#adsense

أنيس نصار من سوق الغرب وإليها مرشحاً في عاليه

حجم الخط

كتبت جومانا نصر في “المسيرة” – العدد 1643

أنيس نصار من سوق الغرب وإليها مرشحاً في عاليه:

الجسد يحمل عدة جنسيات، أما الدم فلونه واحد… ولبنان دمي وسيبقى

هو ذاك الإنسان الذي استفزته تحديات الحياة فقرر أن يواجهها بصلابة إبن تلك الأرض التي ارتوت بدماء أبطال وشهداء. من سوق الغرب التي ولد فيها أنيس وديع نصار كانت البدايات التي لم يخطط لفصولها إلا من اللحظة التي قرر أن يكتب سطورها الأولى من دروب النضال العسكري والطلابي.

هو ذاك اللبناني حتى العظم ورجل العلم والثقافة واليد البيضاء التي عادت إلى الوطن لتزرع بصمت في رحابه صروحا ثقافية وجامعية وإجتماعية لا سيما في بلدته سوق الغرب. وهو أيضا ذاك المغترب الذي أسس بنضاله الشخصي وكفاحه “شركة نصار للهندسة” في دبي والذي رفع إسمه على عدد من الصروح العلمية والمؤسسات الإجتماعية. وقبل عام ونصف كانت المحطة الأبرز التي أعادت انيس نصار إلى عمر مجبول بالتعب والنضال والعلم من خلال كتابه لا بل مولوده الأدبي الأول “رحلتي من سوق الغرب…إلى الشرق والغرب” الذي وقعه في أيلول 2016 في جامعة البلمند في سوق الغرب التي كان أحد مؤسسيها.

ولم يتردد ذاك اللبناني حتى آخر رمق من عمره أن يحول “الكاراج” الذي ولد فيه إلى مرتع صلاة وتأمل ولاحقا إلى ديوان لجلساته الإنتخابية بعد إعلان رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع ترشيحه عن المقعد الأرثوذكسي في عاليه.

“أنيس وديع نصار. إحفظوا الإسم جيدا لأن الرحلة لم ولن تقتصر على الشرق والغرب. الرحلة بدأت من سوق الغرب وفيها ستكتمل الحكاية”. كتبناها في عدد سابق. وصدقت الحكاية.

5 كانون الثاني كان الموعد في معراب لإعلان ترشيح أنيس وديع نصار عن المقعد الأرثوذكسي في عاليه. إلى قلب “القوات” دخل نصار الذي اعتاد ان يزور هذه القلعة بصفة صديق ومناضل لرفيق المقاعد الدراسية في الجامعة الأميركية سمير جعجع. واليوم يدخلها وبكل فخر بصفة مرشح حزب “القوات اللبنانية” عن المقعد الأرثوذكسي في عاليه. فعلها أنيس نصار في لحظة كان البعض يتساءل “لماذا أنيس نصار؟ ولماذا اختاره حزب “القوات” مرشحاً عن المقعد الأرثوذكسي في عاليه؟” الجواب كان في صلب قناعات ومعايير حزب “القوات اللبنانية” ورئيسه الدكتور سمير جعجع في تسمية مرشحيه في الانتخابات النيابية المقررة في أيار 2018 وفي صلب قناعات أنيس نصار الذي روى ذات يوم لـ”المسيرة” : “الجسد يحمل عدة جنسيات، أما الدم فلونه واحد. ولبنان دمي وسيبقى مهما طالت الرحلات”. أما القناعة الحزبية فأعمق من ذلك بكثير.

عندما قرر أنيس وديع نصار أن يجمع عصارة عمره في كتاب عاد إلى منزل العائلة في سوق الغرب حيث ولد وترعرع. حمل القلم الذي هجره منذ زمن بعيد بعدما استبدله بعدة الهندسة وبدأ فعل الكتابة. في البداية لم يعرف لماذا يكتب ولا من أين يبدأ. عجقة الذكريات المغمسة بالوجع عطلت لديه القدرة على ترتيب أفكاره. وما أن نظر إلى ذاك الوادي من على شرفة منزل العائلة أدرك اللغز: “أريد ان أكتب لأن ثمة دينا عليّ أن أوفيه لعائلتي وأهلي ومنطقتي وبلدي”. قالها أنيس نصار تمهيدا لتعريف القارئ وري ظمأ ذاك المهندس ورجل الأعمال والمغترب على فصول محطات حياته، هو الذي لم يتوقع يوما أن يضيف عليهامحطة جديد وهذه المرة بصفة سعادة النائب!

الرابعة من فجر 6 تشرين الأول عام 1951 أبصر أنيس نصار النور في كاراج البناية المؤلفة من ثلاث طبقات. ويروي في كتابه “رحلتي من سوق الغرب إلى الشرق والغرب”: “كان والدي يؤجر الطبقتين ونمضي فترة الصيف في الطبقة السفلية. لكن تعثّر أحوال العائلة ماديا دفع بوالدي إلى تأجير الطبقات الثلاث وسكنت العائلة في المرآب لمدة 3 أشهر فقط. وفي تلك المدة الزمنية ولدت وكان أهلي وإخوتي يعيِّرونني على سبيل المزاح “إنت إبن كاراج” وأجيبهم: “ليس لدي مشكلة”.

حكاية الكفاح شربها أنيس نصار من والده وديع الذي كان يعمل سائق أجرة حيث تعرّف إلى والدته سعدى وتزوجا وأنجبا أربعة صبيان وفتاة. ومن تلك الروح النضالية التي استمدها من والده أكمل أنيس مشوار العمر على دروب سوق الغرب فانتسب إلى مصلحة الطلاب في حزب الكتائب اللبنانية وكان ينظم محاضرات ويديرها ويصر في كل مرة أن يكرر أمام جيل الشباب أنهم يشكلون نواة الوطن الذي حلم به الرئيس بشير الجميل الذي كانت تربطه به صداقة قوية. وفي الجامعة الأميركية في بيروت حيث كان يدرس إختصاص الهندسة تعرف إلى سمير جعجع ويروي: “سنة 1970 حصل اشتباك في كلية الكيمياء (في الجامعة الأميركية في بيروت) مع الطلاب اليساريين وكان بينهم ربيع وعبد الرحمن الأسير ويوسف العلمي. اشتبكنا معهم على أدراج الكلية، وفيما كنا نتقدم للدفاع، كونهم هم من بادروا بالهجوم علينا، إذا بشاب طويل القامة، رفيع الجسم، يحمل بيده قضيبا من الحديد، يهجم كالأسد! نظرنا إلى بعضنا نظرة استغراب لأننا لا نعرفه وتساءلنا من يكون هذا الشاب، وهل هو معنا أو ضدنا؟ كان واضحا أنه تلميذ جديد في الجامعة ولكنه ما لبث أن وقف إلى جانبنا وشارك في الإشتباك الذي نشب بيننا بقوة وبطولة، حتى أننا ظننا أنه يزايد علينا. وقد سقط في هذا الإشتباك عدد كبير من الجرحى.عند انتهاء المعركة تقدمت من الشاب وسألته: “من تكون”؟ فأجاب بأنه طالب جديد في الجامعة وحين سألته عن إسمه أجاب: “إسمي سمير جعجع”. هكذا تعرفنا إلى سمير جعجع الذي دخل بعد ذلك إلى رابطة الطلاب اللبنانية وقد كان فاعلا جدا في الرابطة حتى تاريخ تركه الجامعة إبان الحرب اللبنانية”.

كان يمكن أن يبدأ هذا الطالب الذي التزم العلم إلى جانب سيرته العسكرية ونضالاته على الجبهات وفي الثكنات بعدما كان يدخل القلم وعدة الهندسة في عطلة قسرية، مسيرته المهنية بعد تخرجه في هذا الوطن الذي التزمه حتى الرمق الأخير. لكن الحرب الهمجية دفعته إلى توضيب الحقيبة واتخاذ القرار بالهجرة. مع ذلك لم ترحمه تداعيات الحرب فلحقت به وتسللت إلى شريان قلبه الذي لا يزال حتى اليوم يبكي صمتا نتيجة المأساة التي حلت بالعائلة ويروي: “عام 1976 خطف شقيقي سامي المولود في يوم عيد الشهداء في 6 أيار 1945 على يد أربعة مسلحين ملثمين حيث اقتادوه مكبلا من بيته أمام عيني والدي. كان متوقعا ان يمكث مدة ساعة أو ساعتين… لكنه مكث العمر في الثرى”.

من لحظة اختطافه طوت عائلة وديع نصار صفحات الفرح التي عاشتها العائلة على رغم كل الظروف الإجتماعية التي مرت بها. ويروي أنيس نصار في ذلك الفصل من كتابه الذي اختصره بعنوان “الكارثة”: “لحظة الإختطاف ارتمت والدتي على الأرض طالبة من المسلحين ترك ابنها الشاب. كان سامي في الثلاثين من عمره. وبعد ساعتين على اختطافه توجه والدي إلى أحد المراكز الحزبية في “عاليه” ليسأل عن ولده لكنه لم يتوصل إلى أي جواب. حاول القيام باتصالات مع الأحزاب والمنظمات الفلسطينية لكن من دون نتيجة أيضا. مرّ الوقت ثقيلا وثقيلا جدا، وكانت الوعود تنهال على العائلة، ومنهم من يأتي لطلب المال بهدف المساعدة: «إلا ان سامي لم يعد. اختفى سامي واختفى معه حلم عائلة آمنت بهذا البلد على مدى العمر والأيام”.

“عندما خطف سامي كان أنيس في عمان وشقيقه الأكبر رشيد في الولايات المتحدة الأميركية وميلاد في المملكة العربية السعودية. لم تشأ العائلة ان تخبر أنيس بنبأ اختطاف شقيقه ظنا منها أن الخاطفين سيخلون سبيل سامي  خلال أيام… وبعد ستة أشهر وصل الخبر إلى أنيس «خطفوا ميلاد ولم ولن يعود”… ما كانوا يريدون أن ينقلوا إليه الخبر المحزن وهو في الغربة. أو لعلهم كانوا يخشون أن يعود إلى لبنان بهدف الإنتقام من القتلة.

هجرة وديع وسعدى نصار إلى الولايات المتحدة الأميركية لم تطهر ذاكرة الوالدين من وجع الحرقة على أصغر أبنائها. ولم تعد سعدى تذوق طعم النوم على رغم الأدوية المهدئة. ويروي نصار: “أمست مدمنة على التدخين وهي التي لم تمسك بسيجارة يوما… كنت أرى الموت يجتاح جسدها وروحها شيئا فشيئا”. وبعد 6 أشهر على عودتها إلى لبنان كان القدر في انتظار أم رشيد. “كان ذلك في ليلة 31 كانون الثاني عام 1981. كنت جالسا مع أخي رشيد في مدينة ألباسو نتناول العشاء معًا ونحتسي كأسًا. رنَ جرس الهاتف. كان على الخط شاب يدعى خضر معتوق من بيروت. سألته: هل حدث مكروه مع والدي؟ قال: “إنها والدتك توفيت. البقية في حياتكم”. سقطت السماعة من يدي وارتميت على الأريكة. كانت صدمتي أصعب وأكبر من صدمة اختفاء شقيقي سامي الذي خطف وقتل. والدتي ماتت قهرا وفي الأول من شباط 1981 أقيم الجناز لراحة نفسها في كنيسة دير القديس جاورجيوس في سوق الغرب ودفنت في مدافن العائلة ولم يستطع أحد من أولادها الحضور. وفي كل سنة وتحديدا كل 31 كانون الثاني أعود الى صور والدتي التي جمعتها من هنا وهناك وألقي عليها التحية ثم أعيدها إلى الظرف وأضعه في حقيبة يد كان أخي سامي يحملها الى جانب قصاصات ورق من الصحف التي كتب فيها عن خبر اختطافه والإعلان عن وفاة والدتي بالإضافة إلى رسائل من سامي وأخرى من والدتي كانت تصلني باستمرار خلال وجودها في لبنان او في الولايات المتحدة الأميركية والتي عبّرت فيها عن مأساتها التي عاشتها بعد خطف سامي وقتله وتشتت العائلة في المهجر». أما والده الذي استمر في خدمته فرحل بدوره بحسرته لكنه على الأقل سمع منه كلمة “شكرا يا ولدي”.

من عمان حيث مكث فيها 20 عاما  إلى دبي التي وصل إليها عام 1996 وأسس “مجموعة أنيس نصار” وتضم مجموعة من الشركات الهندسية والزراعية إلى الولايات المتحدة حيث تزوج من دارا أبو زينة ورزقا بثلاثة أولاد ناتاشا وألكسندر وجانين تعلم أنيس نصار الكثير الكثير واستثمر هذه الوزنات بعد عودته إلى لبنان للمرة الأولى في العام 1995 حيث أعاد ترميم البيت العائلي في سوق الغرب وساهم في تشييد فرع لجامعة البلمند في سوق الغرب التي تم افتتاحها في 23 تموز 2010 بالإضافة إلى الكثير من المراكز التي يشغلها ومنها رئاسة المجلس الإستشاري لمؤسسة «أميديست» لبنان وعضو في مجلس الأمناء في جامعة البلمند منذ 10 أعوام. أما على مستوى منطقة سوق الغرب فقد ساهم نصار في تشييد مستوصف القديس جاورجيوس الذي يساهم في تأمين الطبابة لنحو 200 عائلة سنويا عدا عن الأعمال الخيرية التي تعنى في خدمة الإنسان والثقافة.

قبل 25 عاما طرح إسم أنيس نصار كمرشح عن المقعد الأرثوذكسي في قضاء عاليه “صحيح كانت خلصت الحرب من الشوارع بس كانت النفوس بعدا مشحونة بتداعياتا”. مرت الأعوام إلى أن فاتحه رئيس حزب “القوات اللبنانية” بقرار الحزب ترشيحه عن المقعد الأرثوذكسي في عاليه بعد إقرار قانون الإنتخابات: “كنت بزيارة عند صديقي الدكتور سمير جعجع. قللي بدنا نرشحك عن المقعد الأرثوذكسي في عاليه. جاوبتو ومن دون تردد “إلي الشرف كون مرشح حزب “القوات” بالمنطقة”.

يدرك أنيس نصار أن صفة مرشح حزب “القوات اللبنانية” تحمّله الكثير من الوزنات والمسؤوليات وربما طي صفحات من محطات الحياة التي حفر أثلامها في الغربة. لكنه لن يتردد في أن يكون على مستوى آمال حزب “القوات” ورئيسه. أما على المستوى الوطني فالعناوين التي سيرفعها وتندرج بشكل تلقائي في مسار سياسة حزب “القوات” فهي المحافظة على المصالحة التاريخية التي يصفها بـ”الخط الأحمر” والعيش الواحد، “ولن أسمح لأي كان بالتشويش على إرث باركه البطريرك مار نصرالله بطرس صفير ويرعاه اليوم الدكتور سمير جعجع والنائب وليد جنبلاط”. ومن العناوين الأخرى التي سيقف مدافعا عنها تحت قبة البرلمان، مواجهة الفساد بكل أنواعه وأشكاله “حتى لو كلفني الأمر إنو إحمل السلّم بالعرض وفوت فيه على مجلس النواب” وتعزيز موقع لبنان الثقافي من خلال المؤسسات التعليمية لأنها الثروة الوحيدة الباقية في لبنان ولأن أهم الأدمغة التي لمعت في العالم تحمل الجنسية اللبنانية. من هنا أنا متفائل بلبنان المستقبل لأن الإنسان فيه متمايز في علمه وثقافته”.

عندما زار أنيس نصار لبنان في بداية شهر كانون الأول 2016 وضع على برنامج زياراته محطة أساسية: مقر حزب القوات اللبنانية – معراب. وفي اليوم المحدد توجه إلى معراب لزيارة رئيس الحزب الصديق وزميل مقاعد الدراسة والنضال سمير جعجع. عند وصوله سلمه كتابه «رحلتي من سوق الغرب إلى الشرق والغرب» وقال له: “أرجو منك أن تكون الصفحة 108 أول صفحة تقرأها في هذا الكتاب”. وكذلك قال لنا عندما وقع لنا كتابه. تلك الزيارة لم تكن فقط لإهدائه مولوده الأدبي الأول، فأنيس نصار أراد أن يهنئ سمير جعجع على تفاهم معراب الذي ساهم في إخراج البلد من أتون الفراغ وانتخاب ميشال عون رئيسا للجمهورية. ذاك الطالب الذي اخترق الصفوف ذاك اليوم في الجامعة لا يزال يدهش أنيس نصار “القيادة تولد بالفطرة، لا تُعلَّم ولا تُكتسب. وسمير جعجع ولد قائدا منذ كان طالبا على مقاعد الدراسة ولو أكمل دراسته لأصبح من أشهر الأطباء في لبنان”.

من سوق الغرب إلى الشرق والغرب. رحلة أنيس نصار لم تكن سهلة. هو الذي لم يؤمن يوما بـ”الحظ” إنما بالفرص الموجودة والمثابرة والعمل لبلوغ الأهداف. ومهما ارتقى الإنسان يبقى الوطن ملاذه الأخير: “الجسد يحمل عدة جنسيات، أما الدم فلونه واحد. ولبنان دمي وسيبقى مهما طالت الرحلات”. وبقناعة يعترف أن شرارة الحرب في لبنان انطلقت قبل 13 نيسان 1975 “وقت صار في دولة ضمن دولة. واليوم عم يتكرر نفس السيناريو”. مع ذلك لا يزال إيمانه بلبنان كبيرا.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل