صيف واحد ومئة مهرجان

كتب عماد موسى في مجلة “المسيرة” العدد – 1643

 

هل قرأ اللبنانيون سطراً عن الحفل الأسطوريWonderful Crazy Night الذي أحياه السير إلتون جون (الحائز 5 مرات جائزة غرامي) في البيال في العاشر من كانون الأول 2017؟

الجواب: لا.

السبب: لأن المنظمين ينظرون إلى الصِحافة كوسيلة للترويج المسبق وليس أكثر. ولا يحتاجون إليها كي تكتب عن أمسية عالمية في بيروت بيعت كل بطاقاتها.

في صيف العام 2001، إفتتح إلتون جون نفسه مهرجانات بيت الدين الدولية بأمسية على البيانو، سنتئذِ بيعت كل البطاقات المخصصة للبيع. وأبقت إدارة المهرجان على مقاعد الصِحافيين للصحافيين. الفرق يبدو شاسعاً بين الجشع التجاري وبين الإلتزام الثقافي والحضاري.

إنتهت السنة 2017 «الثقافية» عملياً بحفل المغني البريطاني  الأشهر، لا بحفلات رأس السنة، التي يحصد فيها المغنّون اللبنانيون من جماعة الألقاب الرنانة مئات الآلاف من الدولارات، كل بحسب قاعدته الجماهيرية من دون تسديد أي دولار لمصلحة الخزينة الجائعة على الأرجح.

وكان صيف لبنان عنوان السنة الأبرز. مهرجانات على كامل الأرض اللبنانية محلية ودولية تعدّت المائة، ولم تقتصر على أمسيات الغناء، ففي البلد منصات أيضاً للرقص المعاصر (نيسان 2017 في بيروت) وللسينما والمسرح الموسيقى (اليوم العالمي للجاز في شارع اللنبي)، بعضها يلقى الدعم فوق ما يستحق وبعضها دون ما يستحق وفي الحالين لسان حال وزارتي السياحة والثقافة «العين بصيرة…».

والملفت تصنيف بعض المهرجانات بالدولية من دون وضوح آلية التصنيف. فهل يكفي تطعيم مهرجان سوبر بلدي بمغنية إيرلندية شقراء منسيّة لكي يمنح المهرجان صفة الدولية ويعتبر موازياً لمهرجانات بيت الدين الدولية مثلاً التي قدّمت على مدى سنوات أعمالاً رائعة ترفع من مستوى الذائقة الفنية ولم تنجرف في اللعبة الجماهيرية الصرف، كأن تحشد  أسماء نجوم لا تتمتع أعمالهم بالمستوى الفني المطلوب ولو «كسّرت» الأرض! وهل وجود أميرة الإحساس شيرين عبد الوهاب في مهرجان صيدا مع «المفعم بالكاريسما والموسيقى» غي مانوكيان ينقل المهرجان المحلي إلى مصاف العالمية؟

مهرجانات الأرز الدولية هذا العام كرَّمت الأرزة بأوبريت غنائية كتبها الشاعر نزار فرنسيس ولحنها ميشال فاضل وشارك فيها 12 فناناً لبنانيًا من مختلف الأطياف هم: وليد توفيق وغسان صليبا ونجوى كرم ونانسي عجرم ومعين شريف وملحم زين وعبير نعمة وجوزف عطية ورامي عياش وزين العمر وتانيا قسيس وإيليا فرنسيس، وقد ألهبت الأوبريت الحضور والجمهور الذي شارك ملوّحًا بالأعلام اللبنانية. وقد أثبتت هذه المهرجانات حضورها بعد ثلاثة أعوام على عودتها الى الحياة بعد خمسين عامًا من الغياب بجهد متواصل من رئيسة لجنتها النائب ستريدا جعجع.

يحظى عدد من المهرجانات بدعم مالي «رسمي» من وزارة السياحة  يتراوح بين 5 ملايين ليرة و100 مليون ليرة، أما البلديات المقتدرة الداخلة في السبق المهرجاني، كبلدية جونيه، فلا أظنها تمدّ يدها لتستعطي حفنة من الملايين. وفي مناسبة الكلام عن جونيه الحبيبة، فيبدو أن معركة الإنتخابات البلدية استُكملت صيفاً بإقامة مهرجانين: واحد رعاه جوان حبيش والثاني نعمت افرام. في المهرجان البلدي (مهرجان صيف جونيه) كانت أسعار البطاقات متهاودة وأدناه 20 دولارا. مايكل بولتن حل ضيفاً على مهرجان حبيش وفارس الغناء العربي عاصي الحلاني، وشهد المهرجان الثاني (مهرجانات جونية الدولية) حدثاً ثقافيّاً إبداعياً مع النسخة الأصليّة للعمل المسرحيّ الضخم «نوتردام دو باري» الذي أشرف عليه المنتج والمؤلفّ الموسيقيّ أسامة الرحباني وهو من بطولة هبة طوجي بدور إزميرالدا، ومن فعاليات المهرجان الذي أقيم على مسرح مستحدث قرب كازينو لبنان سهرة مع وائل كفوري. وطبعا حفلات وائل «صولد آوت» وأكتر! أما الألعاب النارية الكسروانية فحدث مبهر.

وكما في جونية، في زحلة مهرجانان بدل المهرجان الواحد ظاهرهما فني وباطنهما سياسي كما أغلبية المهرجانات التي يعتبرها كثيرون منصة للترويج والدعاية الإنتخابية.

في مهرجان «رئيسة الكتلة الشعبية» السيدة ميريام سكاف إفتتح التينور العالمي خوسيه كاريراس المهرجان ثم كرّ النجوم اللبنانيون راغب ونانسي وعاصي مع حفظ الألقاب. أما مهرجان «أمسيات زحلة» فاستضاف باتريسيا كاس، وابن المدينة وائل كفوري، وهبة  طوجي.

وفي العودة إلى الرحابنة أسامة وغدي ومروان وهبة، فقد «إنتشروا» شمالا وجنوباً وفي قضاء جبل لبنان. في مهرجانات جبيل «إستذكار» لفيليمون وهبي ونصري شمس الدين، في مهرجانات الأرز الدولية 10 سنوات تعاون بين أسامة وهبة اختُصرت في سهرة. رحبانياً أيضاً إفتتح غدي الرحباني مهرجانات أنفة (دولية أو محلية؟) بأمسية حملت عنوان «أنغام على أوتار القمر».

وتبقى برمجة مهرجانات بعلبك وبيت الدين وبيروت وجبيل علامات فارقة. فلنقرأ فقط أسماء من شاهدناهم وسمعناهم في بيت الدين:

عمر كمال، جوردي سافال، باليه لوزان لـ«بيجار»، فرقة «بينك مارتيني» آمال مثلوثي، السيرك السياسي لـ مترو المدينة، ماجدة الرومي. السقطة الوحيدة كانت في «السيرك السياسي» على رغم  نجاحات سابقة للفريق المسرحي نفسه خصوصاً  في «هشّك بشّك»، بالإضافة إلى كاظم الساهر، الرافعة الجماهيرية  لبيت الدين و»إهدنيات».

أما مهرجانات بعلبك الدولية التي اقتصرت على ست فعاليات، فتميّزت بأمسيتي ابراهيم معلوف وسميرة سعيد  وفي «مهرجان أعياد بيروت» كريس دو بورغ يُبعث من جديد. أما  مهرجانات جبيل فلم تنجح  هذه السنة في اجتذاب جماهير الشباب المُراهن عليهم. عوّضت الصيف بكانون. ويمكن للمهتمين أكثر بموضوع المهرجانات الإستعانة بمحرّك غوغل.

صيف المهرجانات كان بجدّ مرهقاً لوزير السياحة أفيديس كيدانيان، فمن مؤتمر صحافي إلى مؤتمر، مرة مع وزير الثقافة الدكتور غطاس خوري ومرة مع  وزير أو نائب أو زوجة نائب. وقد أكسبته المؤتمرات المتلاحقة خبرة في الإرتجال. برافو أفيديس. ولم يقتصر نشاط الوزارة والوزير على الشأن المهرجاني في آخر صيف فقد رعت الوزارة مسابقات جمالية من ملكة جمال لبنان إلى ملكات كسروان وجبيل… وملكة المغتربين، وإن شاء الله في هذه السنة نشهد ولادة ملكات تمثّلن الدوائر الإنتخابية. ألا تستأهل دائرة بعلبك الهرمل مثلاً ملكة؟ أو دائرة بعبدا؟

فرح الصيف، تلاه حزن الشعر على الشعراء.

في شهر واحد  سافر خليل شحرور وعصام العبدالله وألبير حرب إلى أمكنة نائية في التراب والسماوات.

الشاعر عصام العبدالله، مايسترو الجلسات في ال«كافيه دو باري» قبل إغلاقها، والركن الأساسي على طاولات السخرية. كتب عنه مارسيل خليفة «ما بعرفن. لم أسأل أحدا من هو في غمرة الشعراء. قرأت القصيدة في الجريدة ولحنتها وغنيتها وعندما التقينا رأيته قويّا كثور، يحلّق عاليا كالنسر. ولم يكن يشبه أحدا، كان يقتني الخسارة في الدواوين يخرجها يموسقها يطبعها ينشرها يوزعها ويقرأ علينا ما تيسر إذا بقي وقت من أول وآخر الكلام في ترؤسه للقاءات صفحة صفحة. على رغم ضحكاته المجلجلة وروحه الحلوة كان أكثر حزنا من الناي».

إبن الخيام وإنطلياس وبيروت ومقاهيها  مطلق مقولة «الفصحى هي إبنة الملك، المحكية هي ابنة البواب»، ترك أصحابه وثلاثة دواوين هي: «سطر النمل»، «قهوة مرّة»، «مقام الصوت». ومما كتب ذاك الجامح  في زمن العشق المستدام:

«صوتك/ لما وقف عا صوتك العصفور/ وهز تحتو غصنك الكحلي/ لعب الهوا بيناتكن/ صار الهوى اتنيناتكن/ صار الطرب شو تقول للعصفور/ وصار الشعر شو بدك تقللي».

وقبل العبدالله، خسر الزجل شاعرا ونقيباً لشعراء الزجل: خليل شحرور وهو من شعراء الجيل الثاني إذا صح التعبير (جريس البستاني، طليع حمدان ، موسى زغيب). غنى وتبارى مع أهم شعراء الزجل، وأحيا عدة حفلات مع جريس البستاني وطليع حمدان وزغلول الدامور (92 عاماً) وزين شعيب وأسعد سعيد وخليل روكز ومحمد المصطفى… وثالث المسافرين في كانون شاعر الخماسيات: ألبير حرب. ويمكن القول لا تجديفاً ولا مبالغة: سبحان الشعر الباقي.

على المستوى الشخصي أحزنني غياب الصديق ستافرو جبرا، وقد عرفته منذ بدايتي الصِحافية. وكم وددت لو تعرّفت إلى الأميركي Bob Givens ، مبتكر شخصيتي توم أند جيري وBugs Bunny و Daffy DuckوPopeye، إنه واحد من صانعي الطفولة الدائمة. عاش 99 عاماً ومات غير متمم كل أحلامه.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل