكويت استقباله، وبدأ من باريس «ثورة الكاسيت» بدعم من الدوائر الاستخبارية الغربية والأميركية، غير أن الشاه الجديد الذي استغل الحماسة الدينية لتثوير الشعب كانت له أهداف لا تنسجم مع التوجهات الغربية، إذ أعلن فور عودته إلى طهران في فبراير العام 1979 شعاره الذي أصبح من صلب الدستور الجديد للدولة وهو “تصدير الثورة” وما تبعه من سياسات عسكرة المجتمع لتحقيق المشروع التوسعي القائم على فكرة أسطورية لا يمكن أن تتحقق بسبب طبيعة العلاقات الدولية التي تكرست في القرن العشرين بعد حربين عالميتين.

وإذا كان الشعب الإيراني وقع ضحية أحلام الشاه في جعل بلاده إمبراطورية صناعية، فإنه وقع في عهد حكم الملالي ضحية أحلام توسعية استُنزفت فيها ثروته بين دعم لميليشيات إرهابية مثل “حزب الله” في لبنان وعصابات الحوثي في اليمن والجماعات الطائفية في العراق وسورية، إضافة إلى حملات تغيير عقائد دينية في افريقيا، وعمليات تخريبية في أميركا اللاتينية وتدخلات في البحرين والكويت والمملكة العربية السعودية وغيرها من الدول، وتصنيع صواريخ عابرة للقارات، وبرنامج نووي عسكري لا يزال حتى اليوم يثير علامات الاستفهام رغم الاتفاق مع مجموعة الست الكبرى فيما وصلت نسبة الإيرانيين الذين يعيشون تحت خط الفقر إلى 56 في المئة.

نتيجة لكل هذا يمكن القول ما أشبه اليوم بالبارحة، لأن الشعب الذي لم يطق صبرا على أحلام الشاه لسنوات قليلة كان يمكن لو تحققت أن تجعله من أثرى شعوب العالم، منح نظام الملالي أربعة عقود من الفرص فيما يرى يوميا ثروته تهدر أمام عينيه وهو يزداد جوعا وفقرا حتى انفجر غضبا في وجه طغمة أمعنت في الفساد إلى حد الكفر، كما ردد متظاهرون في طهران وغيرها.

من المعروف لدى الإيرانيين أن من يسيطر على ميدان “ازادي” في طهران يخضع “البازار” القوة الاقتصادية الأولى في البلاد لشروطه، واليوم حين تثور نحو 30 مدينة في مختلف أنحاء إيران، ومن جميع العرقيات والمكونات الطائفية والدينية، ويحتل المتظاهرون ذاك الميدان الشهير فإن هذا يعني أن حبال المشانق التي كانت تعلق على الرافعات في الشوارع الإيرانية لترهيب الشعب باتت أكثر قربا من أعناق قادة النظام، فالملايين التي خرجت طلبا للقمة العيش لن ترهبها عصابات الحرس الثوري.

الشباب الإيراني اليوم يختلف عما كان عليه قبل أربعة عقود، فهو أكثر انفتاحا على العالم بفضل وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة والإعلام، ولن يقبل أن يبقى يتضور جوعا بينما يتمتع بأمواله سفاحون وقتلة وإرهابيون جندهم النظام في الخارج.

المصدر:
السياسة الكويتية

خبر عاجل