أزمات 2017: موازنة وسلسلة وإيجارات وكهرباء… إقتصاد متقلّب ووعود مؤجلة – 1

كتب سيمون سمعان في “المسيرة” – العدد 1643

أزمات 2017: موازنة وسلسلة وإيجارات وكهرباء

إقتصاد متقلّب وسياسة طاردة للفرص… ووعود مؤجلة

قال سياسي في معرض تفصيله للوضع الإقتصادي خلال العام 2017: “علت الجلبة حول المشاريع الإقتصادية خلال الأشهر الـ12 الماضية، لكنها لم تجلب ما يوازي من الخير العميم المنتظر. فلمن يراقب، كَثُر الحديث عن وعود ونمو، وهو بعدُ لم يعتلِ الدرجة الأولى من سلم الصعود. ولمن يذكر، بدأ العام 2017 أيامه بالسجال حول مناقصة المعاينة الميكانيكية وختمه بالسجال حول تغيير لوحات السيارات ودفاتر التسجيل، وما بينهما ما يشبه ويتقاسم معهما الصفات والصفقات. ولمن لا يعلم، هناك العديد من المؤشرات التي استمرت سلبية على الرغم من انطلاق عهد جديد واحتضانٍ دولي مريح». وختم السياسي بالتشديد على أنه “مع الأخذ بالإعتبار مجموعة الأزمات التي واجهت لبنان خلال العام، إلا أن هناك خللاً داخليا ظاهرا أجهض الوعود التي حملتها العهود!”

دخل لبنان العام 2017 متسلحا بالأمل الذي أرسته عودة عجلة المؤسسات إلى العمل، وانطلاق حكومة رفعت “استعادة الثقة” عنوانَ عملها وصفةً لها للأتي من الأيام. ومع أن النظرية الإقتصادية تقول إن الثقة هي نصف الطريق لتحريك الإقتصاد، والتخطيط والجهد هو نصفها الآخر، إلا أن الثقة التي تم الحديث عنها منذ بداية العام، والجهد الذي بذله الإقتصاديون أملا في استعادة المبادرة وإعادة الروح إلى القطاعات والشركات، لم تعطِ النتائج المرجوّة ولم تحقق الأهداف المرسومة على ضوء ما حدّدته الوعود من معطيات.

فثمّة العديد من المشاريع التي طوتها أخرى قبل أن تخرج إلى النور، والعديد من الأفكار والخطط التي لم تجد طريقها إلى التنفيذ، والكثير من الوعود البرّاقة التي لمعت كالبرق وما لبثت أن اختفت وسط الظلام. يكاد يُجمِع الإقتصاديون على هذا الوصف، ويتابعون أن هذا لا يعني أن الأمر ميؤوس منه وأن الوضع سوداوي، ولكن لا بد من وضع الإصبع على الجرح مخافة أن يعتاده الجريح فلا يبادر إلى معالجته.

فهل تُلخِّص هذه النظرة واقع الأمر؟ وهل صدَقَ التوصيف؟ وماذا عن أبرز المحطات الإقتصادية خلال العام المنقضي وما الذي تحقق منها وما الذي لم يتحقق؟

عَود على بدء

احتلت مسألة تلزيم المعاينة الميكانيكية حيزا واسعا من بداية العام الماضي. وميّزها السجال الذي تبادله وزيرا الداخلية نهاد المشنوق والإقتصاد رائد خوري على الهواء للقول إن وراء تلزيمات المعاينة الميكانيكية ما وراءها.. وترافق ذلك مع اعتصامات رفضا للمناقصات الحاصلة ثم العودة عنها وتعليقها. ولكن ما ذنب المواطنين الذين حُشروا بين ذل إجراء المعاينة وذنب التخلّف عنها، وكلا القدرين مرّ؟… نعم ألِفَ اللبنانيون واقعا لم تعد معه الأسئلة أكثر من إجابات بعلامات استفهام. وتمرّسوا بأساليب إلباس المصالح الشخصية لباس القضايا الحياتية الشفافة. وباتوا أكثر نفورا من الحاضر وأقل ثقة بالمستقبل.

ومن أول العام إلى آخره سجال بألسنة أخرى ولكن على الموجة نفسها، عن تغيير لوحات السيارات ودفاتر التسجيل والكلفة المترتبة على المواطن من جراء ذلك، علما أن إمكانياته لم تعد تسمح بالسكوت واهتماماته أصلا هي في مكان آخر. لماذا دائما هناك أسماء محددة للتلزيم؟! ودائما هناك غموض في القرار والتنفيذ؟!

إبريق… الكهرباء

في مسألة الكهرباء، بدأ العام على اعتصامات ومطالبات وانتهى على مثلها من دون أن ينعم المواطن بضوء غير متقطّع وفاتورة غير مجزّأة. ومع انقضاء الأيام الأخيرة من العام كان إضراب عمال الكهرباء ما يزال قائما. وقد أعلنت نقابة عمال ومستخدمي مؤسسة كهرباء لبنان استمرار الاضراب بانتظار ما ستؤول اليه نتائج المفاوضات بين المرجعيات المعنية. ولكن بغض النظر عن النتائج فإن الجوهر في المسألة أن الأزمة نفسها ما تزال مستمرة، ليس منذ بداية العام 2017 بل منذ سنوات وعقود من دون أن تجد طريقها إلى الحل.

وفي مطلع العام تلقت “القوات اللبنانية” وعدا من رئيس الحكومة سعد الحريري ومن وزير الطاقة سيزار أبو خليل بأنه فور إقرار الموازنة سيَطرح وزير الطاقة خطةً للكهرباء، مِن أهمّ بنودها الإصلاحية إشراك القطاع الخاص في الإنتاج. وأوضح نائب رئيس الحكومة وزير الصحة غسان حاصباني يومها أن مجلس الوزراء إلتزم ببحث ملف الكهرباء خلال عشرة أيام، يكون الوزير أبو خليل قد تقدّم خلالها بخطة لتطوير العمل في هذا القطاع. ومثل غيره من الأمور انتهى العام ولم ينتهِ مشروع الكهرباء بل لم يبدأ بعد، وهو يراوح عند باخرتين تتقاذفهما أمواج التلزيمات.

القانون المعجزة

بعد أعوام على درسه وتعديله، خرج قانون الإيجارات إلى ساحة المالكين والمستأجرين بل إلى مساكنهم وقضّ مضاجعهم. فهل من يعرف عنه شيئا؟ على مدى سنتين درست لجنة الإدارة والعدل تعديلات قانون الإيجارات الجديد بعد إقراره في العام 2014، ليبصر التعديل النور في الربيع الماضي، وبعد نقاشات في التفاصيل أعيد بحث 58 مادة، الى أن تمّ التوصّل إلى صيغة قانونية وتم السير بها من قبل النواب.

في النهاية عدّل مجلس النواب القانون بحيث عُلّق تطبيق مواده المتصلة بصندوق المساعدات وتقديماته والمراجعات القضائية في الأساس والتنفيذ أو الأحكام التي صدرت والتي تحدّد بدل الإيجار أو الإخلاء الى حين دخوله حيّز التنفيذ، أي حتى ينشأ صندوق المساعدات، أو ما تمت تسميته بالحساب الذي يفتح في وزارة المال، على أن يُعمل بهذا القانون بعد نشره في الجريدة الرسمية وخلال 4 أشهر. لكن الغموض استمر والحل لم يبلغ العتبات، وإن كان العام انتهى على وعد من الرئيس سعد الحريري بالعمل على الوصول الى حل نهائي وتأمين صندوق الدعم للمتسأجرين.

الشقيقة اليتيمة

في أواسط شباط الماضي عاودت الحكومة بحث موازنة العام 2017، وأقرها المجلس النيابي في تشرين الأول الماضي، غير أن شقيقتها للعام 2018 لم تنل الفرصة نفسها بعدما قذفتها أزمة استقالة الرئيس الحريري إلى أجل غير مسمّى. المهم في الأمر أن البلد فاتته فرصة الصرف على أساس موازنة متوازنة تنضبط على أرقامها الواردات والنفقات وتتحدد السياسية المالية للدولة.

صحيح أن الموازنة العامة للدولة اللبنانية لم تقر منذ 12 عاما، إلا أنها أقرت في آخر العام فلم تؤتِ الثمار المرجوة منها، علما أن هناك من اعتبر أن مجرّد إقرارها في حد ذاته هو دليل عافية بغض النظر عما تضمنته المناقشات بشأنها وردود الفعل على مندرجات قانونها لناحية زيادة الضرائب التي لا طاقة للبنانيين على تحمّل المزيد منها. فالأهمية التي أعطيت لقانون الموازنة جعلته يتجاوز قانون الإنتخابات طارحا نقاشا بين الإقتصاديين حول عدالته وموضوعيته، كما خشية لدى الرأي العام من أن تكون الدولة لجأت إلى الطريقة السهلة لزيادة الإيرادات وهي فرض المزيد من الضرائب على المواطنين الذين ما لبثوا أن أملوا بتخطي أزمة قطع الحساب وبدء العمل على موازنة 2018 حتى انتكست الأمور، وهي الآن لا تبشر بإقرار قريب لها.

الملكة الهاربة

نظمت وزارة السياحة في 25 و26 أيار الماضي، المنتدى الدولي الأول للسياحة والمؤتمرات، بهدف التسويق السياحي للبنان أملا في رفع أعداد الزائرين خلال الصيف. المنتدى الذي جمع 150 شركة سياحية من حوالى 70 دولة حول العالم، أمل المشاركون فيه من اللبنانيين أن يكون أعطى صورة صحيحة عن لبنان في الخارج. لكن في المقابل هل هذا ما يحتاجه لبنان لاستعادة ريادته كوجهة سياحية مقصودة عالميا؟ أرباب القطاع يقولون إن هناك أمورا أخرى كثيرة مطلوبة ولها الأولوية في تحقيق هذا الهدف… ولم تتحقق!

وعلى الرغم من تحضيرات المعنيين في القطاعات السياحية إلا أن الأجواء السياسية لم توح بما يشجّع السائح على الوفادة فظل المعدل أقل من المرتجى. فلا حلول رمضان في بداية الصيف ولا عيدي الميلاد ورأس السنة في نهاية العام، غيَّرا في المشهد بما يمكّن من القول أن الموسم كان جيدا.

الهمّ الدائم

بعد إنتخابات جمعية المصارف في حزيران، وبعد انتهاء الموسم السياحي في أيلول، عاد اللبنانيون إلى هم الأقساط المدرسية على خلفية تطبيق سلسلة الرتب والرواتب. ومن هناك دخلوا الدوامة بين مطالبة الأساتذة برفع أجورهم، وتهديد المدارس برفع الأقساط لتغطية أي زيادة ستضطر لدفعها، وصولا إلى صرخة الأهل من عدم القدرة على تحمّل المزيد من الأعباء علما أن الأقساط هي أصلا مرتفعة. وبنتيجة ذلك شهت الفترة الممتدة من منتصف الصيف الماضي حتى اليوم سجالا وإضرابات واعتصامات. ومنذ تلك اللحظة لم يتوصل بعد إتحاد المؤسسات التعليمية الخاصة إلى الإتفاق على نسبة الزيادة المقررة على الأقساط المدرسية للعام الدراسي 2017 – 2018.

موظفو القطاع الخاص كما الأساتذة لم ينتظروا طويلا قبل أن يرفعوا الصوت مطالبين بزيادة أجورهم. لكن طريق هذه المطالبات ليست سهلة بل إن دونها رفض العديد من أرباب العمل حتى البحث في مبدأ الزيادة، بغض النظر عن نسبتها. فيما يقف الإتحاد العمالي العام داعما ما يعتبره مطالب محقة للعمال.

صعود وهبوط

القروض المدعومة من مصرف لبنان كانت واحدة من عوامل البلبلة قبل نهاية العام عندما سرى الحديث عن أن مصرف لبنان طلب من المصارف وقف منحها للمواطنين. لكن لم يطل الأمر قبل أن يوضح المصرف المركزي أن الإجراء موقت. وبالفعل عادت المصارف والمؤسسة العامة للإسكان، لمنح القروض المدعومة من مصرف لبنان، بعد أن أصدر البنك المركزي تعميماً أعلن فيه عن إفادة المصارف من تسليفات بقيمة إجمالية تبلغ مليار دولار في العام 2018. سرى القرار، لكن بقيت التساؤلات متوقفة عند العديد من التراكمات حول محاولات البعض توسّل القطاع المالي اللبناني وتعريض متانته للخطر، مقابل تحقيق مآرب خاصة والإلتفاف على قرارات خارجية.

فالبيان الختامي لاجتماع وزراء الخارجية العرب في القاهرة، حمّل حزب الله مسؤولية دعم الجماعات الإرهابية في الدول العربية. وأسس لفرض مزيد من العقوبات المالية عليه لتقييد حركته. هذا التوجه كان تجلّى أصلا في تشديد قانون “باتريوت” الأميركي العقوبات المالية على الحزب باعتباره “منظمة إرهابية”… ربما يكون هذا الهم هو ما سيورثه العام المنقضي إلى العام الجديد، إذ ليس ما يؤشر إلى أن حزب الله في وارد تغيير سلوكه، أو إلى أن العالم في وارد التراجع.

الثابت المتقلّب

حركة القطاع العقاري هي الأخرى تحمل مؤشرات عن اتجاهات الوضع الإقتصادي العام، كونه يمثل واحدا من الركائز الأساسية للإقتصاد اللبناني. وفي هذا الإطار ثمّة من تحدث عن تراجع على هذا الصعيد، خصوصا أن هناك فرقا كبيرا في الحركة بين الشقق الصغيرة وتلك الفخمة والكبيرة. كما أن هناك فرقا في الإتجاهات بين أسعار الأراضي وأسعار الشقق.

وخلال الأعوام الأخيرة، عرف القطاع العقاري اللبناني، لا سيما الشقق الجاهزة، موجات صعود وهبوط متأثرة بالعديد من العوامل المحلية والخارجية. لكن ما استدعى الكلام عن ملامح أزمة في القطاع، هو التراجع شبه المتواصل للأسعار منذ العام 2012 حتى اليوم. هذا الواقع دفع المطورين العقاريين وتجار الأبنية إلى إجراء حسومات على الشقق وصلت إلى 40 في المئة. وفي محاولة لإنقاذ الوضع، بادرت المؤسسة العامة للإسكان إلى خفض أسعار الفائدة على قروضها الجديدة من 4.67 في المئة و5 في المئة إلى 3.25 في المئة و3.50 في المئة. ويهدف الخفض إلى تشجيع الطلب على شراء المساكن، من أجل دعم قطاع البناء وتصريف السيولة بالليرة المتراكمة لدى المصارف، فضلا عن تخفيف حدة التململ الاجتماعي.

أم الأزمات

ختام أحداث العام الذي ما زالت تداعياته قائمة كان استقالة الرئيس الحريري وما تلاها من قرارات وتداعيات سياسية واستطرادا إقتصادية. فاللبنانيون الذين توسموا خيرا مع انطلاق مؤسسات الدولة من جديد، خيبت آمالهم عقبات ونكسات عديدة تلاحقت على مدى أشهر العام، وما كانت التطورات الأخيرة إلا تتويجا لمسار إقتصادي مرتبك لم ينعم بالدفع الكافي لانطلاقة حقا واعدة. وقد كان لهذه الأزمة كلفتها مالياً واقتصادياً بحيث بلغت تدخلات المركزي ملياري دولار وبلغت التحويلات إلى الخارج حوالى الـ 800 مليون دولار عاد قسم منها بعد انقشاع الرؤية وهدوء العاصفة.

وسط هذه المعمعة، ربما يكون الأمر الأبرز الذي أجمع عليه الخبراء هو أن التداعيات الناتجة عن إستقالة الرئيس الحريري، أو المنتظرة من جرائها، ليست وليدة الإستقالة بعينها، بقدر ما هي خلاصة تلك التراكمات السلبية وتضافر العوامل الطاردة للإستثمار والإزدهار والنمو الإقتصادي. وما زاد الوضع سوءا علاقة لبنان مع أشقائه العرب خصوصا الخليجيين والخشية من تأثر مصالح اللبنانيين هناك نتيجة سياسات غير مدروسة من جهة وأخرى لا تقيم وزنا لهذه المصالح من جهة ثانية.

… ويبقى الأمل

وجد معظم الإقتصاديين أن انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة وعودة انتظام عجلة الدولة وانطلاق العمل مع بداية العام 2017، أكسب بيئة الأعمال ما تحتاجه من بصيص نور لاستعادة الأمل بانطلاق موعود. واعتبروا يومها أن عامل الثقة هو العنصر الأبرز في عملية التجاوب الإقتصادي، وعودة المؤسسات سبب كاف لمنح هذه الثقة، آملين في أن تظهر بوادر التحسن الفعلي في أسابيع أو أشهر قليلة. في المقابل رأى آخرون أن تحسن المؤشرات الإقتصادية فور انتخاب رئيس وتشكيل حكومة، غير كاف لإشاعة الثقة إذا لم يترافق مع قرارات إجرائية منتظرة. وبرأيهم، فالإقتصاد الذي يعاني منذ العام 2011، لن يتعافى في أشهر، وأن العام 2017 لن يكون في أحسن الأحوال إلا مرحلة تمهيدية لتحقيق النمو. فهل صدق هؤلاء؟

اليوم وبعد طي العام آخر أوراقه يتبيّن أن الآمال كانت أكبر من الفرص والإمكانيات، ويتأكد أن الأزمات السياسية كانت أوسع من أن تترك مجالا لتحرّك الأعمال والأموال، وها هو العام الجديد يفتح عينيه على واحدة من من هذه الأزمات ويثبط الآمال التي ستظل قائمة علّها تجد في العام الجديد فرصتها في التحوّل إلى وقائع.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل