.jpg)
كتب نجم الهاشم في افتتاحية “المسيرة” – العدد 1643
من بين كل القوى السياسية على الساحة اللبنانية تبدو “القوات اللبنانية” الأكثر وثوقاً في الذهاب إلى الإنتخابات النيابية المتوقع إجراؤها في أيار المقبل والأكثر تحضيرًا لها لأنها تعتبر أنها انتخابات مفصلية ستعيد رسم التوازنات الداخلية بحسب الأحجام التمثيلية الواقعية والفعلية. من هذه الخلفية يمكن فهم الجهد الذي بذلته «القوات» من أجل الإتفاق على قانون الإنتخاب الجديد والذهاب نحو تأكيد الترشيحات في أكثر من دائرة، بينما لا تزال الأطراف الأخرى تبحث عن طريقة استيعاب القانون الجديد وعن الأسماء التي يمكن أن ترشحها وعن التحالفات التي يمكن أن تعقدها. وهذه نقطة قوة لمصلحة «القوات» الواثقة من أن هذا القانون وهذه الإنتخابات ستؤمن حصولها على الحاصل الإنتخابي الحقيقي بعدما ظلمت على مدى أعوام إن كان بسبب القانون أو بسبب التحالفات.
تقف “القوات” في مستهل العام 2018 عند انقلاب في المشهد السياسي حصل خلال شهر واحد وتجسَّد من خلال مرسومين: مرسوم عدم قبول إعلان استقالة حكومة الرئيس سعد الحريري من الرياض، ومرسوم منح ضباط دورة 1994 أقدمية سنة.
بعد استقالة الرئيس الحريري جرى الحديث عن محاولة عزل “القوات” وإخراجها من الحكومة في ظل اتهامات سياسية تدور حول التآمر على الرئيس سعد الحريري وعلى العهد من خلال تبني الأسباب التي أدت إلى إعلان الإستقالة وتتعلق بالإنقلاب على التسوية التي أوصلت العماد ميشال عون إلى قصر بعبدا وأعادت الرئيس سعد الحريري إلى السراي الحكومي. في الواقع كانت “القوات” تبحث عن تثبيت هذه التسوية بعد الإنقضاض عليها ومحاولة حرف مجلس الوزراء عن التوازن الذي قام عليه عند تشكيل الحكومة، وبالتالي جعل هذه الحكومة تغطي أعمال “حزب الله” وقتاله في سوريا واليمن والعراق وهجوماته على عدد من الدول الخليجية وخصوصا الكويت والمملكة العربية السعودية. وإذا كانت “القوات” لم تخفِ نهجها وطريقة ممارستها للحكم والمسؤولية داخل الحكومة، فإن العودة إلى تأكيد الإتفاق على التسوية من أجل تأمين عودة الرئيس سعد الحريري عن استقالته أعطاها حقها وأكد على أن هذا الدور الذي تقوم به هو الدور المطلوب من أجل تثبيت المعادلة الداخلية القائمة على النأي بالنفس عن الصراعات في المنطقة من أجل تأمين استمرار الإستقرار الأمني والسياسي.
ولكن على رغم ذلك تعرضت “القوات” لحملة سياسية شرسة معلنة ومباشرة من أجل التخلص من الدور المراقب الذي تلعبه في مجلس الوزراء. لم تكن هذه العملية بهذه السهولة التي تصورها البعض، ولذلك بعد فشل المحاولة ساد اعتقاد بأن الإقتصاص من “القوات” يمكن أن يحصل في انتخابات أيار 2018 بحيث تعزل وتمنع من عقد أي تحالفات ويتم تقليص عدد النواب الذين يمثلونها، وبالتالي يصبح وجودها خارج حكومة ما بعد الإنتخابات مسألة طبيعية.
ولكن هذا المسار لم يكن ليعيش طويلاً. فقد أظهرت التطورات أن “القوات” ثابتة في مواقفها وأن التحالفات التي حكي عنها هي غير الثابتة. فبعد توقيع رئيسي الجمهورية والحكومة ميشال عون وسعد الحريري مرسوم الأقدمية لضباط دورة 1994 من دون توقيع وزير المالية، انهار ما سُمي التحالف الخماسي ووقع الطلاق مع الرئيس نبيه بري. وبدل عزل “القوات” باتت الحكومة في عزلة، خصوصًا بعد الحديث عن اتجاه وزراء حركة «أمل» إلى الإعتكاف احتجاجًا على ما اعتبره بري خرقاً للطائف أو للعُرف الذي بات ساريًا ويتمثل بالتوقيع الشيعي الثالث إلى جانب توقيعي رئيسي الجمهورية الماروني والحكومة السنّي.
قبل أزمتي المرسومين وبعدهما بقيت “القوات اللبنانية” تتابع تحضيراتها الإنتخابية من دون أن تتأثر بالحملات التي تعرضت لها، وبينما اعتبر البعض أنه سيربح المعركة ضد “القوات” بالنقاط ثم بالضربة القاضية، كانت “القوات” تعلن تباعًا عن مرشحيها في كل المناطق على أن تذهب لاحقاً إلى نسج التحالفات، بينما الآخرون كانوا ولا يزالون يبحثون عن التحالفات قبل اختيار الأسماء. وفي هذا الإطار لم تخرج “القوات” عن القاعدة التي حكمت حركتها العسكرية ثم السياسية والتي تقوم على قاعدة ثابتة هي الحرية في القدرة على اتخاذ القرارات المستقلة. هكذا فعلت “القوات” عندما اختارت المقاومة العسكرية وغيّرت مسار الحرب، وهكذا فعلت عندما اختارت الخروج من الحرب والذهاب إلى اتفاق الطائف. والجدير ذكره أن هذا الإتفاق الذي كان تهمة توجه باستمرار ضد “القوات” بات هو اليوم السقف الذي يستظله الحكم والمشاركون في السلطة، خصوصا لجهة التأكيد على الصلاحيات التي يعطيها لرئيس الجمهورية أو التي يوزعها على التشكيلة الحكومية والتي تحكمها التوازنات الداخلية التي تؤمنها الإنتخابات النيابية الصحيحة. وليس غريبًا أن يبقى “حزب الله” خارج سقف الطائف بعدما عارضه في العام 1990 واستمر في شن الحروب عليه متخطيًا بالقوة قرار حل جميع الميليشيات وتسليم سلاحه إلى الدولة مستظلاً عهد الوصاية السورية أولا، ومستقويا بهذا السلاح لاحقاً بعد خروج الجيش السوري من لبنان وخروجه إلى القتال في سوريا دفاعًا عن النظام السوري المتهاوي لمنعه من السقوط، ومعتبرًا أنه بسلاحه يمكنه أن يقلب الوضع لمصلحته في الإنتخابات النيابية كما فعل النظام السوري في انتخابات العام 1992 والعام 1996 إدراكا منه بأن الإنتخابات هي التي تؤمن التوازن في ممارسة السلطة، ولذلك خاض معركة انتخابات العام 2000 ضد الرئيس رفيق الحريري والنائب وليد جنبلاط واستهاب من نتائج انتخابات العام 2005 بعد صدور القرار 1559 عن مجلس الأمن الدولي الذي طلب نزع سلاح “حزب الله” وسحب الجيش السوري من لبنان تطبيقاً للطائف وانتخاب رئيس جديد للجمهورية وإجراء انتخابات نيابية حرة. هذا الخوف من انقلاب الوضع السياسي عجَّل في اتخاذ القرار باغتيال الرئيس رفيق الحريري، ولكن بدل أن يؤمِّن هذا الإغتيال بقاء الجيش السوري في لبنان عجَّل في سحبه وأكد على الإنتخابات النيابية في ربيع 2005 التي أوصلت أكثرية نيابية من 14 آذار حاول «حزب الله» الإنقلاب عليها بالقوة ولا يزال يتابع هذه الإستراتيجية مدركاً أيضا أن أي انتخابات في ظل القرار 1559 ومن دون أن يكون مستقويًا بسلاحه ستكون في غير مصلحته.
في 18 كانون الثاني 2016 كانت “القوات اللبنانية” تحتل واجهة المشهد السياسي في معراب مع تبني ترشيح العماد عون لرئاسة الجمهورية، واستمرت في الواجهة مع تأمين انتخابه ومع تشكيل الحكومة برئاسة الرئيس سعد الحريري، بعدما كان البعض يعتقد أنه يمكن أن يخرجها من اللعبة عن طريق الإنتخابات الرئاسية تحديدًا. هذا المشهد ذكَّر كثيرين بمشهد محاولة عزل “القوات” في 28 كانون الأول 1985 عندما تم توقيع الإتفاق الثلاثي في دمشق. وعلى رغم أن “القوات” كانت وحيدة إلا أنها بفعل كونها ممثلة لإرث نضالي تاريخي كبير استطاعت أن تقلب الطاولة وتسقط هذا الإتفاق. وهي تستمر اليوم في حمل أعباء هذا الإرث الذي يطمح كثيرون للتمثّل به أو سرقته من دون أن يكونوا في دائرة الفعل التاريخي الذي أنتجه وكلف آلاف الشهداء. وبحكم اضطلاع “القوات اللبنانية” بهذه المسؤولية التاريخية فهي تستمر في التحكم بقراراتها وخياراتها ليس بحثاً عن مناصب ومكاسب إنما بحثا عن استعادة جمهورية ووطن ودولة ومؤسسات. ولذلك تعطي “القوات” أهمية قصوى لانتخابات أيار المقبلة انطلاقاً من تقديرها لأهميتها في صياغة المرحلة السياسية المقبلة استنادًا إلى اتفاق الطائف الذي كان يجب أن يطبَّق في العام 1989 مع الرئيس رينيه معوض قبل الإنقلاب عليه باغتياله. ولذلك تعتبر “القوات” اليوم أن قوتها هي في حضورها السياسي والشعبي وفي التمسك بالدولة والمؤسسات وهي لا تقلقها مثلاً التظاهرات التي تحصل في إيران التي شكلت صورة مكملة لانتفاضة حي السلم ضد “حزب الله”، وهي تدرك أنها لوحدها قادرة على أن تثبت حضورها وأن هذا الحضور يزداد أهمية وفعلاً مع التحالفات التي يمكن أن تذهب إليها، وهي تدرك أيضًا أن التطورات التي تحصل في المنطقة من إيران إلى بيروت مرورًا باليمن والعراق وسوريا لا يمكن إلا أن تصب في مصلحة استعادة السيادة الفعلية للدولة اللبنانية القوية وتطبيق القرارين 1559 و1701 ونزع سلاح “حزب الله”، ذلك أن مفاعيل معركة “فجر الجرود” التي خاضها الجيش اللبناني لا يمكن أن تظل من دون ترجمة فعلية على الأرض، والإنتصار الذي تحقق وتم إجهاضه بصفقة الجرود لا بد من أن يعود. وقبل الإنتخابات وبعدها لا أقدمية على أقدمية “القوات”.

للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]